التجربة العراقية التي طغت عليها الطائفية ودخول البلد في نفق الاغتيالات والاقتتال الطائفي والفساد

عقب الغزو الأمريكي للعراق في مارس (آذار) 2003 وسقوط بغداد، سيقع حدث يهز العراق وسيعتبر أول إرهاصات الاقتتال العراقي الطائفي، تمثل باغتيال محمد باقر الحكيم المرجع الديني الشيعي الكبير ومؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، من القوى المعارضة التي مكثت في إيران ضد النظام العراقي السابق، تحتوي الخارطة الحزبية العراقية على عديد من الأحزاب الدينية الشيعية التي ستهيمن على القرار السياسي العراقي الداخلي؛ لكن ليس بمعزل عن إيران وسياساتها في المنطقة، تبنى تنظيم القاعدة الاغتيال، سينشأ بداية لاحتقان سني شيعي في العراق، بدأت موجة تفجيرات تستهدف التجمعات الشيعية بشكل كبير جدًا، فيما ستشهد أيضًا بغداد عمليات خطف وقتل بشكل بشع على الاسم والهوية، طالت هذه الموجات اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق، وعمليات تهجير بين الطائفتين وفلتان فوضى السلاح والميليشيات بشكل غير مسبوق، لم تمارس الحكومات المتعاقبة ما يعرف بالقانون الدولي بالعدالة الانتقالية؛ بل مارست أسلوب السياسة الانتقامية ضد الطائفة السنية التي تحولت لأقلية من أقليات العراق، وقامت بسن قانون ما عرف باجتثاث البعث، بمعنى آخر طرد وتنحية كل الموظفين والخبرات العراقية من غير الطائفية الشيعية ليتحولوا إلى بطالة مصيرها الشارع، ساهم بذلك بشكل كبير في ارتفاع منسوب العنف في العراق، وخلق حاضنة للقاعدة والتنظيمات المسلحة السنية التي قاومت الاحتلال الأمريكي والميليشيات الطائفية الشيعية في العراق، كثير من هذه القوى شكلت من ضباط وجنود العراقي المنحل، ووجدوا أنفسهم على الهامش لذا قاتلوا بشراسة وبقوة.

تفجير المرقدين في سامراء 2006

هدأت الأمور قليلًا، ثم ستنفجر 2006 بعد تفجير المرقدين الهادي والعسكري في مدينة سامراء السنية، وستنطلق بعدها أيضًا موجة كبيرة من الخطف والقتل المتبادل والتفجيرات العنيفة، تبنت القاعدة تفجير المرقدين، أصبحت العراق تعيش أجواء ما يشبه الحرب الأهلية غير المعلنة، ذبحت مراسلة العربية الصحافية بشكل بشع؛ حيث حصلت صحيفة صانداي تايمز على الصور الأخيرة من هاتفه نقال، اتهمت الحكومة العراقية تنظيم القاعدة، وأعلنت فيما بعد اعتقال ناشط من القاعدة اعترف بفعلته، لم يقتنع كثيرون بالرواية العراقية الشبيهة إلى حد بعيد برواية مقتل المهندسة نيفين العواودة في الأراضي الفلسطينية، وإعلان الحكومة عن إلقاء القبض على قاتلها واعترافه بذلك عام 2017، شبه الشارع الفلسطيني رواية السلطة الرسمية بالفيلم الهندي، رواية الحكومة العراقية الرسمية كانت أشبه بفيلم هندي أيضًا، كل من أطوار بهجت الصحافية ونيفين العواودة المهندسة قتلتا لطمس حقائق، قتلت بهجت لطمس أفعال فرق الموت العراقية الموجودة في سامراء، فيما قتلت العواودة لطمس حقائق تتعلق بملفات فساد.

كان على رأس وزارة الداخلية العراقية باقر جبر صولاغ، اتهم بتأسيس ميليشيات طائفية موازية لكيان الدولة سميت «بفرق الموت» التي قد تكون قتلت الصحافية أطوار، شهدت فترة توليه حقيبة الداخلية أعمال قتل وتعذيب واختطافات طائفية واسعة استهدفت سنة العراق بشكل مبرمج، تعتبر فترة الرجل من أسوأ الفترات التي شهدها العراق بالفلتان الأمني الذي لم يشهده حتى في ظل احتلال داعش للموصل والأنبار أو ذبحها الجنود العراقيين في مذبحة سبايكر التي هزت العراق. للرجل ملف أسود في دعم الميليشيات التي انتهكت حقوق العراقيين بشكل واسع ومبرمج، آلاف الجثث وجدت ملقاة بالشوارع العراقية عليها آثار تعذيب، وكانت إحدى وسائل التعذيب هي استخدام العدد الصناعية في أجسام البشر، شهدت بغداد تحديدًا عمليات قتل وخطف ممنهج، حيث عملت هذه الميليشيات على تفريغ بغداد من الطائفة السنية.

تشكيل الصحوات السنية

بعد تفجير المرقدين في عام 2006، تشكل ما عرف بالصحوات السنية لمحاربة تنظيم القاعدة في المناطق السنية في الأنبار تحديدًا، ونجحت هذه القوات بمساندة القوات الأمريكية والقوات الأمنية العراقية من هزيمة التنظيم عسكريًا، وعادت فترة هدوء أخرى إلى العراق، ترأس هذه الصحوات عبد الستار أبو ريشة الذي سيقتل بقنبلة زرعها تنظيم القاعدة أواسط عام 2007، وكان أبو ريشة قد التقى جورج بوش أثناء زيارة له إلى العراق، اتهم ابن شقيقه بزرعها لصالح القاعدة، وسيخلفه شقيقه أحمد أبو ريشة، سيقتل ابن شقيقه فيما بعد أيضًا قائد الصحوات في الأنبار، يمكن تشبيه الصحوات بروابط القرى التي أنشأتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية عام 1978 لضرب منظمة التحرير؛ حيث شكلت بشكل عشائري ومناطقي، لبريطانيا تجربة سابقة في الأراضي الفلسطينية؛ إذ تم تشكيل ما عرف بسرايا السلام في الثلاثينات، وهي إلى حد ما عبارة عن فرق الموت التي ستغتال المقاومين ورجال الثورة الفلسطينية تحت مبررات ثأرية عشائرية وغيرها، إنها الفرقة التي يمكن اختصارها بمقولة «فلسطينيون حاربوا ثورتهم».

لم تطل فترة الهدوء في الأنبار إلى أن اندلعت ثورة شعبية سنية طالبت بإصلاحات وإلغاء قانون مكافحة الإرهاب العراقي الذي يستهدفهم وإلغاء قانون اجتثاث البعث، وكان ذلك عقب الثورة السورية؛ حيث اجتاحت داعش المحافظات السنية العراقية ومدينة الموصل كبرى مدن العراق والثانية بعد بغداد، سيطرة داعش على الموصل لم يخلُ أيضًا من نقد حاد لكيفية إدارة الدولة العراقية لمؤسساتها المختلفة التي أصبحت مرتعًا للفساد بكل أشكاله، 30 ألف عسكري عراقي فروا من الموصل بشكل سوريالي عجيب، قتل تنظيم القاعدة آلاف الشيعة في التفجيرات التي كانت تستهدف أحياءهم ومناطقهم، كثير من هؤلاء القتلى كانوا من العمال البسطاء الفقراء الذين كانوا يتوجهون إلى أعمالهم صباحًا، يمكن القول إن كثيرًا ممن قتلوا من الشيعة لا ذنب لهم بسياسات ما بعد الغزو، بل كانوا ضحايا الابتزاز والفساد الذي مارسته الأحزاب الشيعية عبر ميليشياتها؛ فباتوا بين مطرقة تفجيرات القاعدة وسندان الميليشيات الطائفية الشيعية.

كيف نظر العرب إلى صعود الأحزاب الدينية في العراق
على سدة الحكم؟

لم تنظر الأحزاب الدينية في العراق إلى العالم العربي بمعزل عن إيران، النظرة متبادلة، فهكذا نظرت الأنظمة الرسمية للعراق بعد الغزو، لم تخل نظرة الشعوب إلى الأمر من هذه الناحية أيضًا، لكن الأمور لم تقف على حد إيران، خشيت الأنظمة العربية نجاح النموذج العراقي الجديد كحالة ديمقراطية ناجحة، أكثر ما تخشى الأنظمة العربية من هذه الكلمة التي تصيبهم بالهيستريا، قد يفتح ذلك شهية الإدارة الأمريكية للإطاحة بباقي الأنظمة العربية، بدأ حديث قوي يدور عن إسقاط النظام السوري آنذاك، تصاعدت حدة الأمر عقب اغتيال الحريري، يبدو لم ينج من هذا النظام سوى إسرائيل التي خرج رئيس وزرائها آنذاك لواشنطن في 2006 متوترًا قائلاً للإدارة الأمريكية ماذا بعد؟ هل تريدون أن يأتي أبو مصعب الزرقاوي لحدود إسرائيل؟ اتهمت الأحزاب والحكومة العراقية النظام السوري بإرسال عشرات ألوف المفخخات والمقاتلين وإيواء البعثيين السابقين، ستدعم هذه الحكومة النظام السوري فيما ستحشد أحزاب العراق مقاتليها للقتال إلى جانب النظام السوري! فيما نظر الخليج بشكل خاص إلى الهيمنة الإيرانية التي قد تعبث في أمن الخليج وتحويل شيعة العراق إلى أداة وجسر لضرب أمن الخليج، خصوصًا أوساط الشيعة الذين فتحت شهيتهم عقب سقوط النظام العراقي، أصبحت سوريا الممر الأكبر لكل المقاتلين الأجانب الذين يودون القتال في العراق، كما أطلقت عديد من الدول العربية سراح سجناء متطرفين بصفقات على أن يغادروا بلدانهم، وكانت وجهتهم العراق، أبو مصعب الزرقاوي واحد من هؤلاء، لم يساعد ذلك القوى العراقية والدولة العراقية من السيطرة على زمام الأمور في البلد، خاصة الملف الأمني، وكان لذلك تبعات سياسية خطيرة على العراق، ولم يبق أمام القوى العراقية حضن بعد الولايات المتحدة سوى إيران، تحت هذا العنوان أصبحت إيران الآمر الناهي في العراق ونفوذها لا يقل أهمية عن النفوذ الأمريكي.

كيف تعاملت الأحزاب الشيعية مع الحكم في العراق؟

ستحكم الأحزاب الدينية الشيعية العراقية الحليفة لإيران العراق عقب الغزو الأمريكي للعراق، والتي ستكتسح الانتخابات العراقية، وستصبح هي السلطة في بلد ستحكمه سياسات طائفية، وسيشتعل وسيصبح العراق فيما بعد الأرض المفضلة لكل التنظيمات الدينية المتطرفة السنية والشيعية، وستكسر هذه التنظيمات الحدود الجغرافية ما بين لبنان والعراق وسوريا، لم تنظر هذه الأحزاب الدينية المتعددة التي باتت تحكم العراق بعد الغزو الأمريكي بمعزل عن السياسات الإيرانية في المنطقة، ووقعت هذه الأحزاب في ازدواجيات غريبة جدًا، فترى الزعيم يجتمع مع الاستخبارات الأمريكية في قواعدها، وتراه في اليوم التالي يجتمع بالخميني والقيادات الإيرانية، يبدو أن العداوة لصدام والبعث هي الجامع المشترك بين الإيرانيين والأمريكيين، شارك بعض ممثلي الإخوان المسلمين الذين كانوا هاربين من بطش النظام العراقي السابق على الأحزاب الشيعية في الحكم، مثل طارق الهاشمي الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية، سيختفي فيما بعد، بعد هروبه من بغداد أثر اتهامه بعمليات إرهابية وتصفيات واغتيالات وصدور ثلاثة أحكام غيابية بالإعدام عليه، كان الهاشمي مدافعًا شرسًا عن حقوق السنة العراقيين الذين باتوا على هامش العملية السياسة العراقية، والتمييز المذهبي الذي تمارسه الجهات الطائفية التي بدأت تهيمن على حكم العراق، قتل ثلاثة من إخوته بينهم شقيقته ميسون في أقل من ستة أشهر عام 2006.

لم تستثمر الأحزاب الدينية الشيعية أو العمائم، على حد وصف العراقيين، خيرات العراق بما ينهض في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحروب والحصار القاسي، وصفت تقارير غربية عملية إعادة إعمار كأكبر عملية فساد في التاريخ، كان أول ما فعله بول بريمر الحاكم الأول للعراق بعد الغزو، قبل تعيين الشيعي العلماني إياد علاوي أول رئيس لوزراء العراق، هو حل الجيش العراقي؛ حيث كان القرار الأخطر والخطأ الأكبر في تاريخ العراق ما بعد الغزو، لقد كان لذلك تداعيات أمنية خطيرة تدفع إلى الآن ثمنها العراق، سيصبح علاوي أول رئيس وزراء للعراق في أواسط عام 2004، بعدها بأقل من عام في 2005 ستحدث انتخابات برلمانية وهي الانتخابات الأولى بعد الغزو الأمريكي؛ حيث اكتسحت الأحزاب الدينية الشيعية الانتخابات العراقية، كان علاوي قد حذر من ذلك في بلد بدأ يعاني من حساسيات طائفية.

الفساد والأحزاب الدينية في العراق

بعكس الأحزاب الإسلامية في باقي البلاد العربية والإسلامية التي أشير إليها بنظافة الكف والزهد «يصل حد السذاجة أحيانًا»، لم يشر الشعب العراقي للأحزاب الشيعية بهذا الوصف، أحاديث في الشارع العراقي والإعلام العراقي والعربي والغربي عن اختلاسات وسرقات وعمليات ابتزاز واحتيال وتعد على المال العام بمبالغ فلكية قد تتعدى التريليونات، الأمر الذي لا يمكن مقارنته مع النظام الاستبدادي السابق، حدثني صديق عراقي «شيعي» بأن مقولة «أغنى دولة وأفقر شعب باتت دارجة جدًا في العراق»، لم تتحسن الخدمات في العراق ولا الاقتصاد ولا أي شيء، حتى في الأماكن الشيعية في الجنوب التي لا تشهد معارك ولا حروبًا، بدأت أحاديث على التواصل الاجتماعي عن ارتفاع نسبة الإلحاد في أوساط الشباب العراقي بسبب سخطهم على الأحزاب الدينية التي باتت تحكم البلد، وغالبًا ما تستخدم هذه الأحزاب الشماعة الطائفية والخطر السني والوهابي الداهم والمؤامرات السعودية، كشعارات لتنفيس احتقان شيعة العراق وتبرير نفوذهم وفسادهم، تحدث بذلك بعض رجال الدين الشيعة، منهم إياد جمال الدين صراحة بالإشارة إلى حالة الفساد التي هيمنت على العراق أن الاستبداد زمن صدام لم يكن فقط ضد الشيعة، بل هو حالة عامة، تحدث آخر بأن صدام لم يقمع الشيعة كونهم شيعة، إنما كان يقمع كل معارضيه سنة كانوا أم شيعة، تحدث إياد جمال الدين بأن كل القصور التي كان يستخدمها صدام حسين وجدت مسجلة باسم ديوان الرئاسة العراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد