هروب من أزمة البلاد أم خطة استيطان مبطنة ؟

يزداد الخناق حول الجمهورية الإيرانية شيئًا فشيئًا بعد زيادة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وتمثّل ذلك بالانهيار الكبير الذي عانى منه سعر صرف الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي، ومنع تصدير العديد من المعدات والأدوات والموارد التي يُتوقع أن تستخدمها إيران في مجالات أنشطتها النووية، وإنّ هذا الانهيار الكبير في الاقتصاد الإيراني أدى بشكل أتوماتيكي إلى هروب العديد من رؤوس الأموال والمستثمرين إلى خارج حدود البلاد، باحثين عن محافظ آمنة لأموالهم، بعيدًا عن أسعار صرف عملة بلادهم التي قد يأتيها يوم لا تساوي فيه قيمة الورق الذي طُبعت عليه، 

عقارات تركيا ملاذ آمن للاستثمارات الإيرانية

تحافظ إيران على علاقات متينة مع تركيا بالرغم من الخلافات حول القضية السورية، إلا أنّ العلاقات الاقتصادية والاستثمارية تُمثّل خيارًا استراتيجيًّا لكلا البلدين، وبذلك تقاطع الهبوط الاقتصادي الإيراني مع فرص استثمارية عقارية رائدة في تركيا، مستفيدةً من حالة النشاط العمراني التركي، وخاصةً أن خطط التحول الحضري للعقارات في تركيا تتكلم عن التخطيط لبناء ملايين الوحدات السكنية الحديثة والمقاومة للزلازل، على حساب المنازل القديمة وغير المستوفية لشروط الأمان ضد الزلازل والكوارث.

تعتبر سوق العقارات في تركيا سوقًا جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ولذلك كان للإيرانيين توجه إيجابي نحو شراء المزيد من العقارات والمكاتب والشركات والمنازل داخل الأراضي التركية، فيما يعتبر نوعًا من أنواع هروب استثمارات الإيرانيين من بلادهم باتجاه بلد أكثر أمنًا ونموًا. 

ذكرت شركة الفنار العقارية إحدى أهم الشركات العقارية في إسطنبول أنّ إحصائيات شراء العقارات في تركيا في النصف الأول من عام 2018 كانت متناغمة نوعًا ما مع إحصائيات العامين الماضيين، إلا أنها زادت بشكل كبير بعد شهر يونيو (حزيران) من هذا العام، وبسبب تزايد الضغوطات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني زادت نسبة الاستثمارات الإيرانية المنقولة إلى داخل تركيا. 

مما يُذكر أن الاستثمارات الإيرانية في عقارات تركيا ليست وليدة اليوم أو الأمس، ولكنها تأثرت سلبًا في عامي 2015 و2016 بتوتر العلاقات التركية الإيرانية؛ بسبب حساسية موقف كل من البلدين من القضية السورية، ولكن عادت لتتحسن في الفترة الأخيرة، ثم أخذت منحى متزايدًا بشكل ملفت للانتباه. 

في عام 2015، كان حجم المبيعات العقارية التركية للإيرانيين حوالي 740 عقارًا، بينما انخفضت إلى 660 عقارًا في 2016، ومن ثم زادت إلى 790 في عام 2017، بينما بلغت 800 عقار فقط في النصف الأول من عام 2018 الحالي. 

قفزة كبيرة شهدها الاستثمار الإيراني في عقارات تركيا بعد منتصف 2018

وبالعودة إلى الإحصائيات الرسمية، والتي أوردتها شركة الفنار العقارية قبل أيام كان الحديث واضحًا عن زيادة كبيرة جدًا في الاستثمارات العقارية الإيرانية داخل تركيا، فقد اشترى الإيرانيون في الفترة الممتدة من أول يناير (كانون الثاني) إلى آخر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018 أكثر من 2750 عقارًا في تركيا، في حين أن الإيرانيين قد اشتروا فقط 593 عقارًا في تركيا في المدة نفسها من عام 2017، أي أنّ استثماراتهم زادت بمعدل 364%، وهي زيادة مذهلة. 

الإيرانيون هم ثاني أكبر جالية أجنبية في تركيا تستثمر في العقارات بعد العراق، وقد اشتروا وحدهم حوالي 8.8% من العقارات المباعة للأجانب في شهر أكتوبر الماضي، بينما كانت نسبة العقارات المباعة لهم في تركيا في الشهر نفسه من 2017 حوالي 3.1%.

ماذا تريد إيران؟ 

كان التواجد الشيعي في تركيا قبل عام 1990 متمثلًا بحسينية واحدة في أنقرة أقامتها السفارة الإيرانية لجاليتها، أما الآن فيوجد أكثر من 30 حسينية أو مسجدًا تابعًا للشيعة الإمامية، ويبلغ عدد الشيعة الأتراك حوالي مليون ونصف المليون، متوزعين في عدة مدن وولايات تركية، أشهرها «قارص Kars»، ولهم تواجد ملحوظ في المناطق الشعبية في إسطنبول. 

تسعى إيران إلى كسب المزيد من التأييد الشيعي حول العالم، وطيلة السنوات الماضية كان الشيعة الأتراك بعيدين عن اليد الإيرانية التي استحوذت على تأييد نسب ضخمة من الشيعة العرب في العراق واليمن ولبنان وسوريا، وسعت إيران لنشر التشيع في دول شمال أفريقيا كمصر والجزائر والمغرب، فما يخيف الآن أن تجد إيران لنفسها منصة لإطلاق حملة تشييع جديدة على منهاج «الولي الفقيه»، مستفيدة من البعد العاطفي لعدد من القناعات والمعتقدات الشيعية، ولتنصيب إيران لنفسها على أنها راعية الشيعة والتشيع حول العالم، وهي تتحرك ببطء شديد ومدروس، وكما يقال: «إن الإيراني ينسج في سبعة أشهر سجادة واحدة، وينتظر ليبيعها سبعة أشهر أخرى»، فهم مضرب للمثل في التباطؤ والتأني. 

حاول الإيرانيون مرارًا أن يوسّعوا نشاط «نظام الولي الفقيه» لبناء «لوبي شيعي» في عدد من الدول الإقليمية، نجحوا نجاحًا كبيرًا في العراق ولبنان، ودخلوا ضمن الصراع في سوريا واليمن، وإن لم تكن مشاريعهم تامة النجاح هناك إلا أنها لا زالت حية، وفي الكويت لهم «لوبي ناعم»، لكنهم فشلوا في كل من السعودية والبحرين ومصر والجزائر، فهل ستكون تركيا واعية للمد الإيراني، أم أنها ستستفيق يومًا على ضاحية جنوبية أخرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد