تسعى إيران بقوة كي تتغلغل في المنطقة العربية دون أن تطرح إستراتيجية واضحة لأهدافها المستقبلية وتفاصيل الشراكة التي ترغب بها في المنطقة.

المتابع لأسلوب عمل الإدارة الإيرانية يدرك تمامًا أنها لا تأبه كثيرًا لاستقرار الدول أو مصير الحركات التي تربطها بها علاقات وثيقة، كما أنها لا تمتلك أي رؤية تبشر بالخير والمستقبل الرغيد لشعوب المنطقة.

تعتمد إيران في تمددها على توظيف حالات التوتر الداخلي وتغذيتها باستمرار، لذلك لا تظهر نشيطة إلا في مجال الدعم بالسلاح والخبرات العسكرية التي تثير الصراعات عادة، بينما تتولى هي استثمار الملفات السياسية إقليميًّا ودوليًّا لصالحها الخاص فقط.

نظرة سريعة على حال من جمعتهم علاقات متينة بإيران تؤكد ذلك.

أولًا: العراق

سقط نظام صدام حسين ومنحت الحرب الأمريكية فرصة ذهبية لإيران، فصارت أرض الرافدين حديقة خلفية لها وسيطرت على مفاصل البلاد الرئيسية، بينما عزفت الدول العربية عن تقديم أي دعم ينتشل العراق.

لم تستغل إيران للأسف تلك الفرصة إلا عبر تأجيج الملف الطائفي وتشجيع حالة الانفلات الأمني القائم، واستمرار عصابات سرقة النفط والثروات واغتيال الكوادر العراقية، ولم تفكر أبدًا بإعادة بناء الدولة العراقية المجاورة لها.

السؤال المهم لماذا لم تطرح إيران صاحبة النفوذ الأقوى أي مبادرة لرأب التصدع المستمر في العراق، وبما يضمن الحد الأدنى من حقوق جميع فئات الشعب العراقي؟

الخلاصة أن نزيف أبناء العراق بكل طوائفهم وأعراقهم مستمر برضا إيراني واضح.

ثانيًا: سوريا

دعمت إيران الحرب التي يقودها نظام الأسد في سوريا بقوة وهذا يعتبر طبيعيًّا باعتبار حساسية موقع سوريا وأهمية التحالف القائم مع نظام الأسد، ولكن على الجانب الآخر لم تشهد الساحة السياسية أو الاقتصادية والإنسانية أي عمليات دعم فعلية من الجانب الإيراني لحل الأزمة السورية، لأن إيران ببساطة لا تفكر كيف يمكن التخفيف من الأعباء التي يعانيها المواطن السوري.

الدعم الإيراني العسكري واضح بقوة، أما العمل السياسي فيقتصر على محاولة الإبقاء على نظام الأسد فقط أو تدمير البلاد بشكل شبه كامل.

لم تبدأ المعارضة بالعمل المسلح إلا بعد مرور أشهر على الثورة وبإمكانيات متواضعة مقارنة بنظام الأسد، لذلك يتحمل الأسد وإيران الإثم الأكبر في السماح للأمور بالتدهور والوصول لهذا الحد المزري، المضحك أن تركيا المعارضة للنظام لها نصيب الأسد من الدعم الإنساني المقدم للسوريين.

السؤال المهم مرة أخرى لماذا لم تطرح إيران صاحبة الذراع الطويلة في سوريا أي مبادرة حقيقة يمكن أن تحتوي بها أطراف المعارضة، وتضمن الحد الأدنى من الحقوق والحريات في سوريا وتدفع النظام للتنازل قليلًا؟

الخلاصة أن نزيف أبناء سوريا بكل طوائفهم وأعراقهم مستمر برضا إيراني واضح.

ثالثًا: لبنان

يتميز المشهد السياسي في لبنان بحالة عدم استقرار، وقد اعتاد اللبنانيون على ذلك المشهد إلا أن دخول حزب الله على خط الأزمة السورية أصاب جميع الأطراف اللبنانية ومنهم بعض أعضاء وقيادات حزب الله نفسه بالقلق.

فلدى لبنان ما يكفيها من الأوجاع وليست بحاجة لأسقام جديدة، إلا أن حزب الله للأسف مستمر في سياسته في سوريا التي تجعل حرائق الشام تقترب من لبنان، دون أن تراعي إيران ونظام الأسد تبعات الإرث الداخلي الذي سيحمله الحزب مستقبلًا.

تهتم إيران بالثقل العسكري الذي يمثله حزب الله في لبنان والذي قد تحتاجه، ولا يعنيها أن تحافظ على ثقله السياسي أو الشعبي الداخلي الذي بدأ في التراجع بوضوح.

ثالثًا: حركة حماس وغزة

لم تعد إيران تبالي كثيرًا بحالة الجمود التي تشهدها علاقاتها مع حركة حماس عقب مواقف حماس الرافضة للتدخل في الأزمة السورية سابقًا.

كان الرد الطبيعي والأقوى لاتهام إيران والنظام السوري للغرب وإسرائيل بالسعي لإسقاط النظام هو دعم جبهات المقاومة التي تحارب إسرائيل، وبالأخص حركة حماس، والحفاظ بأقصى قدر على محور الممانعة، وإعفاء حماس من بند التدخل المباشر في سوريا لتقوم بتغطية جانب آخر مهم من الصراع مع الغرب وإسرائيل والضغط عليهم.

هذا هو السير المنطقي للأحداث، إلا أن ما حصل هو العكس تمامًا، ما يضع علامة استفهام كبيرة على أغراض إيران السابقة من دعم مشروع المقاومة في فلسطين.

ويُرسخ التفكير في أن ذلك لم يتجاوز كونه استثمارًا في المنطقة للوصول لأهداف أكبر، ولنا تساؤل مشروع هنا لماذا لم تشارك إيران أو تُنظم أي حملة دولية لكسر الحصار عن قطاع غزة؟ ولماذا اقتصر دورها على تقديم الدعم العسكري للأذرع المقاومة في غزة، وانقطع هذا الدعم عندما رفضت هذه الحركات أن تقوم بأي دور خارج الأراضي الفلسطينية؟

رابعًا: اليمن

يدرك المطلع على البناء المذهبي في اليمن أن الطائفية أبعدُ ما تكون عن الشعب اليمني، وأن أبناء السنة يعيشون من أبناء المذهب الزيدي بانسجام كامل، ولا يُـقيم الشعب اليمني أو النخب فيه أي اعتبار لفكرة الطائفية في مشهد جميل كان الأولى أن يُـعمم كنموذج للتعايش في المنطقة بدلًا من جر البلاد باتجاه الطائفية.

سعت إيران للدخول إلى المشهد اليمني عبر دعم جماعة الحوثي التي عانت من حروب متكررة بلغت ست حروب بينها وبين نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، قتل فيها عشرات الآلاف من المحسوبين على الجماعة والسكان والجيش.

ويبدو أن إيران حاولت استغلال هذه التركة المؤلمة التي عانت منها جماعة الحوثي لتوظفها بشكل يخدم مصالحها فقط، فرغم أن إيران قد أرسلت الأسلحة لليمن وتم توثيق ذلك بحادثة احتجاز السفينة جيهان، إلا أنها لم تُـقدم دعمًا يستحق الذكر للجماعة التي تواجه حربًا شرسة وعنيفة تقودها المملكة العربية السعودية ودول التحالف معها.

تواجه حركة الحوثي بسلاحها وعتادها المتواضع حملة عملاقة ضدها، ويسجل الحوثيون صمودًا كبيرًا رغم حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبلاد، كما يعانون داخليًّا من المسؤولية الصعبة الملقاة على عاتقهم في إدارة شؤون البلاد المنهارة، فيما تتفرج إيران وتصفق لهم بإعجاب فقط، لتدير هي ملفات سياسية تخدم مصالحها فقط.

حين أزعجت إيران الدنيا بسفن الإغاثة المرسلة إلى اليمن تبين أن تلك المساعدات غير صالحة للاستخدام الآدمي! وأن مادة الدقيق ممتلئة بالديدان كما صرح بذلك أحد الصحفيين من جماعة الحوثي بمرارة.

إذن إيران لا تنظر فعليًّا لمعاناة اليمنيين، ولا تقدر صمود الحوثيين ولا تطلب منهم أكثر من الاستمرار في الحرب دون رؤية واضحة لمستقبلهم السياسي، فاستمرار القطيعة بينهم وهم محجوزون جغرافيًّا بين دول الخليج البارعة في التدخل في المشهد اليمني يعني تقليص فرصهم في إدارة المشهد مستقبلًا في أحسن الأحوال.

من جديد يتعرض الشعب اليمني لمعاناة قاسية ولا تهتم إيران لشأن اليمنيين بكافة طوائفهم.

ختامًا، مع انكشاف الستار عن الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وأمريكا ظهرت بعض الخيوط الخفيفة للعبة الإيرانية التي تحلم بالسيطرة على المنطقة، وتأكد أن (الشيطان الأكبر) قد يُصبح (الحبيب الأقرب) وهذا ليس مؤلمًا في حد ذاته، ولكن المؤلم لأي متابع منصف أن إيران تبحث في المنطقة عن أُجراء تستخدمهم لا حلفاء تحترمهم.

بات لزامًا على كل عربي يشاهد كيف تبذل إيران كل شيء في سبيل خدمة مشروعها القومي لا الإسلامي، أن يراجع حساباته ويفتح قنوات جديدة تحمل مشروعًا عربيًّا قوميًّا يقوم على أساس الشراكة والعدالة.

أتمنى أن أرى قريبًا حزب الله والحوثيين وحركة حماس وأنصار البعث العربي في العراق وسوريا وهم يفتحون قنوات اتصال مع دول الخليج العربي بداية، وأن تسعى دول الخليج من ناحيتها لكسر حالة العداء والفتور القائم، ولديها القدرة على ذلك لبناء جسور ثقة وتواصل جديد بعد أن ثبت بالتجربة واليقين أن إيران لن تنجح في المنطقة إلا بمشاريع الحرب لا السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد