الحلقة الأولى: القسم الثاني

العراق أرضًا ومكانة وأهلًا

نكمل معكم القسم الثاني من الحلقة الأولى وقد ذكرنا في آخر مقال القسم الأول من الحلقة الأولى أن كثيرًا من القبائل العربية الأصيلة العراق، قد أوطنت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فعندما تقلب كتب التاريخ والمؤرخين الأوائل، تجد أن هجرة القبائل العربية ونزوحها إلى العراق قديمة العهد، وتعزى الهجرة بالنظر للمؤرخين إلى سعة ملك اليمن، واكتساح ملوكهم الممالك الأخرى، وما جرى بين هذه القبائل من حروب، ثم إلى سيل العرم في  اليمن، فخرجت أقوام من قضاعة ومعد وإياد، فنزلوا البحرين فتعاهدوا في حلف عربي قيل له «التنوخ»[1] كما سميت القبائل المتفقة «القبائل التنوخية»[2].

وبعدها تطلعت أنفس من كان بالبحرين -وهي القبائل التنوخية-  إلى ريف العراق، فطمعوا في غلبة الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه لاختلاف بين ملوك الطوائف[3]، فأجمعوا على المسير إلى العراق، فكان أول من طلع منهم الحيقاد بن الحنق في جماعة من قومه وأخلاط من الناس، ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله وغيرهما من تنوخ إلى الأنبار، ونزلت تنوخ من الأنبار إلى الحيرة، وكان أول من ملك منهم مالك بن فهم، وكان منزله مما يلي الأنبار.

ثم مات مالك، فملك بعده أخوه عمرو بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي، ثم مات فملك بعده جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم. وقيل: إن جذيمة من العادية الأولى من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح عليه السلام[4].

وما زالت كثير من هذه القبائل العربية في العراق تعتز بعروبيتها وانتمائها للعرب الأوائل، وأن أصلهم انحدر من جزيرة العرب، منهم من يرجع نسبه إلى القحطانية، وآخرون إلى العدنانية.

والذي يلاحظ من كيفية توزيع القبائل على حسب رواية أهل الأخبار أن معظم قبائل العراق، هي من قبائل «نزار»[5] ومن «ربيعة»[6] و «مضر[7]»[8] و«إياد»[9]، وهذه قبائل عربية يرجع نسبها إلى إسماعيل عليه السلام، قال ابن حزم في «جمرة أنساب العرب»:

إن قبائل مضر، وقبائل ربيعة ابني نزار، ومن تناسل من إياد، فإنهم صرحاء ولد إسماعيل عليه السلام، ولا يصح ذلك لغيرهم البتة[10].

وقد كان العراق قديمًا تحكمه الفرس وتحكم ما جاوره منذ أن جمع شملهم قوروش الكبير 557- 529 ق. م. ولم يكن أحد يناوئهم، حتى قام الإسكندر المقدوني سنة 326 ق. م. فهزم ملكهم دارا الأول، وكسر شوكتهم، حتى تجزأت بلادهم وتولاها ملوك يعرفون بملوك الطوائف، واستمروا يحكمون البلاد مجزأة إلى سنة 230م. وعادت القوة مرة ثانية إلى الفرس في عهد أردشير -مؤسس الدولة الساسانية منذ سنة 226م- فإنه جمع شمل الفرس، واستولى على العرب المقيمين على تخوم ملكه، ودان له أهل الحيرة والأنبار.

وفي عهد أردشير كانت ولاية جذيمة الوضاح على الحيرة وسائر من بادية العراق والجزيرة من ربيعة ومضر، وقد رأى أردشير أنه يستحيل عليه أن يحكم العرب مباشرة، ويمنعهم من الإغارة على ملكه، إلا أن يملك عليهم رجلًا منهم له عصبية تؤيده وتمنعه، ومن جهة أخرى يمكنه الاستعانة بهم على ملوك الرومان الذين كان يتخوفهم، وليكون عرب العراق أمام عرب الشام الذين اصطنعهم ملوك الرومان، وكان قد أبقى عند ملك الحيرة كتيبة من جند الفرس؛ ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب البادية.

وفي عهد النعمان بن المنذر -وهو الذي غضب عليه كسرى- وكان قد أرسل بطلبه، فخرج النعمان حتى نزل سرًّا على هانئ بن مسعود سيد آل شيبان، فأودعه أهله وماله، ثم توجه إلى كسرى، فحبسه كسرى حتى مات وولي على الحيرة بدله إياس بن قبيصة الطائي، وأمره أن يرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب منه تسليم ما عنده، فأبى ذلك هانئ حمية، وآذن الملك بالحرب، ولم تلبث أن جاءت مرازبة كسرى وكتائبه في موكب إياس، وكانت بين الفريقين موقعة هائلة عند «ذي قار»، وانتصر فيها بنو شيبان، وانهزمت الفرس هزيمة منكرة، وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، وهو بعد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقليل، فإنه عليه السلام ولد لثمانية أشهر من ولاية إياس ابن قبيصة على الحيرة.

وولّى كسرى على الحيرة بعد إياس حاكمًا فارسيًّا، وفي سنة 632م عاد الملك إلى آل لخم، فتولى منهم المنذر الملقب بالمعرور، ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين[11].

ومما يدلل على عروبية القبائل التي سكنت العراق قديمًا، واعتزازهم بعروبيتهم ما كانت من محاورة بينهم وبين خالد بن الوليد، عندما اطمأن خالد والمسلمون بالأنبار وأمن أهل الأنبار وظهروا فرآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها فسألهم ما أنتم فقالوا: «قوم من العرب نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا»، فقال ممن تعلمتم الكتاب؟ قالوا: «تعلمنا الخط من أياد وأنشدوه شعرًا:

قومي أياد لو انهم أمم … أولوا أقاموا فتهزل النعم

قوم لهم باحة العراق إذا … ساروا جميعًا والخط والقلم»[12]

كما أورد البلاذري في كتابه «فتوح البلدان»: محاورة بين عمرو بن عبد المسيح، وخالد بن الوليد عندما صالح أهل الأنبار[13]، يستدل بها كيف كانوا يجيدون العربية وبيانها، ويتلاعبون بألفاظها عندما استقبل عمرو بن عَبْد المسيح خالد بن الوليد وكان كبير السن، فقال له خَالِد: من أين أقصى أثرك يا شيخ، فقال: من ظهر أَبِي، قَالَ: فمن أين خرجت؟ قَالَ:من بطن أمي، قَالَ: ويحك في أي شيء أنت، قَالَ: في ثيابي، قَالَ: ويحك عَلَى أي شيء أنت، قَالَ: عَلَى الأرض، قَالَ: أتعقل قَالَ: نعم وأقيد، قَالَ: ويحك إنما أكلمك بكلام الناس، قَالَ: وأنا إنما أجيبك جواب الناس، قَالَ أسلم أنت أم حرب؟ قَالَ: بل سلم، قَالَ: فما هَذِهِ الحصون، قَالَ: بنيناها للسفيه حَتَّى يجيء الحليم، ثُمَّ تذاكرا الصلح فاصطلحا عَلَى مائة ألف يؤدونها في كل سنة، فكان الَّذِي أخذ منهم أول مال حمل إِلَى المدينة من العراق[14]، وقد ثقل عليهم ضياع الإمرة وإعطاء الجزية للمسلمين فقال ابن بقيلة وهو عمرو بن عبد المسيح:

أبعد المنذرين أرى سوامًا … تروح بالخورنق والسدير

وبعد فوارس النعمان أرعى … قلوصًا بين مرة والحفير

فصرنا بعد هلك أبي قبيس … كجرب المعز في اليوم المطير

تقسمنا القبائل من معد … علانية كأيسار الجزور

وكنا لا يرام لنا حريم … فنحن كضرة الضرع الفخور

كما أن خالدًا حينما جاءه رؤساء أهل الحيرة[15] للمفاوضة في أمر الصلح قال: ويحكم ما أنتم؟ أعرب فما تنقمون من العرب؟ أو عجم فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ فأجابه عدي اللخمي بل عرب، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادوننا وتكرهون أمرنا فقال له عدي: ليدلك على ما نقوله أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية فقال صدقت… إلخ. ثم قال له اختاروا واحدة من ثلاث أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة فقالوا بل نعطيك الجزية.

وفي وقعة الحيرة وانتهائها بالصلح قال القعقاع بن عمرو مبينًا أن أهل الحيرة عرب مالوا إلى الأرياف:

سقى الله قتلى بالفرات مقيمة … وأخرى باثباج النجاف الكوانف

فنحن وطئنا بالكواظم هرمزًا … وبالثني قرني قارن بالجوارف

ويوم أحطنا بالقصور تتابعت … على الحيرة إحدى المصارف

حططناهم منها وقد كاد عرشهم … يميل به فعل الجبان المخالف

رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا … غبوق المنايا حول تلك المجارف

صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا … إلى الريف من أرض العريب المقانف

هذا هو العراق الذي كان شامخًا أصيلًا قبل أن يعزه الله وأهله بالإسلام، وهذا هو تاريخه المشرف وحضارته العريقة التي امتدت لآلاف السنين.

وهذا هو موقعه الذي وضعه الله به ليكون وسطًا ومركزًا لقيادة الدنيا يسعى العالم أجمع للسيطرة عليه ليعيدوا ترتيب توازن القوة على الأرض.

حتى جاء الإسلام ودخله المسلمون الأوئل فاتحين، وهي محطتنا القادمة إذا أبقانا الله من سلسلة محطات وحلقات «العراق بين ماضٍ مشرف وحاضر سحيق ومستقبل مجهول».

فانتظروني.

———————–

 [1] وهو «المقام» وتعاقدت القبائل على التوازر والتناصر وأصبحوا يدًا واحدة على من سواهم.

 [2] عشائر العراق/ عباس العزاوي ص 36  بتصرف.

[3] سميت ملوك الطوائف لان كل ملك منهم سيطر على أرض وكان يغير بعضهم على بعض.

[4] الكامل في التاريخ – لأبن الأثير/ ذكر وصول قبائل العرب للأنبار ونزولهم بها/ الجزء 1 ص 311.

[5] نزار وإليه ترجع قبائل: إياد و مضر وربيعة وأنمار فهو ابوهم جميعًا.

[6] ربيعة بن نزار وهم قبائل عربية من ولد إسماعيل عليه السلام.

[7] مضر بن نزار وهم قبائل عربية من ولد إسماعيل عليه السلام.

[8] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام/ جواد علي/ الجزء 7 ص 326.

[9] إياد بن نزار وهم قبائل عربية من ولد إسماعيل عليه السلام.

[10] جمرة أنساب العرب لابن حزم الجزء 1 ص 10.

[11] – الرحيق المختوم  لصفي الرحمن المباركفوري/ الجزء الأول ص 18.

[12] – تاريخ الطبري/ باب/ الأنبار وهي ذات العيون/ الجزء 3 ص 373.

[13]  – مدينة من مدن العراق القديمة قبل الإسلام على نهر الفرات، غربي بغداد، كان الفرس يسمونها (فيروز سابور) باسم بانيها سابور بن هرمز ذو الأكتاف.

 [14] – فتوح البلدان/ البلادري/ الجزء الأول ص 239.

 [15]-  الحيرة: مدينه كبيرة بعراق العرب على الضفة اليمنى لنهر الفرات، يقال ان الذى بناها هو بخت نصر، وجددت في عهد الإسكندر، وتعرف الحيرة اليوم باسمي نجف، ومشهد، وتقع على بعد 77 كم جنوب شرقي كربلاء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد