الاحتجاجات الإيرانية الجارية هي الثالثة من نوعها خلال العشر السنوات الماضية وقد كانت آخر هذه المظاهرات في 28 ديسمبر (كانون الثاني) من العام 2017م التي انطلقت من مدينة مشهد معقل المحافظين، إلا أنها سرعان ما عمت أغلب مدن البلاد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، شاركت فيها فئات مختلفة من المجتمع باختلاف انتماءاتها وعرقياتها، وقد رفع المحتجون حينها شعارات من قبيل: «لا غزة ولا لبنان.. حياتي لإيران»، ونددوا بسياسات الرئيس روحاني، ورفعوا شعار «الموت لخامنئي»، بل وطالب بعضهم بعودة نظام الشاه، وقد تسببت هذه المظاهرات بقتل العديد من المحتجين وإحراق فروع بعض البنوك وبعض المنشآت المهمة، وقد تدخلت الشرطة بعنف لقمع المحتجين، وحجبت الاتصالات والإنترنت، وخرجت مظاهرات مؤيدة للنظام، ولعل مظاهرات 2019م الحالية لا تختلف كثيرًا من حيث الدوافع والمسببات والشعارات، مع اعتبار مشاركة قطاعات واسعة من المجتمع فيها مع ازدياد القبضة الأمنية في مواجهتها.

وحين النظر في بنية تلك الاحتجاجات نجد الجميع متفق على صعوبات الأوضاع الاقتصادية في البلد وتفشي الفساد المالي والإداري وفشل منظومة الاقتصاد المقاوم للعقوبات الأمريكية، وازدياد حجم الانفاق على نشر التشيع وتصدير الثورة في المنطقة العربية، وقد بلغت نسبة البطالة في العام 2017م حوالي 12.4% من القوى العاملة في البلد الذي يقد مجموع السكان فيه بحوالي ثمانين مليون نسمة، في حين بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق حوالي 12 مليون شخص، بينما يعيش حوالي 25-30 مليون شخص في مستوى الفقر النسبي، حسبما أوردت الإحصاءات الرسمية.

وقد عبرت أمريكا خلال احتجاجات 2018م و2019م عن تأييدها لمطالب المحتجين ودعم الشعب الإيراني في مطالبه، بل هددت بزيادة العقوبات ردًا على قمع المحتجين، وتبعها في ذلك بعض الحكومات الخليجية المناوئة للنظام الإيراني، وهذا موقف سياسي طبيعي يعبر عن حجم التأزم السياسي وتجاذبات المصالح الإقليمية بين هذه الدول.

وإني إذ أدرك أن الاحتجاجات في إيران طبيعية ومتوقعة وأوقن كل اليقين أن الحق يكمن في إرادة الشعوب، غير أن الذي أثار عجبي هو موقف بعض المثقفين العرب الذين ملوا أسماعنا دومًا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث دعوا بدوافع طائفية أو سياسية إلى ضرورة الدعم الإقليمي والدولي لتلك المظاهرات والاحتجاجات، لكي لا يحتويها النظام الإيراني، فهذه الاحتجاجات ثغرة في بنية النظام وجب استغلالها والبناء عليها في طريق إسقاط النظام الإيراني من الداخل.

وهذا الطرح الفكري يمثل في نظري الغاية من خيانة المثقفين للأجيال القادمة، فكيف تسوغ دعم هذه الاحتجاجات الإيرانية من قبل قوى إقليمية ودولية بما يخدم مصالح هذه القوى، ألا تدرك أن نهاية هذا الأمر مصادرة حق الشعوب في تقرير مصيرها، لحساب التجاذبات الإقليمية والدولية، ألا يدرك هؤلاء المثقفون أنهم يكرسوا لفكرة جعل الفقراء مطية الساسة والقوى العظمى.

إن كانت لتلك الدول معركة حقيقية مع إيران فلهذه المعركة أدواتها الاستراتيجية ليس من ضمنها مطالب الفقراء والمقهورين، كفوا عن استغلال البؤساء لمصالح الطبقات الحاكمة، فنحن ندرك أن أمريكا وبعض الدول الإقليمية قد وصلت مرحلة حرجة من تضارب المصالح في المنطقة، وأن الدول الإقليمية حريصة كل الحرص على سقوط النظام الإيراني غير أن هذا لن يكون في صالح المقهورين فما زال مثال العراق 2003م ماثلاً أمام أعيننا.

فالدعم الخارجي أو التدخل بأي صورة من صور يعد ضررًا على جميع الفرقاء في أي بلد يشهد احتجاجات تحمل مطالب شعبية، وهذه نتيجة حتمية مسلم بها، إذ إن هذا التدخل لا يحمل مشروعًا خيريًا بل إن مصالحه حاضرة أمام عينيه فهي أولى بالتقدمة من غيرها، فلن تصبح البلد إلا حلبة للصراع بين الدول ذات المصالح المتداخلة ليس فيها أي اعتبار لمصالح الشعب بأي حال من الأحوال.

فينبغي التأكيد هنا على أنه يحسن بالمثقف أن يحمل فكرًا مطردًا منسجمًا متوازنًا من حيث المبادئ والقيم، فليس من الطبيعي تأييد الاحتجاجات في لبنان مثلاً أو العراق ورفض التدخل الإيراني فيها ثم ننادي للتدخل في مظاهرات إيران، فهذه خيانة للمبادئ والشعوب لا تليق بمثقف يحمل مشاعل التنوير والإصلاح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد