ربما لم يكتب للشعب العراقي أن يرتاح أبدًا، ما أن يخرج من نكبة حتى يدخل نكبة أخرى، كان عام 2003 مفرحًا للبعض ومصدر قلق للبعض الآخر، تمنى الشعب وقته أن ينتهي زمن دماء ويبدأ زمن جديد بعيد عن قتل ومحاكم الثورة وتعليق الجثث في ساحة، لكن لم يترك القدر هذا الشعب أن يستريح أبدًا.

لا أبالغ أبدًا إذا قلت إن العراق يمتلك أكبر تاريخ انقلابي دموي مقارنة بدول العالم، لو رجعت إلى تاريخ العراق القديم والحديث فسوف تجد الكثير من الانقلابات التي أطاحت بملوك وحكام، وكان وراء كل انقلاب يحدث الجيش وقادة الجيش، ولا ينجح أي انقلاب بدون مساندة الجيش وقادته.

بعد استقلال العراق عام 1932، ساد نوع من الاستقرار في البلد، وساعد على ذلك سعي الملك غازي إلى بناء جيش وطني ولاؤه للشعب والأرض ليس إلا، ولكن سعي الملك سرعان ما اندثر بعد سنوات من استقرار، حيث شارك الجيش في انقلاب 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أطاح بحكم الملكي وإعلان الجمهورية، ولم يتوقف دور الجيش العراقي عند هذا الانقلاب فقط، بل شارك أيضًا في انقلاب عام 1963 على عبد الكريم قاسم بقيادة صديقه ورفيق دربه عبد السلام عارف وقادة حزب البعث ومنهم أحمد حسن البكر.

كان معروفًا عن عبد السلام عارف الدهاء والمكر السياسي، وبعد انقلاب 1963 أدرك في ذات نفسه أن الجيش يصعب السيطرة عليه ولا أمن منه بعد سلسلة انقلابات دموية، فبادره إلى إنشاء قوة من الجيش العراقي فرقة 20 أطلق عليه الحرس الجمهوري توازي قوة الجيش وتكون سندًا له، ولكن لم يتحقق له ما أرد، إذ سرعان ما قام الجيش بانقلاب آخر 1968 الذي أطاح بحكم أخيه عبد الرحمن عارف، حيث أسفر انقلاب سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم بقيادة أحمد حسن البكر الذي كان قناعًا يتخفى تحته صدام حسين، لقد كان صدام حسين صاحب الدور الأكبر في انقلاب 1963 وعام 1968، وكذلك هو الذي أساس الجيش الشعبي الذي كان جله منتسبي أعضاء حزب البعث، فكما معروف عن صدام شارك في انقلابات 1958 و1963 و1968 فهو يدرك أن خطر جيش العراقي كبير على الكرسي الذي سوف يجلس عليه في المستقبل القريب، فبادره إلى إنشاء قوة من متطوعي الشعب العراقي توازي قوة الجيش وتكون سندًا لحزب البعث إذا ما كان هناك انقلاب.

تأسس الجيش الشعبي على يد صدام حسين عام 1970 وتنزل عن قيادته لطه ياسين عام 1974، حيث شارك الجيش الشعبي في قمع الشعب وقتل أبنائه في الكثير من المواقف، لقد شارك في قمع انتفاضات الشيعة في الجنوب، والأكراد في الشمال، وحتى في تصفية قادة السنة المعارضين لحكم البعث.

استمر الوضع على ما هو عليه في عهد حزب البعث الذي دمر الجيش العراقي شر تدمير في إنشاء جيوش وفرق خارج إطار الجيش العراقي، فكان إنشاء جيش القدس والفدائيون وكذلك إنشاء الحرس الجمهوري رسميًا في عام 1991 لحماية الرئيس ما أدى إلى ضمور دور الجيش العراقي الذي سرعان ما انهار في حرب عام 2003 بسبب سياسة قادة البعث المدمرة.

بعد احتلال 2003 انهار الجيش العراقي وتم تفكيكه بقرار ظالم ولربما يعد من أغبى القرارات التي تم اتخاذها في حياة الدولة العراقية، بعد حل الجيش دخل العراق في دوامة من الانفلات الأمني الذي دفع ثمنه الشعب العراقي، حل الجيش العراقي ساعد على بروز تنظيمات مسلحة برزت على الساحة لعدم وجود قوة عسكرية حكومية قوية كالجيش العراقي تمسك أرضًا جيدًا، بعد ذلك تم تأسيس الجيش العراقي مرة أخرى ولكنه هذا المرة لم يعد كسابق عهده قويًا، ويعود ذلك إلى تدخلات السياسة والعقيدة الطائفية التي تأسس عليها هذا الجيش، وكذلك اختراقه من قبل الميليشيات المسيطرة على الشارع وعلى مقاليد الحكم.

انهار الجيش العراقي أمام ضربات الإرهاب في الموصل عام 2014 مما أدى إلى سيطرة ما يعرف بداعش على أراض شاسعة من العراق، والذي بدوره أدى إلى إنشاء الحشد الشعبي ذي التكوين الطائفي، لصد هجوم الإرهاب، ولكن تكوين الحشد الشعبي أدى إلى كثير من المشاكل والمزيد من الأفعال ذات البعد الطائفي.

الحشد الشعبي تم تشكليه من ميليشيات كانت موجودة على الساحة العراقية قبل ظهور داعش، منهم سرايا السلام وحزب الله وعصائب أهل الحق وكثير من الميليشيات الشيعية، وتلك ميليشيات معروف عنها مشاركتها في الاقتتال الطائفي في 2006 وما لحقه من تهجير وقتل على الهوية، وكذلك بالولاء لإيران.

وكذلك كما هو معروف أن أغلب الفصائل التي يتشكل منها الحشد الشعبي تقاتل إلى جانب قوات الأسد ضد الشعب السوري، وهذا ما يضيف عليه البعد الطائفي.

كان مقررًا أن يتم حل الحشد الشعبي بعد اندحار داعش وطردهم من العراق، ولخوف قادة إيران من حل قوة كهذه واستفادة منها في صراعات الطائفية سعت إيران والحرس الثوري إلى تثبيت هذه القوات من خلال سن قانون يجعلها قوة دائمًا ويحميها القانون، لقد كسب الحشد الشعبي صفة القانونية بعد إقرار البرلمان العراقي قانون الحشد الشعبي، فهي الآن أصبحت قوة توازي قوة الجيش وربما أقوى منه، وهو الآن ملزم باتباع قوانين الدولة العراقية، لكن هناك الكثير من نقاط الاستفهام على تنظيم كهذا، فهو متهم من قبل منظمات حقوق الإنسان بارتكاب جرائم قتل طائفية بحق السنة في المناطق التي شاركه في الحرب ضد الإرهاب، وكذلك متهم بقتل واختطاف الفارين من بطش سيطرة داعش، وكذلك في تفجير المساجد والمنازل بعد تحرير الكثير من المناطق.

وما يعيب على الحشد الشعبي هو تبعيته للحرس الثوري مباشرة، حيث تكون قيادة الحشد الشعبي بيد قاسم سليماني الرجل الأول في الحرس الثوري الإيراني، وكذلك مشاركته في الحرب المذهبية في سوريا، وهذا ما أشار إليه قادة الحشد الشعبي في تصريحاتهم احتمال دخول الأراضي السورية والقتال إلى جانب قوات الأسد ضد الشعب السوري، وهذا ما قد حدث وهو لا يحتاج إلى تصريح.

وكذلك الذي يعيب على الحشد الشعبي أن أكثر قادته، إما فاسدون ومتهمون بملفات فساد كفالح الفياض، أو قاتل وإرهابي أمثال أبو مهدي المهندس المتهم بتفجير السفارة الأمريكية في الكويت، وكذلك من القادة من شاركه بحرب طائفية أمثال مقتدى الصدر وقيس الخزعلي، وحتى هناك من القادة من شاركه في تعذيب أسرى العراقيين خلال الحرب العراقية الإيرانية أمثال هادي العامري ونوري كامل المالكي، وأغلب هؤلاء القادة معروفون بولائهم المطلق للحرس الثوري الإيراني.

هناك الكثير من التناقضات والتشبيهات بين الماضي والحاضر، الماضي الذي جعل الجيش الشعبي مقصلة على رقاب الشعب تمثل أجندة حزب كان يحلم بسيطرة على العالم، ليأتي الحاضر ويجعل الحشد الشعبي ساطورًا على رقاب الشعب ليمثل أجندة وطموح طائفة ودولة تحلم بالتوسع الجغرافي وبسط النفوذ وهذا ما يصرح به قادة هذا الحشد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد