بدأت في الأيام القليلة الماضية تتكشف خيوط مهمة في قضية سقوط مدينة الموصل ثاني أكبر المدن العراقية بعد العاصمة بغداد على إثر إعلان قرار اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في اسباب سقوط المدينة ومانتج عنه من تداعيات كبيرة وضعت العراق والحكومة العراقية برئاسة العبادي في مأزق كبير كان ابرز ملامحه انهيار المنظومة الامنية والعسكرية التي سهلت بالتالي سقوط نصف مساحة العراق تحت سلطة تنظيم دولة الخلافة .

 

قبل صدور قرار اللجنة في 17 /اب / 2015 لم يكن من السهل الحديث عن مسئولية المالكي وقيادات الجيش ــ بفرقه الأربعة المتواجدة في الموصل قبل سقوطها ــ عن هذه القضية، بعد أن كان المالكي قد اتبع سياسة اعتمد فيها شراء الأصوات والاقلام دفاعا عنه وعن حكمه.

 

هشاشة المناخ الاعلامي

الجو الاعلامي الموبوء بشتى أصناف التخوين والتشكيك بوطنية أي صوت يعلو مغردا خارج سرب الجوقة الكبيرة التي تعزف لحنا واحدا كانت قد وضعته قيادة التحالف الوطني الشيعي بقيادة حزب الدعوة وتم حياكته بإتقان طيلة ثمانية أعوام وفقا لنزعة المالكي التسلطية الهادفة إلى ولاية ثالثة، جاء إعلان قرار لجنة السقوط ليكشف مدى هشاشة هذا الإعلام وما ارتكبه من تظليل بحق المجتمع العراقي وخاصة في قضية سقوط الموصل. إذ كان يسعى بكل السبل إلى التغطية على المتورطين بها وتوجيه الشبهات إلى خصومه السياسين من العرب السنة والأكراد بالإضافة إلى سكان المدينة الذين اعتاد أن يحملهم مسئولية توفير الدعم والأرضية القوية التي من خلالها تمكن تنظيم الخلافة من الدخول إلى المدينة واحتلالها بسبب مشاعرهم الطائفية ضد الجيش والحكومة.
من هنا يمكننا القول بأن ما صرح به رئيس اللجنة البرلمانية للتحقيق في سقوط الموصل حاكم الزاملي في 21 / 8 والذي تناقلته وسائل الإعلام العراقية حول انتهاكات وتجاوزات ارتكبها الجيش العراقي بحق الموصليين قبل ١٠ / ٦ / ٢٠١٤م (تاريخ سقوطها تحت سلطة تنظيم الخلاف) والتي عدّها ــ أي تلك الانتهاكات ــ مقدمة مهّدت لسقوط المدينة.

 

ورغم أن هذا التصريح قد جاء متأخراً لكنه يأتي دليلا مهما في هذه القضية التي تعد مفتاحا لفهم أسباب كل الانهيارات العسكرية التي أعقبت سقوط الموصل وأدت بالتالي إلى سقوط متتابع وسريع لعدد من المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية (صلاح الدين، الانبار، ديالى، وقضاء الحويجة التابع  لمحافظة كركوك).

 

اتهامات متبادلة

أهمية هذا التصريح تأتي من  كونه قد خرج من داخل السلطة نفسها، فالزاملي ولفترة طويلة كان يرأس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان لعدة أعوام خلال فترة حكم المالكي، وهوعضو فاعل في التيار الصدري الذي هو جزء من التحالف الوطني الشيعي الذي يقوده حزب الدعوة الحاكم برئاسة أمينه العام نوري المالكي، من هنا تكمن أهميته إذ يكشف جانبا جوهريا من أسباب الهزيمة والسقوط، حتى وإن كان هذا التصريح قد جاء في سياق الحرب الكلامية الدائرة بينه وبين المالكي الذي كان قد اتهم الزاملي خلال الأسبوع الماضي من شهر آب الحالي بمسئوليته عن جرائم عديدة كان قد ارتكبها أثناء توليه منصب وكيل وزارة الصحة العراقية ما بين عام 2007 – 2008م،  وهي الفترة شهدت فيها بغداد صعودا شديدا لصراع طائفي مسلح مابين فصائل شيعية وأخرى سنية راح ضحيته عشرات المواطنين من كلا الطائفتين، وأبرز تلك الاتهامات مقتل واختفاء مدير صحة ديالي مع عدد من افراد حمايته أثناء زيارته لمبنى وزارة الصحة.

 

اتهامات المالكي للزاملي جاءت تعليقا منه على قرار لجنة سقوط الموصل الذي حمّله شخصيا مسئولية سقوطها، والذي تضمن أيضا أسماء 120 شخصية حكومية ــ عسكرية ومدنية ــ حملها مسئولية السقوط، يأتي اسم المالكي في المقدمة منها.

 

كمايعد تصريح الزاملي إدانة صريحة منه ــ يتفق من حيث المضمون مع قرار اللجنة ـــ ضد كل الاسماء التي ذكرها بالاسم ابتدأ من قادة الجيش: قائد عمليات نينوى مهدي الغرّاوي وقائد القوات البرية علي غيدان ونائب رئيس الأركان عبود قنبر ، وانتهاء بالمالكي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

 

بنفس الوقت يأتي تصريح الزاملي صفعة قوية لكل الأصوات التي كان المالكي قد جنّدها في العديد من الصحف ووسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وعددهم يصل إلى 5000 شخص (العبادي كشف هذا الرقم في أول أيام تسلمه للسلطة) مهمتهم كانت تنحصر في أن يسيئوا ويستهزئوا بأي صوت ينتقد سياسة رئيس الوزراء السابق، خاصة من يشير ولو بإشارة صغيرة إلى نفس ما أشار إليه الزاملي من اتهامات طالت المالكي وحملته مسئولية ما جرى في الموصل وما ارتكبه الجيش من جرائم بحق الناس.

 

فساد المؤسسة العسكرية

تصريح الزاملي المشار إليه جاء بالنص وكما يلي: “المالكي هوالمسئول عن دماء ضحايا مجزرة سبايكر الـ ١٧٠٠ ، والجيش بقيادة ضباط كبار كان يأخذ السلاح ويضعه في منطقة معينة في الموصل ثم يلقي القبض على أشخاص، ويلتقط لهم صوراً مع السلاح وعلم داعش، على أنهم داعش!  والضباط يعتقلون الأبرياء ولا يطلقون سراحهم إلا مقابل أموال طائلة. وهذه العملية كان يعتبرها الضباط بمثابة رزق  لهم ! ”

 

جدير بالذكر أن هذه الممارسات المُدانة لم تتوقف وما زالت تمارس في المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية (ديالى، والأنبار، وصلاح الدين) بحجة محاربة الإرهاب وملاحقة عناصر تنظيم الخلافة المتواجد فيها. ومالم يتم معالجتها ومعاقبة من يتورط بارتكابها، ستكون مرة أخرى سببا في نتائج وخيمة شبيهة بما آلت إليه الأوضاع في الموصل، ولاأظن أن أي مواطن عراقي حر يتمنى ذلك لبلده .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد