لقد بَنت إيران نفوذها ومجتمعاتها الخاصة داخل المجتمعات العربية والإسلامية، والتي تُشكل دولًا داخل الدول بعيدًا عن الأضواء الإعلامية وعلى مدى أكثر من 30 عامًا، إلا من بعض الأصوات الخجولة التي لا تنسجم مع حجم النفوذ وخطره في المنطقة، فنفوذها ليس وليد اللحظة، وإيران تُدرك خطر نقل الحقيقة التي تتناقض مع حقيقة مشروعها، والمتناقض أيضًا مع ما يجري على الأرض ومع القيم الإسلامية والعالمية التي تدعو إليها في الظاهر، والتي تزداد مع حِدة الانتقادات والاتهامات الموجهة إليها.

إلا أنه وبعد أن أصبح الصراع في الفضاءات المفتوحة، ونقل الحقيقة الشغل الشاغل لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرسمي وغير الرسمي بكل أصنافه وأنواعه وكجزء من الصراع بين المشروع الإيراني والمشاريع الأخرى في المنطقة؛ تربط إيران ردودها الإعلامية بقضايا وقيم رمزية لا يختلف عليها أحد كمحاولة الاندماج القيمي والرمزي مع العرب والمسلمين ومع القضايا العالمية وبعيدًا عن مشاريعها الفرعية الطائفية الضيقة.

فهناك ثلاث قضايا تشغل الرأي العام العالمي والعربي بشكل كبير، تحاول إيران إخفاء مشاريعها المفضوحة وراءها، أما القضايا العالمية هي الديمقراطية وما يرتبط بها من آليات وقيم، إضافة إلى قضية محاربة الإرهاب. أما القضية العربية والإسلامية الأبرز في المنطقة والمتجددة دائمًا والمترسخة والمتجذرة على المدى الاستراتيجي ومع كل حرب هي القضية الفلسطينية والمقاومة والتحرير، هذا في وسط تحلل جميع القضايا العربية الأخرى تبقى القضية الفلسطينية عربيًا وإسلاميًا هي القضية القيمية الرمزية الأبرز في نفوسهم، وتبقى الديمقراطية وقيمها هي القضية الأبرز عالميًا؛ ومن هنا تعمل إيران ونفوذها وفي بعض ردودهما وتصريحاتهما الإعلامية على ربط شعاراتهما بهاتين النقطتين، ومع محاربة الإرهاب في إعلامها الموالي الذي لا يغطي الحدث، بل يغطي على الحدث في كثير من الأحيان ويُخفي وراءه الحقيقة.

فمما لا شك فيه أن المشروع الإيراني في المنطقة مشروع مُستقل تمامًا إيرانيًا وشيعيًا، وبعيد كل البعد عن آليات الديمقراطية، والوحدة الوطنية، والوحدة الإسلامية، فهو لا يعترف بها أساسًا بل على العكس فهو ساهم بما لا يقبل الشك بتمزيق وحدة مجتمعات وشعوب المنطقة بآلياته الطائفية وأدواته القمعية المتناقضة تمامًا مع حقوق الشعوب وقيمهم الإسلامية والإنسانية الجامعة، فإيران تمارس نوعًا من المغالطات الإعلامية تنطلي على الكثيرين في المجتمعات المستهدفة خاصة إذا جرت الأحداث بما لا تَشتهي سُفن المشروع الإيراني.

فمع اندلاع الثورة السورية وما تبعها من مشاركة قوات إيرانية ومليشيات عراقية وحزب الله في قمعها، يَعمل الإعلام الشيعي الرسمي وغير الرسمي على إحياء مشاعر الوحدة الإسلامية ونبذ الخلافات ومواجهة العدو الحقيقي وتحرير فلسطين، وهم يسحقون مخيم فلسطين في سوريا بالبراميل المتفجرة وهو محاصر منذ ثلاث سنوات والفسطينيون يموتون جوعًا وعطشًا في المخيم، هذا إذا لم تمزقهم براميل المشروع الإيراني، أما في حالة الحرب على غزة يعلنون على أن الحرب هي حربهم، وأن الانتصار هو انتصار لهم أيضًا! علمًا أنهم قطعوا الدعم المالي والعسكري البائس بالصواريخ التي لا تتجاوز مداها أكثر من (5 – 7) كيلومترات بسبب موقف حماس المؤيد للثورة السورية.

أما في العراق ومنذ عام 2003م وهم يُرددون فكرة الأغلبية والأقلية في الديمقراطية أمام الرأي العام العالمي والعربي، ففي الديمقراطية في العالم الأغلبية لا تعني أغلبية طائفية كما في العراق بل تعني أغلبية سياسية وبمشروع سياسي وليس بمشروع طائفي، وعلى تلك الأغلبية أن تحفظ للأقلية حقوقها، لا أن تُسحق تلك الأقلية وتُضيع حقوقها هذا من جهة. من جهة أخرى وبعد سيطرة “داعش” على مناطق واسعة من العراق وسوريا وتهديدها لبغداد ظاهريًا والتي ساهمت آليات وسياسات المشروع الإيراني في العراق وسوريا بصناعتها وتمددها؛ يعمل الإعلام الشيعي على تصوير أن الحرب هي حرب بين العراق وبين الإرهاب وبهذه المصطلحات العامة (عراق، إرهاب)، فالعراق أصبح عباءة وثوبًا يُغطي المشروع الإيراني في العراق، والإرهاب هو السنة في العراق وسوريا وبخانة واحدة ومع “داعش”، مُتناسين إرهاب الدولة والمليشيات، ومُتناسين أنه لم يَعد هناك دولًا اسمها (العراق، سوريا).

أما في الحالة اليمنية فالمعادلة معكوسة الأقلية ترغب بحكم الأغلبية، وفي أثناء عاصفة الحزم ضد سيطرة الحوثي يعمل الإعلام المؤيد للمشروع الإيراني على تصوير أن الحرب حربًا وهابية طائفية ووصفها بأنها “عاصفة ظالمة على شعب مظلوم” أو “الحرب على اليمن” فالمنظور هو أن الحوثي هو الشعب!، والحرب هي على اليمن! وليس على جماعة متطرفة انقلبت على الديمقراطية والشرعية وحقوق ملايين اليمنيين.

أخيرًا، إن إيران بأدواتها وآلياتها وأساليبها ومواقفها من قضايا المنطقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها من الدول؛ صنعت لنفسها أضخم دعاية إعلامية مُغرضة، وأكبر سمعة سيئة في نفوس ملايين العرب والمسلمين لم يكن بمقدور الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي على صناعة جزء بسيط منها، ولكن صنعته إيران بنفسها بأدواتها، وبنفوذها، وبرعايتها وعلى جثث الأطفال، وبالبراميل، والسجون، والمغتصبات، والأشلاء … إلخ، وربما تحتاج إيران إلى عشرات السنين لكي تستطيع أن تغير ما فعلتهُ أذرعها في المنطقة وضد مصالح وحقوق الشعوب العربية؛ هذا شكّل مسامير في نعش ما كان يسمى “تصدير الثورة” بيقظة غفلة المجتمعات العربية بحقيقة المشروع الإيراني في المنطقة وسكوتهم عليه، خاصة بعد ولادة سياسة استراتيجية سعودية شابة وطموحة وبعيدًا عن سياسات ردة الفعل المعتادة وتواجه النفوذ الإيراني بنفس الآليات والأدوات في المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد