يتسم النظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية عام 1979 بالنزعة التطرفية والتوسعية القائمة على ما يعرف بنظام ولاية الفقيه، أو حكم رجال الدين. ففي الدستور الإيراني الذي ينص صراحة على تبني المذهب الجعفري أو الاثنا عشري كمذهب رسمي للدولة، دون مراعاة لحقوق بعض الأقليات المذهبية والعرقية بإيران. كما أن الدستور الإيراني ينص صراحة على مبدأ تصدير الثورة للدول الأخرى؛ ليصبح النظام الإيراني بعد الثورة نظامًا ثوريًا، لا يعترف بالحدود الدولية، ولا المواثيق التي أبرمتها الدولة الإيرانية مع الدول؛ مما جعل إيران تعيش مرحلة مفصلية نتيجة تغير بنية النظام الإيراني من نظام ملكي طبيعي يتعامل بمنطق الدولة وفق الاتفاقيات والمعاهدات والأعراف الدولية. ليتحول إلى نظام قمعي توسعي لا يقبل التعدد، ويتعامل بمنطق اللادولة، والذي أكدت على مبادئها الثورية لتحوله إلى واقع عملي للدولة الفتية، بعد اجتياح السفارة الأمريكية في طهران أثناء الثورة عام 1979، وكذلك اجتياح السفارة البريطانية عام 2011، وأخيرًا الاعتداء السافر على سفارة المملكة العربية السعودية وقنصليتها بمشهد عام 2016.

كل هذه الأفعال محرمة في الأعراف والمواثيق الدولية، ونجد كذلك الانتهاك الصريح لمبدأ احترام الدول بعدم التدخل في شؤون الداخلية الدول الأخرى والمتفق عليه دوليًا.

وكان ذلك باستخدامها للمذهب الشيعي، والتي توظفه في خدمة السياسة، ليكون ذريعة لها للتغلغل في الدول العربية، عن طريق عملائها وعناصرها، لتخلق الحلم الذي يراودها، وهو رجوع الدولة الفارسية العظمى لحديث عهدها، وإن كان على حساب الدول والشعوب الأخرى، لا سيما العربية التي عانت من التدخلات الإيرانية في شؤونها، سواء بالقوة المسلحة، أو بما يسمى «Soft power» القوة الناعمة.

فبسقوط نظام صدام حسين عام 2003، ودور إيران واضح لاحتواء العراق، لاسيما وأنها تتطبق مع الاستراتيجية التوسعية الإيرانية بأن تكون بغداد العاصمة للدولة الفارسية المزعومة، فنرى التدخلات والتغلغل الإيراني في صانع القرار العراقي من خلال الحرس الثوري، وتكوين ميليشيات شيعية متطرفة فيها، كالحشد الشعبي؛ لتصبح تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وفي سوريا، بحيث نرى موقف إيران الداعم للنظام السوري الدموي النظام الذي قتل شعبة وشرد أكثر من 12 مليون سوري، كما أن هناك دعمًا عسكريًا من خلال إرسال العديد من المقاتلين الإيرانيين للقتال في سوريا، فإيران تعتبر الملف السوري حياة أو موت نظرًا للأهمية الاستراتيجية لها، فغير أنها حليف للنظام السوري، إلا أنها تمثل الشريان النابض لدعم حزب الله اللبناني الحليف التقليدي للنظام الإيراني.

وفي اليمن يدعم النظام الإيراني الانقلابيين بكل تبجح، سواء بالمواقف السياسية أو الدعم العسكري المباشر بإرسال شحنات من الأسلحة التقليدية والصواريخ المتطورة، لضرب الشعب اليمني ومحاولة السيطرة على اليمن، بالرغم من أقلية الجماعة الحوثية، الذين يمثلون 10% من النسيج الاجتماعي في محافظة صعدة فقط.

دول الخليج وضعت حلًا للأزمة اليمينة عام 2011 بالمبادرة الخليجية، وكانت مخرجاته الحوار الوطني بمشاركة جميع أطياف المجتمع اليمني بما فيهم الحوثيون، إلا أن الحوثيين انقلبوا على الشرعية، والسيطرة على صنعاء وملاحقة الرئيس الشرعي إلى عدن. فتلبية لنداء الرئيس الشرعي اليمني للجيران، بادرت الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية بعملية عاصفة الحزم؛ لمساعدة الرئيس اليمني الشرعي والشعب اليمني بعد الانقلاب المدعوم من إيران.

وكذلك الدول الخليجية لم تسلم من التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية، ففي عام 2011 أثناء ما يعرف بالربيع العربي دعمت إيران الثوار في البحرين للقيام بإعمال شغب وتأليبهم ضد حكامهم وزعزعه استقرار الدولة، كما اكتشفت قوات الأمن البحرينية تهريب العديد من المتفجرات، وكذلك محاولة القيام بالعديد من الخطط التجسسية في أراضيها من قبل النظام الإيراني.

كذلك في الكويت، حيث اكتشفت قوات الأمن الكويتية خلية تجسسية مؤخرًا تعرف بخلية العبدلي؛ مما ساهم في توتر العلاقات الكويتية الإيرانية. هذا بجانب احتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى.

إيران لا تريد التعايش وحسن الجوار مع جيرانها في المنطقة، فمنذ عام 1979م وهي تحاول تغيير موازين القوى في المنطقة، فعند قيام ثورات الربيع العربي عام 2011 في الدول العربية، استغلت إيران هذا الحدث لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، فأصبح لدى إيران ازدواجية في المعايير، وذلك عندما أخذت تدعم الثوار تارة – مصر، وتونس، واليمن – والأنظمة تارة أخرى – سوريا – مما أجج المنطقة، ومزقها بالدعم الإيراني المزدوج ضد الدول العربية.

 تلك الثورات التي وصفها أمير دولة الكويت بالوهم العربي، عندما ألقى كلمته في القمة العربية 28 بالأردن: أن ما يسمى بالربيع العربي وهم أطاح بأمن واستقرار أشقاء لنا، وعطل التنمية والبناء لديهم، وامتد بتداعياته السلبية ليشمل أجزاء عدة من وطننا العربي؛ وأدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية فيها، وليعيش شعبها معاناة مريرة، وتتضاعف معها جراح الأمة.

فإيران دولة جارة لنا منذ آلاف السنين، ولكنها لا تريد التعايش مع جيرانها، والتي تتعامل في العلاقات الدولية وفي سياساتها الخارجية بمنطق ميتافيزيقي، بعيدًا كل البعد عن السياسة البراجماتية المصلحية؛ مما يصعب على أية دولة تكوين علاقات طبيعية معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد