على خلاف المعنى الاصطلاحي لمفهوم «الحالة الأفغانية»، الذي من جملة ما يشير إليه في الحقل السياسي، الرغبة الحازمة للانجذاب إلى الأراضي الأجنبية والبعيدة، ويفيد في سياق آخر استعراض القوة الذاتية أمام غريم غير مرئي ولا يدري بوجودك. فإن المدار الذي يحتوي حركتي طالبان والقاعدة يضمن مركز الصدارة ضمن جدول أعمال وملفات الحكومات والمؤسسات الأمنية والإعلامية، لما له من تأثير فلكي على الجغرافيا الإقليمية والدولية، لما تعرفه البيئة الأفغانية الآهلة بالتنظيمات المسلحة والتي تتراكم فيها صراعات طائفية وقبلية والصدام مع السلطة والعداء المستحكم للقواعد العسكرية الأجنبية.

إن المصلحة القومية هي حجر الزاوية ومحور الارتكاز الذي تنبني عليه السياسة الخارجية للدول، بعيدًا عن التدثر بنظرية المثالية التي تقتضي تحمل القواعد الوضعية للمجتمع الدولي والتي تحد من حرية الاختيار وأفق التفكير باستقلالية والنأي بالذات أو الدخول في تحالفات وأقطاب معينة، وتفاديًا للوقوع في خطأ الغزو الأساسي الذي يرجح تأثير الشخصية على الأسباب الظرفية. فكان من حق الدول أن تتأيد بالشركاء الذين ترى مصلحة ولو ظرفية في معاهدتهم وتحالفهم، فلا مكان للزواج الكاثوليكي في العلاقات الدولية.

ترجع العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وحركة طالبان إلى أوائل ظهور حركة الطلبة الأفغان سنة 1994، إبان الصراع الدموي الذي خلف فراغًا أمنيًا كبيرًا مما فتح الباب على مصراعيه لكل الممارسات غير القانونية والأخلاقية، مما ساهم في تكوين حركة من طلاب العلم الشرعي، التي حملت على عاتقها استتباب الأمن ورد المظالم والقصاص من الجناة. فواجهت الحركة قوات المقاومة الأفغانية المدعومة من دول من بينها إيران وروسيا والهند، مما جعل بلاد فارس في مرمى نيران طالبان. وهذا ما تم ترجمته، حين استهدفت الحركة في 8 أغسطس 1998 القنصلية الإيرانية في مدينة مزار الشريف، وكانت نتيجة هذه العملية العسكرية قتل 10 دبلوماسيين إيرانيين ومراسل واحد لوكالة أنباء إيرانية واختطاف عناصر اَخرين.

هذه العملية النوعية أربكت الحسابات الداخلية للتحالف الشمالي الأفغاني، لكن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أصدر قراره بحتمية القيام بتدخل مسلح في أفغانستان، لكن قائد الثورة الإسلامية علي خامنئي، فعَّل حقه الدستوري في نقض القرار مما حفظ أرواح جنود إيران الذين لو دخلوا الحرب لكانوا أهدافا للجماعات المسلحة السنية، أما دماء الأفغان فما زالت تروي أرض سطوع الشمس إلى اليوم.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي جرحت أسطورة التنين الأمريكي، اعتبر البيت الأبيض في شخص الجمهوري جورج بوش، أن كل أفغانستان جزء هام من تحمل عواقب الجرأة والاندفاع لما وراء الأطلسي. فشنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها العقدية على طالبان وكل أفغانستان، وكانت قوات الشمال الأفغانية طرفًا في هذه الحملات العسكرية التي دمرت البلاد عن بكرة أبيها.

وكانت نتيجة الرد العسكري الأمريكي سقوط حكومة طالبان بعد أشهر فقط من بدء الحرب الأمريكية ضد الحركات الدينية المسلحة، مما أفقد طالبان السيطرة الفعلية على ما يقارب 90 بالمئة من الأرض.

موقف إيران من التدخل العسكري لغريمها الأمريكي في أرض مجاورة لحدودها الشرقية، جعلها أمام احتمالات ثلاثة: إما أخذ وضع الحياد ما دامت الحرب بين عدوين اثنين بالنسبة لها، أو دعم الجبهة الإسلامية القومية لتحرير أفغانستان مما سيكون دعمًا غير مباشر للحرب البوشية، وثالث الأوراق دعم حركة طالبان بعد ترتيب الملفات العالقة والراكدة منذ بدء الصراع بين طالبان السنية وايران الشيعية.

لم يتم تحديد أي الأوراق لعبتها طهران في الحرب غير المتكافئة التي خاضتها واشنطن في بلاد أرهقتها الصراعات والحروب والتضاريس والاَفيون، حيث صرح نائب الرئيس الإيراني محمد خاتمي قائلا: «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول». إلا أن إتهامات مباشرة وجهت لإيران بدعم طالبان في حربها ضد الغزو الأمريكي، حيث تم العثور على مدافع وأسلحة إيرانية في ميادين القتال عام 2007.

في قراءتنا الشخصية لكرونولوجيا الأحداث، وَجدت إيران نفسها مرغمة للاختيار بين سيئ وأسوأ وهذا هو جوهر السياسة التي لا تخيرنا بين حسن وأحسن في أغلب الأحيان، حيث يرجح دعم طهران لطالبان في باكورة الهجمات الأمريكية، لأن التواجد الأمريكي أسوأ حالا من وجود حركة أو حكومة طالبان، فالصراع بين إيران وطالبان هو صراع أيديولوجي بالدرجة الأولى، بينما يبقى أساس التجاذب بين طهران والبيت الأبيض، استراتيجيا وسياسيا، حيث تحاول إيران مجابهة المد الاستعماري والميغاالإمبريالية الأمريكية.

وما يعزز رأينا، فتح إيران حدودها كمعبر أمام عناصر تنظيم القاعدة للدخول إلى العراق واستضافة عوائل المجاهدين، كما فعلت مع أسرة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. هذا التحول في العلاقات بين الطرفين تفرضه برغماتية التعامل مع الأحداث وهو أمر مقبول من منظور السياسة الميكيافليلية التي تبرئ الوسيلة للوصول إلى غاية محددة.

هذا التقارب بين طهران وحركة طالبان أضحى اليوم مكشوفًا، حيث فتحت طهران مكتبًا تمثيليًا للحركة، كما فعلت الدوحة، وقد صرح المتحدث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد أن «إيران تعتبر البيت الثاني للأفغان»، كما صرح من جانبه أيضا وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف «يجب أن يكون لطالبان دور في أفغانستان في المستقبل».

إن التحالف المصغر بين طهران وطالبان يجد مبرره في مؤيدات متعددة، أدت إلى تفاعل عناصر لم تكن لتنجح معها التجربة في علوم الكيمياء، وهذه الأسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

– الرؤية الاستباقية لإيران للدفاع عن حدودها من أية تهديدات محتملة سواء من النفوذ الأمريكي أو من تنظيمات مسلحة تتواجد على الأرض الأفغانية، وهذ ما تمثل بعد ذلك في تنظيم ولاية خرسان، الموالي لتنظيم الدولة, والذي يقدر عدده بين 3000 و5000 عنصر، والرقم مرشح للارتفاع في ظل نسبة الفقر المرتفعة بين الأفغان التي تصل إلى حوالي 55 بالمئة، والعرض المغري الذي يقدمه تنظيم الدولة، حيث يقدر راتب جنوده بين 1000 و2000 دولار أمريكي، بينما لا يتعدى راتب جنود طالبان مئة دولار.

يَعتبر تنظيم الدولة كل من إيران وطالبان أعداءً له وللدين، حيث يصف طهران بالصفوية والرافضة والخوارج، كما يتخذ موقفًا عدائيًا من حركة طالبان السنية ذات المذهب الحنفي، حيث هاجمت مجلة دابق، وهي مجلة تابعة لتنظيم الدولة، في عددها الصادر في ديسمبر 2014، زعيم طالبان الملا عمر، حيث اتهمته بتبني مفاهيم محرفة عن الدين الإسلامي وترجيح العرف القبلي عن الشريعة الإسلامية والاعتراف بالحدود بين الدول.

– تسعى إيران من خلال استغلالها للتقارب مع طالبان أن تكون طرفًا في أية مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية، وبالتالي امتلاك كرة ضغط في وجه أمريكا، خصوصا في ملف الاتفاق النووي، مما سيجعل طهران فاعلا هامًا في المنظومة القانونية والسياسية الدولية. كما تهدف إلى تعزيز دورها الجيوبولتيكي والجيوسياسي في اَسيا الوسطى لما ستمثله من مركز ثقل في المستقبل.

– حماية المصالح الإقتصادية الإيرانية، كالمشاريع الاقتصادية في ميناء تشابهار وخط الغاز الواصل من إيران إلى باكستان والهند.

أما مصلحة حركة طالبان من تحالفها مع إيران، فالغرض منه الحصول على الدعم الكافي لوجيستيا وعسكريًا واستخبراتيًا لمواجهة الحكومة التي تصفها الحركة بالعميلة، وتحقيق الردع للهجمات العسكرية الأمريكية والغربية، وهي مصلحة تشترك معها فيها حركة حماس في فلسطين، حيث يبقى لتأصيل الدعم الإيراني للحركتين إطار متشابه دينيًا وسياسيًا.

خلاصة ما يمكن توقعه من أحداث مستقبلية، ترتكز حول الدور الذي سيظطلع به تنظيم الدولة الذي يتوفر على إيرادات ضخمة، بفضل استغلاله لآبار النفط والأموال المتحصل عليها من العراق وسوريا خاصة، إضافة إلى حسن هيكلته وتنظيمه إداريًا وعسكريًا، مما سيمكنه من موطئ قدم في أفغانستان، مما سيدفع طهران إلى تمويل حركة طالبان التي تنتشر على الحدود الأفغانية -الإيرانية، مما سيقلص على إيران نشر جنودها على طول هذه الحدود، التي تحتاج لأزيد من 70 ألف جندي.

إن التعاون المتبادل يمكن أن يستمر ما دام الطرفان يشكلان قطبا مناوئا لأمريكا وحلفائها في آسيا، إلا أننا نتوقع أن انسحاب الولايات المتحدة فعليا من أفغانستان، كما انسحبت قوات حلف الناتو سنة 2014، بإمكانه إعادة العلاقات بين جمهورية إيران وحكومة كابول الحالية أو اأية حكومة مدنية، خصوصًا في حالة دعم إيران لسياسيين من شيعة الهزارة، كما فعلت مع قلب الدين حكمتيار الذي ترشح لانتخابات 2019، حيث إن ترأس حكومة كابول من قبل مواليين لإيران من شأنه أن يخلق التوافق الشامل بينهما حول ملفين أساسيين هما محاربة طالبان أو تقويض قوتها ودورها في الساحة السياسية والعسكرية، ثم التوصل إلى توافق حول ملف نهر هلمند الذي يقع جنوب غربي أفغانستان وشرقي إيران والذي يبلغ طوله 1150 كلم، وتدعي إيران ملكيتها له، وفي المقابل ستقبل إيران باللاجئين الأفغان على أراضيها الذين يبلغ عددهم حوالي مليون ونيف لاجئ غير مسجل إضافة إلى ما يقارب مليون شخص غير مسجل، ويبقى ملف اللاجئين ورقة رابحة بيد إيران في مواجهة كابول. ولا نستبعد أن تلحق كابول بركب الرعاية الإيرانية كما حصل مع دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت، وربما بنفس أحد السيناريوهات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات