خلال جولتي اليومية في فيسبوك عبر هاتفي الجوال لمعرفة ما نشرَه الأصدقاء وأبرز ما يتم تداوله في هذا العالم الرقمي المميز، مررتُ بأحد المنشورات على وجه السرعة، وتجاوزته في بداية الأمر، لكن هذا المنشور كان لابد من العودة إليه والتمعن فيه، فهذا الشخص أعرفُه من خلال شغله منصبًا شكليًا مُمثلًا عن أحد الأحزاب الإسلامية، ويبدو في الصورة المرفقة مع المنشور أنّ هذا الشخص انضم إلى حزب مدني علماني جديد.

ذُهلت للوهلة الأولى ثم ابتسمت وقلت ربما غيّرته الأيام، فأنا خارج البلاد منذ ثلاث سنوات، والناس يغيّرها الزمان، ولكن هذه الجولة الفيسبوكية سرعان ما صدمتني بشخص آخر عُرف لدى الشارع بتأييده لحزبٍ إسلامي آخرَ، وترشَّح عنه في الانتخابات الماضية، رأيته ناشرًا مقطعَ فيديو يظهر فيه واقفًا في مسرح واسع ويتحدث إلى جمْع غفير عن أهمية الأحزاب المدنية وإيجابياتها في العمل السياسي، هنا كان لابد علي من تصفح جميع منشوراته الأخيرة بصفحته الخاصة حتى أستوعبَ ما الذي يحصل أو ما الذي تغير معه، وجدت أن الأخ أسس مع آخرين حزبًا بطابع مدني.

لكن لماذا هذا التحول؟ هل فعلًا كما يقول أحد الزملاء إن الأحزاب الإسلامية في العراق فقدت جمهورها بسبب الإخفاقات المتكررة في الدورات الانتخابية السابقة ما اضطر تلك الأحزاب إلى تقديم كوادرها من الصف الثالث بشكل وحُلّة جديدة تتلاءم والمزاج العام، لا سيما بعد السخط الشعبي الواسع على العملية السياسية، ولعل ما يدعم هذا الرأي هو عدم دخول معظم الأحزاب بأسمائها التي عُرفت بها طيلة السنوات السابقة، إذ انشطرت قياداتها بأسماء وأحزاب جديدة مع الحرص على إبقاء من يصفون أنفسهم بالرموز في رأس الهرم الحزبي الجديد.

الغرائب لم تتوقف عند هذا الحد، فقد ذُهلت كغيري من المتابعين بخبر تحالف أحد الأحزاب اليسارية التي يُفترض أنها ضد وجود الإسلاميين في الحكم مع حزب يميني إسلامي يناقضه في كل شيء، زعيم الحزب الثاني غيرُ مقتنع برياضة كرة القدم ويريد فرضَ الزيّ «المحتشم» في المدن التي يبسط نفوذه عليها، ويملك حزبه جناحًا عسكريًا مكونًا من عدة فصائل مسلحة، إضافة إلى أنه ضد وجود الملاهي والكازينوهات الليلية ومحال بيع الخمور، بينما يريد الحزب اليساري إعادة الأوضاع في العراق إلى ما قبل ثمانينيات القرن الماضي، وأن ترتدي النساء «الميني جوب» وتنتشر النوادي والمقاهي الليلية ويباع الخمر لكل من يشتهيه وأن يُحصَر السلاح بيد الدولة وتُفرض سلطة القانون! يخيَّل للقارئ أن يكون هذا الخبر قد سقط سهوًا من أحد المكاتب الإعلامية أو نُشر من جهات سياسية منافسة بغرض التسقيط، لا سيما أن الانتخابات على الأبواب، لكن إعلان التحالفات الانتخابية أكد صحة وجود هذا التحالف.

ولمعرفة ردود فعل الجمهور لابد من جولة على مواقع التواصل فهي أفضل مكان لإجراء أي استطلاع على وجه السرعة، ما قرأته من أنصار الحزبين يفسر سبب استغرابي للحدث، فهناك من باركَ للحزبين هذا التحالف وعدَّه نصرًا على الأعداء، وآخرون يشعرون بحيرة من أمرهم، إذ نشرَ أحد الناشطين اليساريين صورة لطاولة عليها زجاجة خمر وقطعة قماش لفّها على شكل عمامة وكتب «تعالوا خلينا نتصافى»، في حين نشر آخر صورة لأعضاء في الحزب ذاته يتوسطهم معمّم وهم يقرؤون الفاتحة على أحد القبور وكتب «من يصدّق أننا نفعل هذا».

أما جمهور الحزب بعض الجمهور اليميني المستغربين من هذا التحالف فنشروا بعض الكتابات والصور السابقة للأصدقاء الجدد المتناقضة مع نهجهم وعقيدتهم، وعلقوا بعبارات مستهجنة ما حدث، وعند سؤالي لأحد الأصدقاء المعترضين على حكم الأحزاب الإسلامية عن الجهة التي سينتخبها قال: «أنا المثقف الواعي في حيرة من أمري فكيف بالناس البسطاء»، هذا التشابك والتداخل في المنهج والهدف والفكر يفسر بشكل كبير عدم اعتماد الأحزاب السياسية على الأهداف والقوانين الداخلية وبرامجهم السياسية، فمن غير المعقول أن يشعر الجمهور بهذه الحيرة وسط هذا الكم من التناقضات، ففي الانتخابات السابقة كانت هناك قوائم إسلامية سنية وأخرى شيعية وأخرى علمانية وقوائم للأقليات وأخرى للقوميات، أما الآن فقد اختلط الحابل بالنابل وكأن هذه التحالفات شكَّلها جحا في إحدى قصصه الطريفة، ليوهمَ الآخرين في نهاية المطاف أنه غلبَهم جميعهم وحقق ما كان يصبو إليه، بينما يراه هؤلاء أنه أبله لا يَعي ما يفعل أو يقول.

مسلسل التناقضات استمر أمام جمهور الناخبين وكأنه مسلسل هندي بحلقات ماراثونية تركية، ويبدو أن إعلان التحالفات والقوائم الانتخابية أشبهَ ببرنامج «الصدمة» بالنسبة للعراقيين، فهذا المسؤول الذي لم يُبقِ شعرة في رؤوسهم بسبب أسطوانة محاربة الفساد والفاسدين والقضاء عليهم وأنهم سيتفاجؤون بطريقة محاسبتهم وأنهم سيندمون، اتضح أن تحالفه الانتخابي وقائمته الانتخابية تضج بالمسؤولين الفاسدين والشخصيات التي تكرر وجودها لسنوات في السلطة، وحتى شخصيات معروفة بالولاء لدول على حساب الوطن، فقد عبّر كثير من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي عن خيبتهم بوجود هذه الوجوه، ولم يستوعبوا سببَ كل هذا، وعلى الرغم من تفاؤلهم المسبق بالمرحلة المقبلة فإنهم عادوا بخيبة أمل كبيرة من مغبة بقاء الوجوه ذاتها في المنصب ما يعني استحالة إحداث التغيير المنشود.

صعوبة معرفة الناخب نهجَ الجهةِ التي سينتخبها أو أهدافَها يضعه أمام قرار مصيري صعب، فهذا الصوت هو من سيقرر منْ سيحكمه ويمثله لأربع سنوات قادمة وعليه انتخاب الجهة التي تلبي تطلعاته وآماله، فكيف له أن يصوّت لقائمة تناقض نفسها؟ وكيف له الاختيار وهو مُجبر على أخذ العرض كاملًا، وكأنه في محل لبيع المواد المستعملة أو القديمة، فشراء حاجة مميزة بعرض مميز يضعه أمام خيار أخذ ما لا يحتاج إليه، وفي هذه الانتخابات وُضع أمام خيارات صعبة، فقد يختار قائمة إسلامية ويفوز شخص يساري في ظل اعتماد قانون «سانت ليغو» المعدّل، وقد يختار قائمة مدنية ويلبس صاحبها العمامة بعد فوزه وانتهاء الحفلة التنكرية، وقد يبحث عن شخص غير فاسد ويختار منْ كان يسعى لإبعاده بعد أن اختلطت الشعارات بزيف الواقع المرير.

وهنا ينحصر التفكير في زاوية وسؤال واحد: هل اتفقت الأحزاب السياسية بهذه الخلطة السحرية العجيبة على الناخب ليكونَ في حيرة من أمره ويذهب إلى الانتخابات لتسقيط فرض، أو لحثه على كسب عطلة يوم الانتخابات والنوم العميق؟ في حين تسعى تلك الأحزاب للقيام بدوره في التصويت لا سيما مع الإبقاء على نظام التصويت السابق باستخدام ورقة الانتخابات بدل التصويت الإلكتروني. تلك النوايا لا يعلمها إلا الله ثمّ العرّابون في هذه العملية السياسية العجيبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد