معارضة الحكيم والديكتاتورية الجماعية

 الثقافات تتنوع بين مجتمع وآخر، وتتعدد تبعًا لتقاليده مرة، ولدياناته مرة آخرى، وقد تتنوع حسب الخصوصية لبعض المجتمعات.
الثقافة السياسية من الثقافات التي يحكمها التنازل عن المصالح الخاصة لصالح العامة؛ لأن في أغلبها مواقف رقابية وتطويرية، وبالتالي يكون نتاجها عامًا، وبذلك يقابلها قدرة المعارض على التخلي عن جني الثمار الخاصة.

الاستقالة من المنصب ثقافة سياسية، فمن الطبيعي أن يتنحى الوزير أو المدير العام عن منصبه، إذا لم يكن بمستوى الأداء المطلوب، أو عندما يدرك فشله الذي لا مناص منه، وهذا أمر يحسب له، لكن للأسف هذه الصفة لم نرها في ثقافة العراق السياسية، وخاصة ما بعد 2003.

المعارضة السياسية الرقابية لحكومة ما، هي ثقافة مرغوب في طرحها، ومنبوذة خلف كواليس المصالح الكتلية، فعندما يتجه السيد عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة الوطني في العراق، إلى هذا الخيار، يكون سباقًا في التأسيس للرقابة التقويمية المشروعة.

الكثير من الكتل تتمنى لو أنها هي التي اتجهت بهذا الاتجاه، لكن مصالحها الخاصة حالت دون الوصول لهذه المرتبة السياسية صعبة المنال.

الحكيم وبدخوله لهذا العالم، أصبح بين مطرقتي المادح والمتصيد، أي أن هذه المعارضة لها مؤيدون ومعارضون، فمما يحسب لها أنها سابقة في تاريخ العراق الحديث، وأنها معارضة إيجابية لا تؤيد الفوضى في الدفاع عن الحقوق، ولا تتخذ العنف سبيلًا للتعبير عن عدم رضاها، ولا تبتعد عن المصلحة العليا للبلد، وهذا ما ذكر عن لسان الحكيم.

أما ما يحسبه البعض ضدها، تتضمنه بعض التساؤلات التي أجاب عنها تيار الحكمة ووضحها لمن يسأل، السؤال الأول: هو لماذا المعارضة في هذا التوقيت؟ ولم يكن في فترة سابقة، إجابة الحكمة كانت، إن الحكومات التي سبقت حكومة السيد عادل عبد المهدي فيها من الضعف بحيث لا تتحمل أن تُعارض، لما مر به البلد من عدم استقرار أمني، خاصة في فترة (داعش) وما سبقها من تظاهرات وأوضاع متوترة، وأن الوضع اليوم يسمح بأن تمارس هذه الثقافة السياسية الإيجابية.

معارضة الحكيم تعارض الحكومة لا الدولة، حسب متبنياته، وهنا يأتي السؤال الثاني، لماذا الحكمة لم تترك العمل في كل مفاصل الدولة، فمعارضتها انتقائية؟ فيجيب عليه المعترضون، إن الدولة ومناصبها شيء، ومعارضة ومراقبة الأداء الحكومي شيء آخر، لأن الدولة باقية، ومدة مناصبها قد تعادل فترة حكومتين أو أكثر، ولا انتقائية في ذلك، وهناك تمثيل سياسي في بعض المحافظات وهو استحقاق دولة، ولابد أن يفهم الجميع تفصيلات المعارضة، ولا يحملها على عنوانها الفضفاض.

الحكمة لديهم 19 مقعدًا في البرلمان العراقي، وإذا ما نجح في معارضته وحقق أهدافًا مهمة، ربما تستقطب كتل أخرى، وإن كان بعيدًا في زمن الكومشنات، لكن معارضة الحكومة هذه، ربما تشكل حكومة من المعارضة.

سؤال آخر يطرح: إن تيار الحكمة لم يحصل على مراده من المناصب الحكومية، فالتجأ إلى خيار المعارضة؟ وهنا يجيب الحكيمي، أجده أمرًا طبيعيًا؛ لأن الحكمة مشاركًا اساسيًا في العملية السياسية، وعندما يتم الاتفاق على أن تكون الكابينة الوزارية مستقلة، واختيارها مسؤولية رئيس الوزراء المستقل، حصرًا ليس من المعقول أن من يجد شركاءه يخرقون الاتفاق ليمرروا شخصياتهم السياسية بصفة المستقلين، لا يعارض ولا يتخذ موقفًا، إذًا الأمر لا يعتبر سبة على الحكمة وحكيمها.

وفي ضوء متبنيات المعارضة التي اعتبرها الحكيم ركائز وأسسًا للمعارضة الحديثة، يجد من الضروري أن يكون التفاوض حاضرًا، وأن لا يكون بعيدًا عن المستجدات السياسية.

فمن أجل ترسيخ عمل الرقابة السياسية في العراق، ومن أجل الابتعاد عن الديكتاتورية الجديدة، التي أسميها (الديكتاتورية الجماعية)، أرى من المهم جدًا دعم ثقافة كهذه (المعارضة)، وعدم إجهاضها وهي في مرحلتها التأسيسة على الأقل، لعلها تأتي أكلها بنفع للبلد والشعب، وتقلل من الفساد الذي نخر عظم العراق برعاية أهل العراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد