في كأس أمم أسيا 2007 لا أظن أن هناك عربيًّا وقتها لم يكن يتمنى التتويج لأسود الرافدين في عز أزمة البلد، ففي الوقت الذي سافر فيه المنتخب العراقي للمشاركة وخوض مباريات هاته البطولة التي تنظم مشتركة بين بلدان أربعة هي (فيتنام، تايلندا، أندونيسيا، وماليزيا)، كانت حالة البلد تسير من سيئ إلى أسوء في ظل عدوان خارجي وتحالف غاصب حول البلد إلى خراب في أربع سنوات فقط، وهي التي كانت كافية أيضا لجعل عاليها أسفلها، فهُدِمت البنى التحتية وكل المرافق التي تميزت بها العراق والتي كانت يومًا ما قدوة وبلدًا يحتذى بها بين الأمم.

فتوقفت كل أشكال الحياة بين جنبات هذا البلد، والذي زادته سوءًا فوق ذلك الاقتتال الداخلي والحرب الطائفية التي نشبت مخلفة دمارًا آخر لم يكن أقل وطأة عن دمار دخلاء الدار ولربما أشد قسوة في أحيان كثيرة، والتي غذى نارها أصحاب الفتنة الراعين والراغبين بشدة في بقاء الوضع كما هو عليه أو إيصاله لمراحل أسوء مما هي عليه ربما.

كان إنجاز الرجال!

حمل يونس محمود والبقية من زملائه أمال شعب بأكمله راغبين فقط بتكرار إنجاز كالذي سبقه في الالعاب الأولمبية بأثينا قبل ثلاث سنوات والتي كانت مقابلات المنتخب حينها، كالجرعات التي أنست الكثيرين آلام الحرب، ولم يكن أشد المتفائلين في ذلك الوقت يحلم بمثل هكذا صورة أو يحلم حتى بالتواجد في الملعب الذي يحتضن المقابلة النهائية بملعب جاكرتا الإندونيسية، لكن وكما يقال فمن رحم المعاناة يولد الأبطال حقًا فكان الإنجاز وأي إنجاز!، لم يريدوه تتويجًا لهم فقط أو مجدًا شخصيًا يغدقهم بعدها بالمال الوفير، العروض الأوروبية الضخمة، وغيرها امتيازات بل أرادوها من أجل شعبهم وأهاليهم الذين يعانون على بعد آلاف الكيلومترات، من أجل صناعة تاريخ لا يمحى ولن يمحى (وهو ما كان وسيكون حقًا).

أحمد علي جابر، جاسم محمد، باسم عباس، خلدون إبراهيم، نشأت أكرم، صالح سدير، علي عباس، أحمد عبد علي، محمد ناصر، يونس محمود هوار ملا محمد، حيدر عبد الرزاق، كرار جاسم حيدر عبدالأمير، علي رحيمه، أحمد مناجد، لؤي صلاح، مهدي كريم، هيثم كاظم، نبيل عباس، نور صبري، محمد قاصد وقصي منير اختارهم المحنك البرازيلي جورفان فييرا ولم يكونوا سوى لاعبين في أندية عراقية محلية أو محترفين في أندية خليجية، لكنهم سيروها مقابلة بمقابلة إلى غاية الملحمة التاريخية التي استل فيها القائد والهداف السفاح يونس محمود سيفه من غمده وضاربًا المنتخب السعودي في مقتل ومانحا إنجازًا تاريخيًا ولقبًا قاريًا غاليًا كان ولا زال الوحيد وبرونق سيبقى خاصًا للأبد.

أساتذة في الأمل!

لم يكونوا لاعبين ممثلين لدولتهم في بطولة كروية، ولم يحملوا القميص من أجل حمله فقط، أو حتى من أجل رفع راية الوطن عاليًا في تظاهرة قارية كبرى وهو الذي كان هدفًا نبيلا أيضًا بل كانو أساتذة أعطونا دروسًا في القتال، التضحية والتشبث بالأمل في حضرة الألم، أهدوا شعبًا بأكمله فرحة لا توصف كان يحتاجها بشدة، جمعوا كل الطوائف في طاولة واحدة بمقهى واحد وببيت واحد، صنعوا ابتسامة عريضة في وجوه الجميع قاهرة للجنود الأمريكان وحلفائهم، ووهبوا قليلًا من العز في ظل كثير الذل حينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد