الواحد والعشرين من شهر مارس/ آذار، من كل عام تمر فيه ذكرى غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، وتحل في هذه الأيام على العراقيين الذكرى الثانية عشرة لهذا الغزو الذي كانت بدايته في عام 2003.

هدف الغزو الأمريكي للعراق كان في ظاهره محاولة أمريكية لجلب الديمقراطية ومحاربة الإرهاب في المنطقة! وفي باطنه دمار البلاد والعباد تحت مسميات عدة! ولم يكن في جزئيات أهدافهم إصلاح العراق أبدًا!
وهذا ما ترجمه الواقع والحال القائم عليه العراق بعد أكثر من عقد من الزمن، فالبلد يمر بحالة من الفوضى وعدم الاتفاق سياسيًّا وطائفيًّا في أروقة الحكم، ناهيك عن محطات العنف التي شهدها البلد طيلة تلك السنوات من أحداث تخللتها حروب طائفية ومذهبية كبيرة دمرت البلد وسفكت دماء أبنائه.

في وقت كان فيه العراق من الدول الصناعية الكبرى في مجالات عدة على مستوى الدول العربية في مختلف التخصصات العسكرية والاقتصادية الأخرى، وهو من البلاد الكبيرة المنتجة للنفط والمصدر له عبر خطوط النقل العالمية والفاعل الكبير في سوق البترول! وصاحب الموقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط!

جاءت القوات الأمريكية لتحرره اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا ولتعيد بناء نظام الحكم فيه على أسس اجتماعية عادلة، كما كانت تدعي وتقول على لسان مسؤوليها! فبعد اثني عشر عامًا تحقق ما ضمرته الخطة الأمريكية للبلد من خلق الفوضى فيه لا لجلب الديمقراطية وحقوق الإنسان لشعبه، فكل الذي كانت تقوله قوات التحالف الأمريكية هو مجرد شعارات تخفي في طياتها حقيقة التخريب الكامل لمرفقات هذا البلد.

بعد سنين الاحتلال الطويلة ومحطاته العصيبة التي خاضها العراقيين مع مختلف المحن، يبدو أن الشعار الذي كان يردده العراقيون أكثر من غيرهم “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، هذا الشعار الذي يوصف بأنه شعار حزب البعث الذي لطالما ردده العراقيون كثيرًا في احتفالاتهم ومناسباتهم الوطنية بات حلمًا! بل وخيالًا بعد أن حصل فيه ما حصل من تفكك كبير في السياسة والدين والمذاهب المختلفة، وصولًا إلى التغير الاجتماعي في المنطقة العربية أجمع، وفق مذاهب وطوائف متعددة!

ما تزال آثار الغزو الأمريكي واضحة! ولن ينساها العراقيون، وستبقى مشهدًا قاسيًا أمام أنظارهم لسنين قادمة، كما ستبقى دروسها للأجيال المستقبلية، وستبقى أمريكا وقواتها المحتفلة هي الدولة الغازية الكاذبة، وهي من دمرت البلد وأحرقته بكل ما تملك من ذخيرة عسكرية وخطط تقوم على تفريق الوحدة العراقية والعربية بمختلف الأساليب!

نستذكر جيدًا ما حصل فما إن دخلت أمريكا وقواتها الغازية للبلاد إلا وخربت كل المرافق الحيوية فيها، ودمرت المؤسسات الحكومية، وأحرقت الوثائق، وسرقت البنوك والمتاحف التراثية في مختلف المحافظات، وسرقت كل نفيس وغالٍ فيها، وفككت ودمرت الجيش العراقي، ذلك الجيش الذي كان يوصف بأنه من أقوى الجيوش العربية وفي الشرق الأوسط! خلاصة الكلام أنهم دمروا كل شيء، ولكن! قاموا بحماية وزارة النفط وآبار النفط من التخريب والسرقة لينظموا بعد ذلك وفق ما تمليه عليه خططهم الاستراتيجية تهريب وسرقة هذا البترول!

وما هي إلا سنوات قليلة عن بدء الغزو الأمريكي للعراق وبدت الفتن الطائفية والعرقية في البلاد بالظهور، فحرب مع السنة، وأخرى مع الشيعة، وتلك مع الأكراد، والكل مستهدف فيها! والجميع يمثل دور الضحية، والجلاد جاثم على صدور العراقيين يحرك الأطراف كيفما يريد في مشهد دموي وكارثي فقد فيه العراق خيرة علمائه وأبنائه، ناهيك عن تدمير مرفقاته ومؤسساته.

محطات العراقيين مع الاحتلال الأمريكي متعددة، وتتنوع فصول قصصها وأماكن أحداثها! أحاول أن أسلط الضوء عليها وعلى محطات الشعب العراقي مع الغزو الأمريكي لهم في هذا الملف، إضافة إلى ما خلفه هذا الغزو من تغيير في المجتمع وتركيبته الطائفية والسياسية في وقت يمر فيه العراق بمرحلة حرجة من الصراع الطائفي والسياسي.

عن ذكرى السقوط

يدخل الجيش الأمريكي بدباباته وآلياته العسكرية إلى العاصمة بغداد، في ذلك اليوم يمكنك أن تتصور المشهد القائم فيه وكيف أن هذه العاصمة بدت وهي تبكي حالها بفقد أهلها وأحبابها من كل الأطياف العراقية، واقع مرير في تلك الساعات التي كانت بغداد وبغضون ساعات قليلة قد سقطت في يد الجيش الأمريكي، وما هي إلا ساعات حتى تحولت بغداد إلى مدينة أشباح، وانتشر فيها اللصوص الذين لم يتركوا شيئًا أمامهم إلا ونهبوه، وفيما استباح آخرون مؤسسات الدولة ونهب محتوياتها، وفي هذا الوقت لزم سكان بغداد الأصليون بيوتهم ومساكنهم بانتظار الفرج.

التاسع من أبريل “نيسان” يوم حزين وكئيب يمر على أغلب العراقيين بفعل تداعيات الحرب، وتحول مجرياتها وتطورها الكبير الذي ساهم في تخريب العراق كليًّا وعلى مختلف المستويات الاجتماعية والتدريسية والسياسية والاقتصادية.

تمر الذكرى الثانية عشرة لسقوط عاصمة الرشيد “بغداد”، هذه العاصمة العربية التي بسقوطها في يد الاحتلال الأمريكي ساهمت وبجزء كبير في تحول شكل وسياسة الدول العربية والمنطقة بشكل كامل وعلى مختلف المستويات، فبسقوط العاصمة العراقية بغداد لم يسقط العراق وحده فسحب، ولكن لهذا السقوط تبعات كبيرة دفع ثمنها العالم العربي بشكل خاص والعالم بأجمعه بشكل عام، ولكن يبقى الشعب العراقي هو أكبر الخاسرين في هذه الحرب التي شكلت مأساة قاسية ودامية فقد فيها العراقيون أحب ما يملكون من عوائلهم وأصدقائهم، وعندما تريد المقارنة بين ما كانت عليه الحال قبل سقوط بغداد وبعدها فإنك سترى فارقًا كبيرًا في الحال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بلد تتنوع فيه الطوائف والثقافات، وعاشت على مر الزمن ضمن منظومة عيش سلمي مشترك وبلد واحد هو العراق، بعيدًا عن كل المسميات والقوميات.

أصبحت ذكرى سقوط بغداد جزءًا من التاريخ الحديث لبلاد الرافدين، وتمر هذه الذكرى بآلامها المختلفة بعد أن ساهمت وبجزء كبير في إحداث شرخ كبير بين العراقيين، وفي إحداث نعرات طائفية وأخرى سياسية على مختلف أرجاء الدولة العراقية، ويستذكر البعض في هذه الذكرى الأليمة “سقوط بغداد” العهد السابق، والذي كان يحكم فيه العراق “صدام حسين” وهو النظام الذي يصفه البعض هنا “بالدكتاتوري”، والذي امتد حكمه لأكثر من ثلاثين عامًا، ويتأسف البعض ويبكي دمًا على أيام ذلك النظام الذي بسقوطه أوقع البلاد برمتها في دوامة عنف لا يعرف أحد أين ستكون نهايتها.

وفي الجانب الآخر يحتفل البعض في انتهاء زمن وكما يسمونه “زمن الدكتاتورية” الذي شاع فيه الظلم والاستبداد من قبل حكومته، ذلك النظام الذي يصفونه بالدامي، والذي دمر العراق ودول جواره بحروبه غير القانونية، وبين الرأيين يتفق الجميع هنا أن الواقع الأمني ومنظومة التعايش السلمي كانت في ذلك النظام هي أفضل بكثير مما هو عليه الواقع حاليًا!

مقاومة العراقيين للمحتل

بعد محطات خاضها العراقيون لعقود من الزمن قضاها بين صراع عسكري مع دول الجوار، وأخرى سياسيًّا وطائفيًّا مع دول مختلفة، وصراع متعدد الأوجه داخليًّا! ناهيك عن فرض حصار اقتصادي على البلد، إضافة إلى سياسية قمعية داخلية أدت إلى الكثير من الخلافات في ذلك الوقت، وإلى يومنا هذا يجني العراقيون مساوئ تلك الفترة!

كل هذه العوامل شكلت في ذهن القوات الأمريكية أن العراقيين شعب أصابه الإعياء بفعل تلك المحطات التي عصفت بهم، وتصورت تلك القوات أن هذا الشعب ولد في داخله الإحباط ولن تجد صعوبة في احتلاله! تصورات وعوامل اتخذها الأمريكيون حسابات لهم، ومن خلالها أرادوا المكوث طويلًا وبسلام في العراق! ولكن؛ سرعان ما تغيرت تلك الحسابات التي رسمت وخططت من قبلهم مع أول رصاصة للمقاومة العراقية لهم.

أيام لا ينسها كل من عايشها، أو حتى لمن تابع أحداثها، وستبقى تذكر للأجيال القادمة، تلك التي خاضها العراقيون في مختلف محافظاتهم بمعارك متواصلة طيلة فترة تواجد الاحتلال الأمريكي في البلد، وتصاعدت حدة المقاومة العراقية في الأنبار بغرب العراق، فتقارير أمريكية تصف المعارك في الأنبار بأنها الأعنف ضدها، وتحجم الخسائر الأمريكية فيها قرابة الثلث من تلك القوات! وفي التفاصيل أن القوات الأمريكية كانت وبسبب معاركها في الأنبار قد خسرت ثلث قواتها الغازية للبلاد، وشهدت فيها معارك هي الأعنف في تاريخ قواتها!

مقاومة عراقية جاءت نتيجة لجرائم المحتل الأمريكي ضد العراقيين بمختلف مناطقهم، مقاومةٌ كبدت المحتل خسائر بشرية ومالية هائلة أفقدت التوازن المالي والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية حينذاك! ليكون بعد كل هذه المحطات قرار تلك القوات بالانسحاب من العراق “عسكريًّا”، وتسليمه إلى القوات العراقية في أواخر عام 2011، وليبقى بعد ذلك نفوذ الإدارة الأمريكية وبكل ما تمليه سياساتها قائمًا على خيارات السياسيين العراقيين الذين لم يفلحوا برسم عملية سياسية تجمع تلك الأطراف تحت سقف عراقي واحد!

وطيلة كل تلك الفترة التي تواجد فيها المحتل الأمريكي، سجلت المقاومة العراقية بأحرف البسالة والشهامة العراقية صفحات تاريخية مشرقة شرفت العراقيين بمختلف مذاهبهم وأطيافهم، ففي ذلك الوقت كانت المقاومة العراقية للمحتل الأمريكي بطوائف متعددة، وكانت أقوى الأطراف المقاومة في البلد هي المقاومة السنية غرب وشمال العراق!

“معركة مطار صدام الدولي والتي استخدمت القوات الأمريكية فيها أسلحة الدمار شامل”، “ومعركة الفلوجة عندما استخدمت فيها الفسفور الأبيض”، وغيرها الكثير من المعارك التي تثبت قدرة المقاومة العراقية القوية، وتفضح في ذات الوقت وحشية القوات الأمريكية من انتهاك حقوق الإنسان واستخدامها للأسلحة المحرمة دوليًّا!

محطات المقاومة العراقية تطول إن ذكرت أحداثها، ويبقى التعبير الشامل لمحطات أحداثها بأن تذكر “المقاومة العراقية” ليعرف الجميع أنك تتكلم عن شيء كبير وتتلاشى عظمته إن أطلت بسرد تفاصيله!

ما يؤسف المشهد في العراق حاليًا هي أن طبيعة الصراع السياسي والفتن الطائفية في البلد أنست الكثير من العراقيين بطولاتهم ضد المحتل الأمريكي لهم! بسبب أن تلك القوات وبسياساتها جعلت من العراق بلدًا مصنعًا للفتن، فكلما وئدت فتنة فيه، ولدت أخرى في مشهد يتكرر دوريًّا.

إذ يمر العراق اليوم في منعطف تاريخي ومهم وخطير! وأبرز أحداثه هي استمرار المعارك والعمليات المسلحة في الأنبار تحت أهداف وغايات متعددة، وسط غموض المشهد وعتامة أحداثه الميدانية والسياسية، وفي وقت تستعد القوى الوطنية والقومية والإسلامية في مختلف المحافظات للمشاركة في الانتخابات في ظل تنبؤات عن مقاطعتها، وأخرى عن المشاركة الفاعلة فيها بين أوساط المجتمع العراقي وممثليه في العملية السياسية!
من أخرب البلد؟

بكل تأكيد ستبقى طبيعة الحرب التي خاضها العراقيون مع المحتل الأمريكي حاضرة في أذهانهم لفترة طويلة من الزمن، وسيذكرها الأجيال جيل إثر جيل، وسيتكرر استعادة ذكريات هذا الغزو بألم في أماكن متعددة! وسيخلد التاريخ هذه المحطات بقصص مختلفة، ولن تزول آثار هذه المحطات إلا بنهوض البلاد من ركام وحطام هذه المرحلة المرة، والتي ما يزال العراقيون يعانون منها إلى يومنا هذا، ولن يكون هذا إلا بإصرار وتكاتف جماعي من أقطاب البلد المختلفة والمتنوعة!

نقاشات عراقية تدور في مختلف البيوت والمنتديات والمقاهي، يكون فيها النقاش معمقًا حول محطات الغزو الأمريكي للعراق، ويبقى نقد تلك الفترة موضوعًا هو غاية الكثير من العراقيين، فيكون هدفهم في التحليل لما جرى في ذلك الزمن قبل اثني عشر عامًا، هو التطرق لمن ساعد المحتل في خراب البلد، وما هي مبرراته التي لا تشفع له عند الكثير من العراقيين!

مثقفون وأناس عاديون يفتشون وينبشون في حيثيات المشهد قديمًا؛ فيجدون من وقف مع المحتل في تلك المرحلة هو من يقود البلد في هذه المرحلة، وهو من الأسباب التي لم تدع العراق يستقر إلى يومنا هذا. نقاشات تطرح وفي أغلبها يدور سؤال متكرر بطرق مختلفة؛ فالكل يسأل “من أخرب البلد؟ ومن دمره؟ ومن، ومن، ومن! قد لا يكون السؤال واضحًا، وهو في ذات الوقت لا يبدو غريبًا وقد عرفه الكثير! ويجيب آخرون على السؤال بـ”أتعرف من أخرب البلد؟ هم أبناء من هذا البلد تعانوا مع أطراف من خارجه ودمروه وأنهكوا أهله ونهبوا ثرواته”!
في المشهد إن حرب العراق، أو احتلال العراق، أو حرب تحرير العراق، أو عملية حرية العراق، وهذه بعض من أسماء كثيرة استعملت لوصف العمليات العسكرية التي وقعت في العراق عام 2003، والتي أدت إلى احتلاله عسكريًّا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ومساعدة دول مثل بريطانيا وأستراليا وبعض الدول المتحالفة مع أمريكا، كما أطلق المناهضون لهذا الغزو تسمية “حرب بوش”.

حرب بدأت من قبل قوات الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وأطلقت عليه تسمية ائتلاف الراغبين، وكان هذا الائتلاف يختلف اختلافًا كبيرًا عن الائتلاف الذي خاض حرب الخليج الثانية، لأنه كان ائتلافًا صعب التشكيل، واعتمد على وجود جبهات داخلية في العراق متمثلة للمعارضة العراقية أثناء فترة حكم صدام حسين الرئيس السابق للعراق، وكانت هذه المعارضة قد ضمت زعامات سياسية ودينية بمختلف القوميات والانتماءات حينذاك، في حين أن القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية شكلت نسبة %98 من هذا الائتلاف. ولقد تسببت هذه الحرب بأكبر خسائر بشرية في المدنيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأمريكي في عدة عقود.

إذن فوجود جبهات عراقية أخربت البلد هي بنسبة قليلة من أبنائه! وقد ينسى العراقيون تدخل المحتل في بلادهم! ولكن من المستحيل أن ينسوا من ساعده ووقف معه جنبًا إلى جنب، ليقتل وليهدم كيفما شاء ووقتما يشاء! وتبقى تبريرات الحرب من قبل من غزا العراق أو من ساعد على غزوه متعددة ومتشعبة ولها أكثر من وجه!

فحسب الإدارة الأمريكية ومن خلال ما قدمته قبل وأثناء وبعد سقوط النظام السابق في بغداد في 9 أبريل 2003 بمجموعة من التبريرات لإقناع الرأي العام الأمريكي والعالمي بشرعية الحرب، ومن أبرز هذه التبريرات هو أن استمرار حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عدم تطبيقها لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش عن الأسلحة بمزاولة أعمالها في العراق.

وكذا أيضًا ومن التبريرات الأخرى للإدارة الأمريكية هو أن استمرار حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتصنيع وامتلاك “أسلحة دمار شامل”، وعدم تعاون القيادة العراقية في تطبيق 19 قرارًا للأمم المتحدة بشأن إعطاء بيانات كاملة عن ترسانتها من “أسلحة الدمار الشامل”. ومن أكثر التبريرات شيوعًا أيضًا هو ما قالته تلك الإدارة للعالم بأن حكومة الرئيس السابق صدام حسين تمتلك علاقات مع تنظيم القاعدة ومنظمات “إرهابية” أخرى تشكل خطرًا على أمن واستقرار العالم!

وبسبب هذه التبريرات ومن أجل نشر الأفكار الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ولو بالقوة العسكرية، وتغيير أنظمة الحكم الرسمية للدول، جاء المحتل للعراق غازيًا، فوجد من يعينه بكل أنواع المساعدة على هذا الغزو، سواء كان معنويًّا أو ماديًّا أو بشريًّا أو من أي أنواع الدعم كان!

وبعد الحرب ومحطات الغزو الأمريكي تعرضت التبريرات التي قدمتها الإدارة الأمريكية إلى انتقادات واسعة النطاق بدءًا من الرأي العام الأمريكي إلى الرأي العام العالمي، وانتهاءً بصفوف بعض المعارضين لحكم صدام حسين؛ فما قالته تلك الإدارة على أن العراق يمتلك أسلحة للدمار الشامل، وهو ما دعاها إلى غزوه وتغيير النظام فيه، كانت نتائجه على أنه لم يتم حتى هذا اليوم العثور على أية “أسلحة دمار شامل” في العراق، بل إن نتائج مفتشي الأسلحة أكدت عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل نهائيًّا، ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت موعدًا نهائيًّا لبدأ العمليات العسكرية بينما كانت فرق التفتيش تقوم بأعمالها في العراق!

من أخرب البلد؟ هو من أخرب بلدان آمنة أخرى، وهو ذاته من يدعم السلام ويحث على الديمقراطية بطريقة مخالفة! فهو يقتل هنا ويخرب هناك بأسماء ومبررات شتى، ويجد من أبناء جلدتنا من يدعمه ويقف إلى جانبه بغايات وأهداف شتى!

من زرع الفتن؟!

بعد محطات من الصراع الطويل والمقاومة المتواصلة للمحتل الأمريكي، والتي خاضها العراقيون لقرابة عقد من الزمن مر العراق بتجربة ومراحل جديدة، وهي تشكيل حكومة عراقية وصياغة دستور جديد للبلاد! بهذه المرحلتين وخلال تنظيم أعمالها من قبل رجال السياسة والدين في البلد حدثت أحداث بتطورات كانت متوقعة للكثير من العراقيين، فكانت ولادة الفتنة الطائفية أثناء وخلال العمل على إعدادهما!

وتقف الكلمات عاجزة للتعبير عن حجم المأساة التي تعرض لها العراقيون في عراقهم الجديد، عراقٌ حدد شكله السياسي أشخاص لم يكونوا خبراء في السياسة التي تؤهلهم لقيادة العراق، هذا البلد الذي يصعب الحكم فيه! وهو يحتاج إلى أحزاب تعي مكونات وطبقات هذا المجتمع، وتوفر له ما يحتاج قبل أن يغضب! لأن هذا الشعب ولعقود طويلة من الزمن عبر الكثير منهم عن غضبهم بطرق متعددة، وفي أزمنة ملتهبة!

ساسة العراق وسياسيوه والذين أمسكوا بالسلطة والحكم فيه طوال السنوات التي تلت الغزو أوصلوا العراقيين بمواقفهم إلى الفوضى وعدم الاستقرار، فبدل أن يوحدوا العراقيين فرقوهم، وبدل أن يكونوا عونًا لهم، كانوا غير مبالين بهم ولا بأمورهم، فأهدرت الأموال، وأريقت الدماء وانتهكت الأعراض ونهبت الثروات، وهم في كل هذه الأزمات تراهم صامتون لا يتخذون قرارات مناسبة للحل، وإن اتخذت القرارات فإنها ستكون معقدة للمشهد غير معالجة له، فيصف الكثير من العراقيين أن من يحكم البلد اليوم، ومن يمثل الشعب في أروقة الحكم، هو مجرد دمى متحركة بخيوط يمسك أطرافها صناع القرار الأمريكي.

لدرجة أن الكثير منهم فقد الثقة في الدوائر السياسية والعسكرية المحيطة بصانع القرار العراقي في وقتنا هذا، كل هذا كان بسبب خطط الإدارة الأمريكية، والعمل السياسي التي رسمته لإدارة المؤسسات العراقية السياسية منها والعسكرية، وبسبب هذا كله أفقد القدرة في أروقة السياسة العراقية على إيجاد حلول حقيقية يمكنهم الاعتماد عليها في بسط الأمن وتوفير الحياة الكريمة للعراقيين!

ولكن لم يفلحوا في ذلك إلى يومنا هذا كون أساسهم الذي بنوا عليه حكمهم كان ضعيفًا، وأوصل البلاد والعباد إلى دمار شامل في كل مرفقاتهم!

فترى العراق بعد اثني عشر عامًا مقسمًا على أسس طائفية وعرقية مقيتة، نشرت فيه روح التعصب للقومية والطائفية والمذهبية التي لم تكن متوفرة قبل ذلك الغزو كما حدثت بعده! فأصبح كل شيء في البلد يسير على تلك الأسس، والتي إن بقيت فيه لن تقوم للعراق قائمة في الإعمار والازدهار إلى أن يشاء الله! فقد قامت تلك القوات على نشر ثقافة المكونات وفق الأماكن وساكنيها من الشيعة والسنة والكرد والتركمان وغيرهم، ووفق ما رسمته في هذا الشأن كانت السياسة والفتن الطائفية قد نمت في تلك الأماكن أيضًا!
اختلافات السياسة في العراق لم تبق شيئًا في العراق إلا ودمرته! فلم ينحصر ذلك الخلاف في السلطات القائمة على إدارة البلاد في الأمور الداخلية فيما بينهم كسياسيين!، ولكن امتدت خلافاتهم تجاه مواقف العراق الداخلية والخارجية السياسية منها والاقتصادية، إضافة إلى القضايا التربوية والأمنية والحريات العامة في داخل البلد.

وقد تطور هذا الاختلاف إلى أن وصل إلى معارضة سياسية مسلحة! وفق كل طائفة ومذهب وقومية وانتشرت المليشيات وعم العنف والقتل وسفك الدماء، وأخربت البلاد على هذا النحو، والذي كان بدايته أزمات سياسية تطورت فيما بعد لنزاعات واصطدامات يمر العراقيون بها يوميًّا ويعكر المشهد العراقي حاليًا هو ذات المشهد المتكرر في مناطق عراقية أبرزها ما يحدث الآن في الأنبار وديالى على خلفية فض اعتصام الأنبار بالقوة، واعتقال رموز سياسية ودينية في تلك المناطق!

يعم خلاف سياسي فيكون بعده فتنة طائفية، فيحصل بعده معارك كثيرة بمحطات دموية يصفها المدافعون فيها بأنها لأغراض الدفاع عن النفس لا أكثر، ويقول عنها المهاجمون بأنها لحماية القانون لا أكثر! وبين الغايتين يقتل العراقيون وتخرب مدنهم دون أن يستفادوا منها في شيء طيلة اثني عشر عامًا بعد الغزو الأمريكي لبلادهم!

من زيف الإعلام؟

يكون الحال مأساويًّا فتفتح التلفاز ليكون الوضع طبيعيًّا في بعض وسائل الإعلام! غزوٌ في العراق هو تحرير له في غالب المحطات التلفزيونية في دول التحالف لهذا الغزو أو ما سواها، ويكون دمار شامل في البلد وتراه في التلفاز إعمار وإعادة هيكلة!

هو الإعلام وما يقوم به ليس بجديد ولن يكون بقديم أبدًا! هو من دمر العراق قديمًا وحديثًا، وامتد دماره إلى بلدان أخرى! حرب العراق والغزو بكل أنواعه؛ فكريًّا واجتماعيًّا، ناهيك عما خلفته تلك الحرب بمحطات من الدمار والخراب بكل أنواعه صاحبها إعلام تجميلي في دول فاعلة أخرى، وهو ذات الإعلام الذي لم ينقل الحقيقة أبدًا في وسائل الإعلام العربية والعراقية آنذاك على بساطتها!

منذ حرب فيتنام كانت جميع المنظمات ووسائل الإعلام الغربية قد تفهمت الحكمة التقليدية والدروس المستلهمة من الحروب حول كيفية كسب ود الجمهور، وكيفية إقناعه بما يجب أن يقتنع! كون رجال السياسة كانوا يعلمون أن الجمهور لن يقبل ولن يسمح بوقوع إصابات وضحايا في أروقة المدنيين العزل، ولن تدعم الحرب شعبيًّا إن كان مظهر القتل المختلف هو السائد في الإعلام! ولأنهم يعتقدون جازمين أن هذه الحروب المعلنة ضد الإرهاب يجب ألا تخسر دعمها من داخل البلاد مهما بلغت خسائرها! ولن يكون هذا إلا بدعم إعلامي مكثف من قبل وسائل الإعلام المختلفة!

ولأجل هذا التحسين استخدم الإعلام بكل أنواعه ووسائله في الغزو الأمريكي للعراق، فبذل رجال السياسة والقائمون عليها وكذا من قام على إدارة الحرب بكل وسائلها المختلفة على تقديم صورة جميلة مجملة بكثير من الأكاذيب عن هذه الحرب التي استمرت قرابة عقد من الزمن، وخلفت وراءها الكثير من الدمار في البلاد والعباد! وتُلفت وسائل الإعلام هذه الأنظار إلى العنصر الرئيسي في الحرب والتصريحات والخطابات الإعلامية على أثرها بجانب من جوانبها، وتقوم هي بطريقتها على تجميله وإخراجه كما تريد هي، لا كما هي الحقيقة!

فكلما ارتكبت تلك القوات الأمريكية الغازية جريمة بشعة راح ضحاياها الكثير من العراقيين، تحولت هذه الجريمة إلى أنها محطة رهيبة يخوضها المحررون للعراق مع الإرهابين هناك، وكلما ارتكبت تلك القوات حماقة في البلاد وخراب في المرفقات، تراهم يسابقون الأحداث ويتصدرون الأخبار بأن المحررين قاموا بتدمير منجم للألغام، وآخر لمخازن العتاد والأسلحة! وهو في ذات قصف عشوائي لمنازل وملاجئ لأناس بسطاء!

ومع هذا هم يعملون جاهدين لإقناع أنفسهم وإقناع العالم بوسائل مختلفة على أنهم قد فعلوا فعلًا حميدًا في باطنه خبث وقتل ودمار، ويعمل ذلك الإعلام على تجميل الصورة أكثر في عمل استفتاءات إلكترونية وأخرى على أرض الواقع هنا في أرض الحرب، أو هناك على أرض التأييد العسكري لها! فتكون تلك الأسئلة مصطنعة، وتكون كذلك نتائجها هي منافية لما يجري على الأرض، وتكون تلك النتائج حسب ما يريدون هم!

الإعلام تدهور مع بداية الغزو الأمريكي للعراق، فنسي التدهور هناك وأبدع فيه من يقوم عليه في بلادنا، فإن كان الإعلام مزيفًا في مرحلة من مراحل الغزو، وكان المسبب لهذا التدهور وعدم نقل الحقيقة هو العدو، أصبح اليوم الإعلام العراقي هو أكثر الوسائل الإعلامية تدهورًا وضياعًا بين المؤسسات الإعلامية العالمية، علمًا بأن العراق هو البلد الأول عربيًّا الذي دخل التلفاز إليه!، فيشوه الإعلام العراقي في يومنا هذا الكثير من الحقائق، ويبث الكثير من الفتن في أوساط شعب تائه لا يعرف الحقيقة، وسرعان ما تزرع الفتن في ربوعه ويثور من أجلها غضبًا!
إذن من زيف الإعلام؟ يجيبك الإعلام نفسه أنني وُجِدتُ لأجمل الكثير من الأحداث ولأبثها بغير وقائعها! ولأشن حربًا فكرية وإعلامية لا تقل أهمية عن تلك التي تقاد بالمدافع والطائرات، وينوه لك ذلك الإعلام بأنه لن ينجح عمله سوى في مكان قد هيئ له كافة الوسائل والإمكانيات والسبل لذلك التزييف! ويخبرك هو نفسه بأنك ستجد في العراق كل ما تريد لهذه الغاية وحسب ما تشاء.

من سرق البلد؟

العراق! هذا البلد الكبير اقتصاديًّا، الغني بثرواته الطبيعية الكثيرة، وصاحب رابع أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم، أصبح وبعد الغزو الأمريكي له أشبه بمزرعة مليئة بالخيرات تتناهشها الذئاب، وليس لأهلها في خيراتها نصيب سوى الاسم والمعنى!! فشعب يعاني من مشاكل في الخدمات، ويفتقر للكثير من مقومات الحياة الكريمة في بلد يعم الفساد المالي والإداري ربوع مؤسساته!

أرقام وإحصائيات رسمية وغير رسمية، صحفية وأخرى استقصائية، تكشف بين الحين والآخر حجم السرقة الكبيرة لخيرات هذا البلد، والتي يشترك فيها أطراف عديدة من مختلف الأماكن والمناطق والاتجاهات، سواء في داخل البلد أو خارجه، ومنذ السنين الأولى لذلك الغزو الأمريكي للبلاد والعراق ينهب ويسرق كل يوم! وتذهب خيراته جراء الحروب ونتيجة للاستراتيجيات الدولية الرامية لتنظيم سرقة خيراته!

في وقت تقدر فيه ميزانية العراق قبيل الاحتلال بسنين بأقل من عشرة مليارات دولار، تكون هذه الميزانية بعد عقد من الزمن بأكثر من مئة وخمسين مليار دولار! تضخم كبير في الميزانية يحاذيه تقصير كبير في توفير الخدمات لسكان هذا البلد، فلو وزعت ربع هذه الميزانية على بلدان فقيرة لأغنتهم لسنين! ومع هذه الميزانية الكبيرة بأرقامها يبقى العراق هو العراق؛ مدمر اقتصاديًّا، ويفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ولا تتوفر فيه مقومات العيش البسيط.
الكثير من المتابعين للأحداث التي وافقت الحرب واستمرت معه؛ يعرف جيدًا أن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لم تكن رامية لتحريره! أو لجلب الديمقراطية له! بل هي أطماعهم في خيرات هذا البلد، ولن تحصل عليه إلا بدمار مجتمعه وتفكيك أواصره! وتكشف الوثائق بين الحين والآخر مجريات سرقات للنفط العراقي، والذي يعد شريان الحياة العراقية من قبل شركات أجنبية وصفقات عالمية، تتعد أشكال السرقة فمنها المنظم، ومنها ما هو ظاهر للعيان بأنه سرقة، وتجتمع الآليتان لدمار البلد وسرقة خيرات أبنائه!

شركات لها من اسمها نصيب ومعنى كبير في الدلالة على وجودها على الأرض العراقية للاستثمار تارة، وللتنقيب تارة أخرى فتجدها تارة بريطانيا وتارة أمريكية، وأخرى ساهمت بلدانها في تدمير وغزو العراق! نفط عراقي يستخرج ويباع لأطراف معينة ويسرق منه المحتل كما يشاء بطرق متعددة وبآليات مختلفة في مشهد لم يعد يخفى على أحد.

ما يسلم منه النفط من سرقة منظمة بموافقة الأطراف هنا أو هناك يسرق بطريقة أخرى أيضًا! فعمليات التهريب ما تزال قائمة منذ الأيام الأولى لتلك الحرب، تهريب ساهم فيه الكثير من القائمين على إدارة أمور وتوزيع هذا المنتج، إضافة إلى دور الأحزاب والمليشيات في ذات الهدف.

إذن يدمر البلد حربيًّا، ويسرق اقتصاديًّا، فتذهب خيراته أدراج الرياح! ويبقى السؤال؛ من سرق البلد؟ من دمر خيراته! من ومن؟ يجيبك صدى صوتك هذه المرة بأن كل هذا التخريب والتدمير هو تدمير خارجي ساهم فيه الكثير داخليًّا ومن أبناء هذا البلد، فوسط ظروف أمنية بالغة في التعقيد وإجراءات مشددة في الأحياء السكنية والمناطق المختلفة يسرق النفط على بعد أميال دون رقيب أو محاسب لهم عما يفعلوه!

من دمر المجتمع والشباب؟

يختلف البعض على نية غزو أمريكا للعراق، ويتفق الجميع هنا إن الغزو الأمريكي خلف دمارًا شاملًا في شبابه من ناحية الأخلاق والتصرفات، وأيضًا دمارًا شاملًا في المنظومة العلمية والتربوية، فتحطيم الأخلاق والمبادئ والقيم في الشعب العراقي كانت هي من أولويات عملية الغزو الأمريكي لهذا البلد العربي، فبعيدًا عن أسلوب التجميل والمسكنات إن ما يمر فيه بعض شباب العراق اليوم هو انحلال كامل في الأخلاق، وتخلي كامل عن تاريخ الآباء والأجداد.

لم يكن اختلال أخلاق بعض الشباب وتخليهم عن قيمهم الاجتماعية ومبادئهم الأصيلة أمرًا مفاجئًا، بل هو أمر طبيعي ونتيجة مرتقبة من نتائج الغزو الهمجي لهذا البلد العربي، لكن وعندما تنظر وتستعيد محطات التاريخ وما شهده العراق خلال هذا الغزو، ستندهش لسرعة التغير الذي حصل على بعض شباب العراق، وسرعة تخليهم عن الأخلاق والمبادئ والقيم الاجتماعية، كل هذه الأمور والتطورات ساهمت فيها أمريكا والحكومة التي شكلت على أثرها في ذلك الوقت.

المجتمع العراقي

يعرف العراق بأنه صاحب المجتمع الرائع تاريخيًّا، فإنه وبكثرة أفراده في مجتمع كبير وفريد من نوعه، في تفاصيل هذا المجتمع تشكل مجتمعات متفرعة في مجتمع واحد كبير، فيتفرع المجتمع العراقي لفروع عديدة وتتنوع الثقافات فيه حسب المنطقة أو المحلة أو القرية الصغيرة على شاطئ النهر، وتختلف المسميات بين هذه الثقافات المتعددة لهذا المجتمع الكبير، يحدث الأجداد أبناءهم عن تاريخ هذا المجتمع، وكيف كان يتعامل مع الشخص الغريب الذي يدخل في حدود هذه المنطقة أو تلك، وكيف كان يسأله أهلها عنه وعن تفاصيله، وكيف كان يسألونه عن سبب دخوله، وعن وقت خروجه، وكيف كان هذا المجتمع يقوم بواجب الضيافة لهذا الغريب ومساعدته في كل ما يطلب، وتوفير الراحة اللازمة لحين إكمال حاجته، وكيف كان هذا المجتمع يحيي أفراحه ويقيم أحزانه بروح من الإخوة والصفاء، حق الجار على كل من يجاوره بصورة مختلفة في هذا المجتمع؛ فأهالي الحي أو أهالي الفرع يتساعدون فيما بينهم في مختلف شؤون الحياة.

 
لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، فالمجتمع العراقي وفي مختلف شؤون الحياة تربطه تقاليد قائمة على روح التآلف والتآزر بين أطرافه، فقوة الإنسان بمجتمعه الذي يحتويه ويحتوي عاداته وتقاليده، ولا بد للإنسان أن يبني ثقته بمجتمعه للعبور إلى مستقبل أكثر إشراقًا، تتكون اليوم في ذهن بعض العراقيين البسطاء صورة ذهنية يعبرون فيها عن مجتمعهم ويصفونه بأنه مجتمع ضعيف، ويعاني من انحلال بنيته الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، هذه الصورة هي من مخلفات الاحتلال الأمريكي أيضًا، فهو من زعزع الثقة بين المجتمع العراقي وإنسانه، وأصبح العراقي ينظر إلى مجتمعه الذي يعيش فيه على أنه مجتمع مفكك، ومجتمع عاجز، وهو مجتمع لا يعبر عن طموحاته وتطلعاته المستقبلية.

وينظر البعض لهذا المجتمع ويقولون في تفاصيل كلامهم عن هذا المجتمع: “المجتمع العراقي يسير نحو الهالكة بسبب قياداته وأقطابه التي هي في أغلب الأحيان تكون قيادات دينية، إضافة لقادة سياسيين وعدوا الشعب بالإصلاح وعملوا عكس ما وعدوه، كل هذا قاد العراقيين إلى مجتمع طائفي وعنصري في أغلب فروعه، ليس هذا فحسب، فهناك من قاد العراق وحطم روح المواطنة في هذا المجتمع وأبعدها عن روح التعايش المشترك كأفراد في مجتمع له دولة”.
الأسرة العراقية

تعرف الأسرة العراقية بأنها أسرة محافظة ومتماسكة وتخرج أبناءها على تربية سليمة وصحيحة، وتهتم الأسرة العراقية بأبنائها وبناتها وتعطي جل عمرها للحفاظ على سلوكياتهم وأخلاقهم وتحافظ عليهم، وبكل ما أوتيت من قوة للحفاظ عليهم من الانحراف والانجراف نحو الأفكار الخاطئة، أثمرت هذه العناية وهذا الاهتمام البليغ ولزمن طويل عن إنشاء أجيال متعددة تعمل لخدمة المجتمع العراقي وتحفظ قيمه ومبادئه الأصيلة.

لكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق تغير الحال كثيرًا، وساءت أحوال كل شيء وصولًا إلى بعض الأسر العراقية البسيطة، وأصبحت الأواصر والقيم الأسرية فيها واحترام الأب والأم واتخاذهما قدوة في كل أمور الحياة ضربًا من ضروب الخيال، وأمرًا يصفه بعض المتحضرين بأنه تخلف لو اتخذت من والديك قدوة في مجتمع للوالدين فيه أهمية بالغة وكبيرة، فلسبب أو لآخر يرفض بعض الأبناء وفي وقتنا هذا تصرفًا لآبائهم وآخر لأمهاتهم ولا يحاولون أن يلبوا لهم طلباتهم.

ويعتبر السمع والطاعة للوالدين أحيانًا عبئًا كبيرًا على عاتقهم لو أنهم عملوا به، كل هذا التطور المخيف حدث في الأسرة العراقية بعد أن فتح الاحتلال كل أمور الانحلال الأخلاقي، وعلى مختلف تنوعاتها من بث هابط في التلفاز ومن استخدام مفرط للإنترنت، وصولًا إلى الاستخدام الغريب من بعض الشباب للأجهزة الجوالة والمتنقلة “الموبايل”، ليست التقنية هي الخلل، وليس أجهزة الاتصال وإمكانياتها هي السبب في سوء الأحوال في بعض الأسر العراقية، ولكن عندما يتحول الأمر من وسائل تقنية إلى وباء فتاك يفتك بمجتمع محافظ وأسر عراقية رائعة، باستخدام شتى السبل لتحطيم أخلاق الشباب من بث برامج وأفلام خليعة في التلفاز، ومن استخدام مفرط للإنترنت وللجوال، وبتوفير خدمات لا تخدم العادات والتقاليد الشرعية للأسرة العراقية، ومما نتج عنه هو خطوة غير مسئولة من بعض الشاب العراقي في استخدام خاطئ لجميع وسائل التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي.

في بعض الأسر العراقية ينشغل الأب والأم بتوفير حياة آمنة، وتوفير العيش الرغيد لأبنائهم وبناتهم في ظل مختلف الصعوبات التي يمرون بها، وينشغل الأبناء في الطرف الآخر ويجتهدون في متابعة المحطات التلفزيونية الهابطة خلقيًّا وأخلاقيًّا، ويصل الأمر ببعض الشباب للتخلي عن أخلاقهم ومبادئهم وتبادل مقاطع الفيديو والصور المخلة بالأخلاق والشريعة والشرف، ويستخدمونها في هواتفهم النقالة.

وليس ببعيد عن أجهزة الموبايل وفساد استخدامها من قبل البعض يكون الإنترنت أيضًا طرفًا آخر في تحطيم أخلاق الشباب ومبادئهم، ويساهم الإنترنت في تخريب وتلويث بعض أفكار الشباب العراقي، كل هذا وغيره ساهم في تحطيم الالتزام الأخلاقي في بعض الأسر العراقية، وبدأ بعض الآباء والأمهات بالتذمر من تصرفات أولادهم وبناتهم غير المسئولة، وتناولهم لعبارات بذيئة أثناء التكلم معهم في قضية معينة!

تسوء الأحوال في بعض الأسر العراقية يومًا بعد يوم، ويصل الحال بالتفكك الأسري لبعضها وفقدان أواصر العائلة الاجتماعية إلى حالة جريمة قتل في بعض العوائل العراقية لأسباب تافهة، يتفق جميع العراقيين وفي جميع نقاشتهم حول التفكك الأسري لهذه الأسر بأن السبب الرئيسي لكل هذا التدهور هو الاحتلال الأمريكي لبلدهم.
تبقى الأسرة العراقية والمجتمع العراقي وبكل ما تعرض له العراق من ويلات الحرب ومفاسدها شيئًا مختلفًا، فالعراق بلد يحب الإصلاح وتتصالح كل الاطراف في هذا المجتمع على المبادئ والقيم الصحيحة وإن تأخر الوقت لأيام وسنين.

قراءة في حال المطلقات ومخلفات الغزو

تختلف وتتنوع مآسي الاحتلال الأمريكي للعراق، وصولًا إلى الدمار الشامل في الأسر العراقية، في هذه الأسر ترتفع نسبة الطلاق وتتنوع أسبابها، نسب الطلاق ترتفع بصورة غير مسبوقة إذ أن من بين أربع حالات زواج تنتهي ثلاثة منها إلى طلاق حسب تقارير منظمات المجتمع المدني، وزارة الصحة العراقية وفي إحصائية لها تؤكد إن نسبة الطلاق ارتفعت بنسبة ٢٠٠%، بينما لم ترتفع نسبة الزواج من بدء الاحتلال الأمريكي وحتى ٢٠٠٦ إلى ٥٠%.

المجتمع العراقي حاله كحال المجتمعات العربية الأخرى هو بطبيعته ينظر نظرة مختلفة للمرأة المطلقة، تتسم هذه النظرة بالسلبية وصعوبة دمجها في المجتمع، تتفاقم المشكلة يومًا بعد آخر في مجتمع ترتفع فيه نسبة الإناث مقابل نسبة الذكور بشكل مخيف، وحسب إحصائيات وزارة التخطيط فإن الإناث يشكلن نسبة ٦٨%، مقابل نسبة من الذكور تقدر بـ٣٢%، هذه الحالة من عدم التوازن في المجتمع العراقي تزيد من مشكلة المطلقات، وتجعل الفساد الأخلاقي يشيع بين شبابه وبناته.

أبناء المطلقات وجه آخر من المشكلة، وهم ضحية كبيرة لهذه الحالات المخيفة من حالات الطلاق، هؤلاء الأبناء ونسبة كبيرة منهم سيكونون جيلًا مفككًا لا يؤمن بالترابط الاجتماعي، هؤلاء الأبناء إن لم يحتويهم أعمامهم وأخوالهم أو أحد أقربائهم سيكون الشارع مرتعًا لهم، وستكون أخلاقهم أشد انحرافًا وتعرضًا للخطر. الذي يمر به الشارع العراقي هو استغلال بشع من قبل بعض العصابات والسماسرة يتعرض له أولاد المطلقات والأرامل، والذين هم أعمارهم دون عمر 15 سنة.

أسباب الطلاق وارتفاع نسبته مقارنة بالزواج وقلة الإقبال عليه من قبل الشباب العراقي هو بسبب تعرض المجتمع العراقي لهزات خطيرة في عاداته وتقاليده، وصولًا إلى منظومته القيمة والأخلاقية، هذه الهزات ولقوتها تركت آثارًا لن تعالج بسهولة في نظامها السلوكي، ولا سيما على صعيد الأفراد.

تتنوع أسباب الطلاق وتكثر لأسباب خطيرة، والأشد خطورة هي المخدرات وبيوت “الدعارة” والنوادي الليلة التي انتشرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وما نجم عنها من اختلال في منظومة القيم والأخلاق لدى بعض الشباب العراقي، ناهيك عن الأمراض التي تفتك ببعض الشباب بسبب النوادي الليلة وبيوت الدعارة، “مرض الإيدز” مثلًا والذي ينجم عن الانحراف الأخلاقي، وغيره من الأمراض التي تفتك بالشباب يومًا بعد يوم.

من المشاكل الأخرى التي جعلت نسب الطلاق مرتفعة ونسب الزواج منخفضة في المجتمع العراقي هي كثرة البطالة وشيوعها في أفراد المجتمع العراقي، وصعوبة العثور على عمل شريف يؤمن لقمة العيش، وانعدام شبه كامل للخدمات الضرورية للمواطن العراقي، وتردي الحالة الأمنية في أغلب المناطق العراقية، إضافة إلى التحول غير المسبوق في طبيعة المجتمع العراقي من ناحية سلوكياته وعاداته؛ كل هذه الأسباب والمشاكل جعلت نسب الطلاق ترتفع ارتفاعًا كبيرًا، ونسب الزواج السليم تنخفض انخفاضًا كبيرًا.

حال بعض المطلقات وأبنائهن في العراق ببساطة صعب ومرعب، هذا الحال وبدرجة كبيرة ساهم الاحتلال في جعله أكثر صعوبة وأشد خطرًا على المجتمع والأسرة العراقية، ولكن هذه الخطورة والصعوبة يمكن معالجتها وحلها في بلاد الرافدين بالنظر لما يملكه العراق من ثروات مادية وموارد طبيعية وطاقة بشرية هائلة، ويتمنى الجميع هنا أن تساهم الدولة العراقية بإيجاد طرق مناسبة وحلول جادة في حل هذه المشكلة الصعبة في مجتمع كبير وفي بلد عريق.

من دمر المنظومة العلمية والتربوية؟

العراق يمتلك منظومة تعليمية رائعة وكبيرة بطاقمها التدريسي الأكثر قوة من ناحية العلم والثقافة في العالم العربي، ففي مدارسه ومعاهده وجامعاته أساتذة ومدرسين حصلوا على أعلى المراتب الدراسية، وفي الجامعات العراقية تجد عقولًا عبقرية من أستاذ جامعي، ودكتور وبروفسور وعلى مختلف الاختصاصات، هذه العقول العبقرية منها من سافر خارج العراق حفاظًا لنفسه ولأهله، ومنهم من بقي شمعة تنير العراق وجامعاته. كل هذه العوامل جعلت الطالب الجامعي في العراق، وعندما يتخرج من جامعته ومن أي اختصاص كان سيصبح عنصرًا رائعًا علميًّا وعمليًّا في شتى جوانب الحياة.

خلال السنين الماضية تخرج من الجامعات العراقية أصناف مختلفة من خريجين قادرين على بناء عالم رائع، وبكل ما تعنيه الكلمة من معاني، ولكن بدأ الأمر بالتدهور تدريجيًّا بسبب مخلفات الغزو الأمريكي للعراق.

خلال السنين الـ12 الماضية، وبعد الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين، وتحطيم بعض العادات والتقاليد في المجتمع العراقي، والتأثير السلبي لأخلاق بعض الشباب العراقي، وانتشار لثقافات لا أخلاقية في بعض شباب الجيل الجديد، أكثر من يعاني من كل هذه المشاكل هم المعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات، فبمجرد أنك تجلس ولدقائق معدودة وتفتح النقاش حول واقع الطلبة في المدارس أو الجامعات مع معلم أو مدرس أو أستاذ جامعي فستبني في مخيلتك صورة قاتمة لما وصل إليه الانهيار في منظومة القيم والمبادئ لبعض الطلبة والشباب.

تجاوز التلميذ على معلمه، والطالب على أستاذه ومدرسه، وعلى مختلف المستويات التربوية والتعليمية في المدارس والجامعات العراقية أصبح أمرًا عاديًا ومألوفًا لدى الكثير من بعض الطلبة والشباب، تتعد أساليب التجاوز وتبدأ بعدم الاحترام وباستخدام أسوأ العبارات أثناء التكلم أو المناقشة حول قضية معينة، ويصل الحال إلى ضرب المعلم أو الأستاذ أمام أنظار الناس، وهناك من الأساتذة من يهدد بالقتل لسبب أو لآخر، وهناك من يفجر بيته لسبب في التعامل، ولسوء الفهم أحيانًا يرتكب الطالب أفظع الجرائم بحق معلمه وأستاذه، سل من شئت من طلبة المدارس أو المعاهد أو الجامعات فسيحدثك دون أدنى شك عن حالات كثيرة لعمليات اعتداء مخيفة تعرض لها معلمين ومدرسين وأساتذة جامعيين، وهم يتعرضون وباستمرار لشتى الاعتداءات دون أن يحاول أحد تغيير هذا الواقع المرير.

تمر عمليات الاعتداء وتزداد يومًا بعد يوم، ولا يحرك المعلم أو الأستاذ ساكنًا، لأنه لو فكر في أن يرد على الاعتداء بصورة قانونية تكفل له حقه في الدفاع عن نفسه، فإن ثمن رده سيكون حياته أو حياة أحد أفراد أسرته.
تستمر الفوضى لتعم كل أرجاء المنظومة التعليمية في العراق، وتبلغ الفوضى ذروتها في غش بعض الطلبة في امتحاناتهم، فالغش أصبح أمرًا طبيعيًّا لبعض طلبة المدارس والمعاهد والجامعات العراقية، ويصل الحال ببعض الطلبة بأنه يدخل إلى قاعة الامتحان وكل اعتماده على الغش والمواد التي ستساعده في الامتحانات من تصغير للمناهج وأمور كثيرة أصبح الطلاب يتفننون في استخدامها وتطبيقها في أمور دراستهم، بعيدًا عن الدراسة والتحضير اليومي يجد الطالب في الغش سهولة في الاستخدام وخطوة سهلة تدفعه للأمام في مستقبل يعتبره أفضل.

لا يقتصر الغش على الطالب فقط، ويصل الغش في المنظومة التعليمية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي إلى الأستاذ والمدرس نفسه؛ فيقوم بعض المدرسين والأساتذة الجامعيين وعلى اختلاف مدارسهم وجامعاتهم بتسريب الأسئلة الامتحانية مقابل ثمن، واقع تسريب الأسئلة من قبل المدرسين والأساتذة الجامعين واقع مؤلم لمنظومة تعليمية عريقة وكبيرة جدًا!

أصبح التعليم في العراق وفي بعض مدارسه ومعاهده وجامعاته عملية غش ممنهجة، وكبيرة في أغلب مراحله ومحطاته، ينتج من خلال عملية الغش جيل فاشل يهدم ولا يبني، ولا يعرف أبسط واجباته في العمل المؤسساتي أو العمل الحرفي. ويأمل الجميع هنا بتغيير الحال إلى ما هو أفضل بعيدًا عن الغش والعنف ضد التدريسيين، ويأمل التدريسيون هنا في واقع أفضل لكي يستطيع المدرس والأستاذ الجامعي إيصال أفكاره وأهدافه.

مَن غير مبدأ الجيش؟ فأثر في ولائه!

المؤسسة العسكرية العراقية، هذه المؤسسة العراقية المليئة بالتضحيات والإنجازات على مستوى العالم بصورة عامة، وعلى المستوى العربي بوجه الخصوص، كانت هدفًا رئيسيًّا للدمار من قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، لم ترتضَ أمريكا بتدمير معداتها وتحطيم كل ما تملكه هذه المؤسسة من معدات فحسب، ولكن قامت بتفكيك هذه المؤسسة التي يعود تاريخها إلى عشرينيات القرن الماضي.

حينما تتصفح التاريخ بعد عام 2003، عام الغزو الأمريكي للعراق، وتتطلع على محطات هذا الجيش والمراحل الصعبة التي تعرض لها وساهمت في التأثير على محتواه وعلى مبادئه وقوانينه، تجد أمورًا كثيرة وعوامل خطيرة من ضمنها؛ خضوع البلاد للاحتلال الأمريكي الذي تحكم بالعراق وحكمه بطريقته الخاصة، وحل المؤسسة العسكرية والاستغناء عن أكثر من ثمانين سنة من التراكم في الخبرة العسكرية والقتالية والتنظيمية والفنية، والتدهور السريع الذي حصل على الساحة العراقية بسبب إجراء حل الجيش العراقي السابق الذي لم يكن في حسابات من تعصب وتسرع في حل هذه المؤسسة العريقة، ولم يقرأ عن تاريخها شيئًا.

واعتماد نسبة الكمية على حساب النوعية في بناء الجيش العراقي الجديد, والرشوة والفساد الإداري في قبول المتطوعين، والتغاضي عن الشروط الصحيحة من ناحية الصحة والسلامة البدنية والكفاءة العقلية والعلمية وغيرها من شروط القبول في المؤسسة العسكرية، وتكليف القوات المسلحة بواجبات أمن داخلي منذ اثني عشر عامًا وإلى يومنا هذا، أضعف الروح المعنوية والاستعداد القتالي بسبب انعدام التدريب، وانعدام الرؤية الاستراتيجية للبناء العسكري الجديد الذي انعكس سلبيًّا على عملية التسليح والتجهيز، ومن أكثر المخاطر المحدقة بمهنية القوات المسلحة وحياديتها هي قضية التسييس ومسألة الولاء لهذه القوات.
بصورة عامة كثيرة هي النقاط التي كانت سببًا في تحولات الجيش والمؤسسة العسكرية إن أردت أن تغوص في عمقها، ولكن سيكون التفصيل عن مسألة تشكيل القوات العسكرية في الجيش العراقي سابقًا وحديثًا والتغير الناجم عنها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

الجيش العراقي السابق مقارنة مع الجيش الحالي، يصعب عليك إن حاولت أن تقارن بين الجيشين لعدة أمور، حيث لا وجه للمقارنة ولا تشابه في قوانين العسكرية العراقية قديمًا وحديثًا! ببساطة لا يمكنك أن تقارن بين جيش كان مبدأه التطوع والإلزامي بالانضمام له كواجب شرعي ووطني في دستور البلاد.

ومهما كان عمرك واختصاصك العملي وتحصيلك العلمي سيكون لك مكان في جيش تعددت فيه المسميات، وإن كنت عقلًا عبقريًّا يندر وجودك فهناك مكان يحترمك ويقدرك وهو “التصنيع العسكري”، سابقًا وبعيدًا عن طبيعة الحكم والسياسة حينها كان الجيش العراقي وبصعوبة أحواله المعيشية وظروفه القاسية جيشًا كبيرًا وقويًّا وصل عدد جنوده إلى مليون جندي عراقي، كلهم جنود متطوعون إجباريًّا بدون أي مقابل مادي أو مرتب شهري، وبين جيش يكون نظام الانضمام إليه عن طريق “هل تبحث عن وظيفة؟” أو “لدينا وظائف شاغرة” أو “إمكانيات بسيطة ولم توفق في الحصول على وظيفة في دوائر الدولة الأخرى”، بهذه الأمور وإن كنت ذا قوة وعزيمة سيكون التحاقك بالجيش العراقي الحالي ضمن تطوع بخطوات وعمليات رسمية، وسيكون انضمامك لهذا الجيش وفق مرتب شهري، لا يهم إن كنت دارسًا أو متعلمًا، والمهم أن تكون ذا خبرة في أمور الحرب والقتال، ليس من المهم أن تكون عبقريًّا لكي تدخل الجيش.
المشكلة لا تكمن في أنك حصلت على مرتب شهري أم لم تحصل عليه بسبب دخولك له، ولكن بطبيعة الحال عندما يكون الجندي قد التحق بالجيش إجباريًّا ويتدرب على فنون القتال والمعارك بشكل متناوب، يتناوب عليه جميع العراقيين، يكون هذا الحال أفضل مما هو عليه حاليًا، بحيث يكون الجيش العراقي بمرتب ووظيفة رسمية يؤدي الجندي واجبه دون الاهتمام إلى عمله ومستقبل بلده من حماية ودفاع.

قديمًا كان الشاب العراقي ذا قوة وبأس شديدين، وكان الشاب حينها وعندما يقضي فترة التجنيد الإجباري في الثكنات العسكرية ويخرج منها بعد سنة أو سنتين أو أكثر بقليل يكون قويًّا ومتعلمًا في فنون القتال، ويعرف كيف يضبط بندقيته ومعداته العسكرية، ويستطيع أن يعمل أعمال مختلفة في فنون الدفاع عن النفس عندما تكون قد نفذت هذه المعدات كالقتال بالسلاح الأبيض وفنون الكاراتيه، ويتعلم الجندي في ذلك الجيش كيف يهرب في حالة خسران الجيش في معركة ما.

حاليًا تقتصر معرفة بعض الشباب العراقي، وبعد تفكك هذا الجيش التطوعي الإجباري، على معرفة بسيطة جدًا وضحلة، بحيث يقتصر الأمر على مشاهدته للسلاح عبر التلفاز في مسلسلات تروج للحرب وللكراهية وللعصابات، أو عبر تدريب بسيط يعتبره البعض ضروريًّا لحماية النفس وللدفاع عن أهله، ومهما أراد أن يتدرب لن تصل معلوماته لدرجة الخبرة ولدرجة المقاتل الشجاع الذي يعرف حق وحقوق معداته العسكرية وطرق استخدامها!

بغض النظر عن طبيعة الجيش العراقي السابق والحالي وسياقات تشكليهما، يمر الجيش العراقي حاليًا بمرحلة هي الأسوأ في تاريخه إن صح التعبير، إذ أصبح عبارة عن مجموعات وميليشيات ولائها لجهات دينية ومنطقية وإقليمية بحتة.

مَن عبث بالدين وقصة التعايش؟

يعرف المجتمع العراقي بأنه مجتمع تطفو عليه الصفة والثقافة الإسلامية الجميلة والرائعة، يمثل هذه المجتمع بطوائف عدة وأبرزها طائفتان كبيرتان في مجتمع واحد هما “السنة والشيعة”، وعلى مر السنين والعقود الماضية لم يعرف أحد من العراقيين معنى الطائفية المقيتة، وكان الجميع يعيش في أمن وسلام في دولة واحدة ومكان واحد يحتوي على جميع الثقافات والعقائد.

يمتد التعايش السلمي بين الطوائف العراقية لزمن بعيد، شعب لا يعرف للطائفية أبسط معانيها إلا من زمن قريب! وتحديدًا بعد الاحتلال الأمريكي الذي لم يترك شيئًا إلا ودمره وساهم في تخريب منظومته الرئيسية، هذا الاحتلال وبتدخل مباشر منه وبمساهمة كبيرة من دول الجوار دمر ولدرجة كبيرة ثقافة الشعب العراقي في التعايش السلمي والمشترك بين طائفة وأخرى، وبين عقيدة وأخرى.

عندما تريد أن تضع النقاط على الحروف، وعندما تريد أن تعرف الأسباب التي هي وراء كل حرب طائفية وأهلية حدثت في السابق، فستجد أن السبب الرئيسي في هذه الحروب هي الولايات المتحدة الأمريكية، إذ هي التي خططت لكل شيء يفكك أواصر المجتمع العراقي الكبير، وتجد أيضًا أن التغلغل العربي والإيراني في العراق هو أكثر المدمرين لهذا التعايش السلمي وأبرز واقدي نار الفتنة، والساعين وراء كل حرب حدثت سواء حدث ذلك منهم بقصد أو بغير قصد، إضافة إلى أن بعض المتشددين والمتعصبين في الدين اعتلوا مناصب سياسية وحكومية كبيرة؛ مما أدى إلى انتشار التعصب والتفنن فيه في بعض المناطق الحساسة والخطرة على التعايش السلمي.

عندما يكون الدين لعبة في يد بعض الشباب والفتية، ولبعض الساسة والمتشددين، ويسفك الدم العراقي على فتوى من هنا أو من هناك واقع مرير يمر به الشعب العراقي منذ سنين الاحتلال الأولى، ساهم في هذا الواقع المرير الاحتلال الأمريكي ودول الجوار العراقي في حرب ممنهجة تستهدف الإنسان العراقي وعقوله وطاقاته.

لم يعش العراق حربًا طائفية وأهليه كما عاشها في عامي 2006 و2007، لأسباب كثيرة كانت هذه الحرب أكثر دموية بين أبناء الشعب الواحد التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء، ومن جميع الأطراف والمعتقدات، تلك الحرب لم تكن شرسة ودموية بصورة كبيرة بسبب الدين والمعتقد والتعايش على مختلف الانتماءات فيما بينها، ولكن بسبب الفتنة التي أشعلها العدو والمحتل الأمريكي في أبناء الشعب العراق الواحد الذي لم يعرف الطائفية بهذه الصورة المعقدة، إلا بعد دخول المحتل في مناطقه.

إن من أعظم النتائج المأساوية التي تعرض لها الشعب العراقي بعد الاحتلال الأمريكي هو انتشار كبير للكثير من العقائد والطوائف التي ساهمت وبشكل كبير في تخريب أواصر المجتمع العراقي، هذه العقائد والملل الكثيرة التي هي بدورها ساهمت وبشكل كبير جدًا في الفرز الطائفي وبصورة بشعة ومروعة، ففي بعض العقائد والملل يتخذ قانون رئيسي للعمل وهو “إن لم تكن معي فأنت ضدي”، هذا الواقع المرير الذي ساهم الاحتلال الأمريكي بطريقة أو بأخرى في نشره في ثقافات المجتمع العراقي كانت نتائجه وخيمة وكبيرة وعلى مختلف المستويات في شعب كان يعيش لمئات السنين في منظومة العيش المشترك بين طوائفه وقومياته المختلفة.

إذا أردت أن تحصي الطوائف وأن تعدها في المكونين الرئيسيين للشعب العراقي “سنته وشيعته”، سترى أصنافًا وأشكالًا من العقائد والملل الذي اجتهد بعضها في تكفير البعض الآخر، واقع ابتعد كثيرًا عن المناهج للمذاهب الأربعة المتبعة، والتي تأتي ترتيبًا بعد القرآن الكريم وسنة نبيه، وتكون مكملة للدين الإسلامي على أكمل وجهة، وإن أردت التعمق في طوائف فستجد أصنافًا كثيرة ومواقف أكثر يتوجع القلب وينفطر عندما يخوص بعمق تفاصيلها.

يتخوف العراقيون وينتبهون لما هو قادم لمستقبل حياتهم من بداية لحرب طائفية أخرى بعد أن تحول مجرى الاعتصام السلمي في بعض مناطقه إلى أشبه بروح الطائفية أكثر من روح الوطنية، هذه الروح ليست في أرض الاعتصام فقط، بل تجدها وبدقتها العالية في مناطق عراقية أخرى، يكون المعتقد والمذهب هو الحاكم، حيث لا ينفع الوطن والخطابات الوطنية في تلك المناطق التي شهدت يومًا ما حربًا طائفية عشواء يصعب وصفها، ويتعوذ العراقيون من أن تعود كما كانت، هذه الحرب وإن وقعت “لا سمح الله لها أن تقع” فستدار وستدق طبولها بأيدي إقليمية خبيثة، وليس للعراقيين أي دور فيها سوى أن يعدوا الضحايا كما حصل في الأعوام الماضية.

بعيدًا عن الأمنيات والتوقعات لا أحد يحب الحرب، ولا يوجد دين يحث عليها، ولكن أمر الله عباده بالدفاع عن النفس وحذرهم من الاعتداء على غيرهم طالما كان الجميع في تعايش سلمي، وكما هو معروف للحرب شروط، وكما أن للدفاع عن النفس شروطًا أخرى لا كما يعتبره البعض هنا بأن “الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع!”.

هذا القانون هو رياضي بروح رياضية يتقبله اللاعبون فيما بينهم، لا في الدين ولا في القتال يمكن أن تستخدمه، يزعجني أحدهم عندما ناقشته، وقال لي هذا القانون صُدمت لشدة عدوانيته، ولكن عسى الله أن يهديه ويهدي جميع أقرانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد