حازت إيران دورًا متعاظمًا في العراق، منذ سقوط نظام عدوها اللدود، صدام حسين، وغزو القوات الأمريكية للبلاد.

كانت الفرصة مواتية حينئذ لطهران حتى تجعل من العراق تابعًا لقراراتها، مستفيدة من الكثرة العددية للشيعة، الذين عانوا تضييقًا كبيرًا في فترة حكم صدام، ومن القرب الجغرافي، فعززت نفوذها سياسيًّا داخل البرلمان، ودينيًّا عبر التقارب مع المرجعيات الشيعية، والإشراف على تسهيل حج الإيرانيين إلى النجف وكربلاء، وعسكريًّا عبر التغلغل في أجهزة الدولة.

فمنذ انطلاق الاحتجاجات في العراق وصفها المرشد الإيراني بأنها «مؤامرة من الأعداء»، معتبرًا أنها «تهدف إلى التفريق بين إيران والعراق».

واضح من خلال تلك التصريحات أن إيران تشعر بالخوف من تطور الأحداث، ولا ترغب في أن ترى الأوضاع تخرج عن سيطرتها؛ فإيران وإن سيطرت على النفوذ السياسي في الدولة، فإنها تجهل النفوذ الشعبي الذي لا يمكن السيطرة عليه في حالة أراد الشعب ذلك التغيير، والتعبير عن إرادته بحرية مطلقة.

ويرى الكاتب، أن خسارة إيران لنفوذها في العراق قد يعني خسارتها للكثير على مستوى سياستها الخارجية، وصراعها النفوذي في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، وفي ظل الصراع السعودي الإيراني، تلعب العراق دورًا مفصليًّا في تنفيذ سياسات إيرانية تصيب العمق الاستراتيجي السعودي، فكانت وما تزال المملكة العربية السعودية تتضرر يومًا تلو الآخر من الأجندة الإيرانية المتغلغلة جوارها، أكثر تضررًا من تهديدات السلاح النووي الإيراني.

فتعد تلك الأجندة الإيرانية محددًا أساسيًّا من محددات السياسية الخارجية الإيرانية، والتي تستخدمها إيران بمختلف الأساليب سياسيًّا، وطائفيًّا، وعقائديًّا، وعسكريًّا، لتنفيذ سياستها الخارجية في المنطقة، والتي بالفعل حققت نتائج ملموسة في تغير المشهد لصالح إيران في منطقة الشرق الأوسط؛ لذلك ستسعى إيران وبكل قوتها لمحاولة إدخال الطائفية في المظاهرات، إن لم تستطع إجهاظها؛ لكي تحافظ على أهم حلفائها في الشرق الأوسط.

فقد تؤدي خسارتها في العراق خسارة أخرى لها في لبنان وسوريا، واللتين من خلال وجودها في العراق استطاعت خلق نفوذها في جارتيها السورية واللبنانية، مما يعني خسارة إيرانية غير مسبوقة قد تعيدها إلى الوراء خمسين عامًا؛ لذا علينا أن نضع احتمالًا مهمًّا، أنه مهما كانت نتائج الاحتجاجات في العراق، فإن إيران لن تسمح لهياكل قوتها بالانهيار دون قتال.

وبالنسبة للملكة العربية السعودية، فطالما أن الأمر يضر ايران؛ فإنه يفيدها بالضرورة، وينطبق على ذلك قول المثل العربي مصائب قوم عند قوم فوائد.

فالسعودية وجدت نفسها هي المستفيدة الأكبر من تطور تلك الاحتجاجات في العراق، بغض النظر عن صحة الأقوال التي تقول إنها هي الداعمة للاحتجاجات أو لا، فحين نلفت الانتباه للتوقيت، إذ إن تلك المظاهرات جاءت بعد الانتكاسة التي تعرضت لها السعودية في حربها على اليمن، سواء في العملية الكبيرة التي وقعت على مشارف نجران وما رافقها من صدمة، من هول الخسائر المادية والبشرية، أو ما سبقها بأسابيع من هجوم جوي بالمسيّرات والصواريخ على منشأة أرامكو، بما تحمله من أهمية اقتصادية واستراتيجية للسعودية، ومن ورائها حليفها الأمريكي، والذي ترجح بعض الصحف أن مصدر تلك الصواريخ كانت من الأراضي العراقية.

فقد يكون فعلًا للسعودية دور في دعم تلك الاحتجاجات أملًا في إنهاء النفوذ الإيراني، لكن ربما لا تريد أن تخوض حربًا جديدة مع إيران بجانب تلك التي تخوضها في اليمن.

لذلك لجأت إلى استخدام ورقة الشعب، وهي الطريقة المثلى لردع النفوذ الإيراني دون استخدام القوة العسكرية؛ لأنها تدرك أن عدوتها تجيد استخدام القوة أكثر منها.

لذلك قد تلجأ إيران إلى تحويل المشهد لصراع عسكري واستغلال نقاط قوتها من خلال رهانها على قوات الحشد الشعبي التابعة لها، بعد أن فشلت في تطييف المظاهرات، حتى بعد خروج بعض الطوائف الشيعية عن سيطرتها، فنجد أن هناك عنفًا مبالغًا فيه، وتخريبًا ممنهجًا من بعض المتظاهرين، وهذا قد يدفع بالأمور إلى الفوضى.

وثانيًا رد فعل القوات الأمنية يتسم بالشدة والعنف، واستسهال القتل، وهذا ما قد يزيد اشتعال الأمور ووصولها لمرحلة لا يمكن التوقف عندها، وهذان الأمران يؤشران إلى وجود إصرار من الطرف الأول بالرهان العسكري؛ لأنها تدرك أن الحفاظ على نفوذها في العراق مسألة حياة أو موت.

وفي خاتمة المقال أود توضيح أن الشعب العراقي لديه من الوعي الثقافي والسياسي ما يجعله قادرًا على إنجاح ثورتهم المجيدة، دون السماح لتلك القوى بالمساس بأمن العراق ووحدته؛ فقد رأينا ذلك التكاتف والتقارب غير المسبوق بين الطوائف السنية والشيعية، وتوحيد الأهداف والرؤى فيما بينهم، وتقديم مصلحة الوطن فوق كل مصلحة أخرى، وأتمنى من أولئك الشباب الأحرار الماكثين في ساحات التحرير في بغداد وباقي المدن العراقية، أن يكونوا مدركين لذلك الصراع الخارجي، وأن تكون لديهم السبل لإنجاح ثورتهم المجيدة دون الوقوع في استغلال أي قوى خارجية، أو عناصر طائفية في المساس بسيادة وأمن العراق وكرامته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد