مام جلال في ذاكرة العراق
جلال الطالباني أو مام جلال كما يلقبه الكثير من الكورد أو أنصاره ومن المحبين وهم في الحقيقة كثر. تميز مام جلال بحنكته ودبلوماسيته المتميزة والتي مبنية على أساس التسامح حتى مع أعدائه وخصومه والبعد عن المصادمات بين أفراد الشعب. والجدير بالذكر هو عدم الموافقة وعدم توقيع عقوبة الإعدام على الرئيس الأسبق صدام حسين وهو من أشد خصومه. والحقيقة أن مام جلال وخلال فتراته الرئاسية استطاع خلق توازن دولي وإقليمي وسياسة واضحة وشفافة. خاصة وفي ظل تلك الظروف الصعبة التي كان يعيشها العراق في سنوات 2006 و2007 من حرب طائفية وتدخلات إقليمية.

فقد كان العراق قد بدأ في بناء علاقة محترمة مع دول الجوار وخاصة الخليج العربي. ومن خلال رحلاته إلى أوروبا ولقائه بكثير من زعماء وساسة الدول الأوربيين، بدأت أوروبا بإعادة الثقة بالعراق من جديد وتكلل ذلك بعقد صفقة السلاح مع ألمانيا، والتي كان عرابها الرئيس مام جلال بعد ما رفضت معظم الدول مساعدة العراق ومدها بالسلاح كي تواجه الإرهاب في حربها المفتوحة مع القاعدة وأخواتها في تلك الفترة. وكانت تلك، أي صفقة السلاح، أولى الخطوات التي قام بها مام جلال لإرجاع العراق إلى المجتمع الدولي مرة أخرى.
وفي خصوص الشأن الداخلي فقد كان مام جلال ضد الطائفية، وقد عمل على منع الكثير من الخروقات التي كانت تزيد من المشاحنات بين طوائف الشعب. فقد كان أول زعيم يلتقي بكبار العشائر العراقية في كركوك وحزام تكريت والتي كانت معروفة بولائهم إلى النظام السابق. بادر مام جلال إليهم وكان هو الضامن الوحيد لهم من أي اعتداء بغرض الانتقام أو التشفي. وهو بهذا الشكل منع كركوك المعروفة بتعددها المذهبي من رمال الحرب الطائفية المتحركة، والتي كانت تحرق أكثر مدن العراق وخاصة الغربية منها. وأن أمريكا كانت ترى في شخص الرئيس العراقي مام جلال صمام الأمان، والذي من خلاله تخلص العراق العراق من الكثير من المشاكل والتي كانت قد تدخل البلد نفقًا مريعًا وحربًا لا طائل منها سوى الخراب.

وأن من الواضح والذي لا يختلف عليه اثنان، إن وجود مام جلال كان التوازن الحقيقي الذي منع دخول العراق في معسكر ما ضد معسكر آخر. ورغم الظروف الصعبة التي كانت خلال فترة رئاسته إلا أنه استطاع خلق توازن في علاقته الخارجية مع أمريكا وإيران، وكانت كلتا الدولتان تكن له كل الاحترام ولم تتدخل بصورة مباشرة في شؤون العراق. ولم يكن للعراق بأن يضغط عليه من طرف على حساب الطرف الآخر.
فسياسة مام جلال كانت واضحة وهي الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. فالجميع أصدقاؤنا والعراق بلد للأصدقاء فقط. هذه كانت سياسة مام جلال وهو أراد للعراق بأن تكون نموذجًا لدول عدم الانحياز إبان الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، لأنه يعلم أن الشرق الأوسط منطقة صعبة، وإذا ما اختار العراق التحييد أو مجاراة طرف ما سوف يقع في المحظور ولا أمل للخروج منها.

الذى قرر إبقاء الاحترام للجميع مع التركيز على بناء العراق من الداخل ومنع أي مشاحنات طائفية أو قومية بين أبناء الشعب، ولا ريب في ذلك فهو كان يريد أن يرسل رسالته لأبناء الشعب بأن العراق الجديد هو عراق خال من العنصرية. فقد كان يطلق النكات على نفسه بغرض أن يفهم الناس أن الديمقراطية هي حكم الشعب وليس القائد الأوحد.

حيث إن زمن الرئيس الواحد ذي السيف الواحد قد انتهى وحان وقت للعراق بالتطور الفكري قبل كل شيء والتقدم كي تصبح في صفوف الدول المتقدمة. لكن بعد رحيل هذا القائد دخل العراق في ما كان يحذر منه وأخذ الوضع منحى آخر من السوء والزيادة في الشرخ بين أبناء الشعب وأن الرقعة أو الفجوة بين الحكومة والشعب تزيد كل يوم بل كل دقيقة. دونما حل أو مبادرة من أي شخص فلا عجب فقد رحل صمام الأمان ومن كان يفكر ويحظى باحترام الجميع. فما زلت وكما حال الكثير من العراقيين أسأل… يا ترى لو ما زال مام جلال بيننا يا ترى كيف كان ليخرج العراق من هذا المأزق؟ أو هل كان للعراق أصلا بالدخول إلى أزمة كهذه؟ فكم يحتاج العراق كي يأتي رجل مثل مام جلال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد