مرة أخرى يعود النظام الإيراني؛ ليؤكد للجميع بأن رايته ترفرف على عددٍ من العواصم العربية، دون أدنى خشية من عدو، أو حياء من صديق. للدرجة التي انطبق عليه المثل القائل «من أمِنَ العقابْ أساءَ الأدب». فلو أن «محمد رضا نقدي» قائد قوات «الباسيج» (الحرس الثوري) قد وجد من يحاسبه على كلامه، وعرِف سوء عاقبة تصريحاته، من مواقف دولية رادعة لتجاوزاته، لما تجرأ وقال «إن راية الثورة الإيرانية ترفرف الآن في دول كثيرة، منها سوريا ولبنان والعراق واليمن».

وصل الأمر بقادة النظام الإيراني للحد الذي لم يعودوا يحترمون أحد، بل حتى أتباعهم لم يحترموهم، ولو على سبيل حفظ كرامتهم، فضلًا عن أعدائهم، ذلك أن «نقدي» وهو يعلن أن راية نظامه ترفرف على عواصم تلك البلدان، فإنه يؤكد احتلال إيران لتلك البلدان؛ لأن العلم لا يرفرف إلا على أرض تابعه له، بل حتى في الأعراف الدبلوماسية حين ترفرف راية دولةٍ ما فوق سفارتها، فإن ذلك يعني بأن أرض ومبنى السفارة التي تحت تلك الراية تابع للدولة التي تمثلها الراية المرفوعة.

أي عار هذا الذي يضرب أذناب إيران بالمنطقة، ففي الوقت الذي يخرج علينا العبادي مزبدًا ومزمجرًا ليدافع عن السيادة الوطنية ضد تواجد بضعة جنود أتراك في شمال العراق، تُعلن إيران أنَّ رايتها ترفرف على عاصمة بلده، وأن مستشاريها يقودون جيشه، وجنود جيشه يرفعون صور قادة إيران بوقاحه قل نظيرها، إلا من الذين باعوا دينهم ووطنهم بأماني يمنّيها لهم أئمة السوء.

والأكثر سوءً من هذا، أن النظام الإيراني وصل إلى ما وصل إليه وبدماء عربية فيقول «نقدي» «ليس من الحكمة زج القوات الإيرانية بشكل مباشر في الحرب في سوريا، بل يجب أن يقتصر دور عناصرنا على تدريب وتأهيل وتجهيز السوريين للقتال في مناطقهم» ويرمي بذلك، جعل القاتل والمقتول عربي، ولا حاجة لسفك دماءٍ إيرانية للوصول إلى المجد الذي وصلهُ، ويقول اللواء الإيراني «يحيى رحيم صفوي» مستشار خامنئي للشؤون العسكرية «إن آلافا من عناصر حزب الله اللبناني قتلوا في سوريا»، أيُّ حُمقٍ هذا الذي هم فيه بعض المحسوبين على العرب، فهم على استعداد دائم لسفك دمائهم من اجل طموحات النظام الإيراني، بالرغم من أنهم لا يجنون مقابله من شيء سوى، خزي في الدنيا وبالأخرة أشد العذاب، بل إنهم يتجرعون الإهانات من سيدهم في طهران دون أن تنبس من شفاههم ولو كلمة واحدة ثأرًا لكرامتهم.

وبعد كل تلك التصريحات الوقحة لكبار القادة في الحرس الثوري، ما زالت تؤكد إيران للعالم أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولا أعرف ما هو تفسير إيران لكلمة تدخل؟ انها تتدخل في سياسة البلدان العربية، وفي أجهزتها الأمنية، وسياساتها الاقتصادية، بل تجعل بعض تلك الدول تنوب عنها في سياساتها الخارجية، كما في موقف العراق من البحرين ومن السعودية وتركيا، وكما في موقف لبنان من أحداث سوريا. ووصل أمر تدخلها إنها تتحكم في تنصيب وفرض الرؤساء كما حدث قبل أيام حينما نصَّبت «ميشيل عون» رئيسًا للبنان وهو المتحالف مع «حسن نصر الله». وكما عيَّنت المالكي في ولايته الثانية سنة 2010.

إن ما تطمح له إيران هو إحكام قبضتها على تلك الدول لتنطلق منها إلى الدول الأخرى، ونصب عينها دول الخليج العربي والسعودية بشكل خاص، وتريد أن تفعل ذلك بأيدي عربية ودماءٍ عربية، تسوقهم إلى حتفهم باسمِ نصرة المذهب، ولتشكل منهم جيشًا باسم الجيش الشيعي الحر؛ ليعيث في الأرض فسادًا. فيقول فلكي «إن قوات هذا الجيش ليست من الإيرانيين فحسب، بل إنه في كل منطقة تشهد قتالًا يتم تنظيم وتجهيز هذا الجيش من شعب تلك المنطقة). أي جعل العرب كمرتزقة لهم، وتمول تلك الحروب بأموال عربية، لا تدفع من جيبها شيء، قبل أيام قامت إيران بعملية تسقيط لحاكم مصر سياسيًا (الساقط أصلًا)، وأمرت حكام بغداد بأن يعوضوا «الرز» السعودي بـ«رز» عراقي، ففي آخر اتفاق استطاعت إيران إبرامه مع مصر في مسلسل سحب مصر للهاوية وتكبيله في حِلفها المشبوه، أمرت إيران بغداد لتدفع للسيسي وحكومته، الحصة النفطية التي كانت السعودية تدفعها له. فالأموال عربية، والدماء التي تسفك عربية، والحروب التي تُشَنْ، هي بين العرب وعلى أرض العرب، والسيد سيكون إيراني، والدولة التي ستسود في المنطقة هي دولة إيران الفارسية.

إن حال العرب يصدُق فيه قول الشاعر العراقي «معروف الرصافي» الذي قال قبل ما يقارب المائة سنة.

ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ

وتَثبتُّوا في جـهـلكم فالشرُّ أن تتعلَّــموا

لا يستحـق كرامــة إلا الأصم الأبكــمُ

وإذا أهـنـتم فاشكروا وإذا لُطمتم فابسـموا

وإذا قيل إن بلادكـــم يا قوم سـوف تقسَّمُ

فتـحمّـدوا وتشكـّروا وترنّحـــــوا وتـرنّمـــــوا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد