قد يكون الحديث عن الأحزاب الإسلامية في العراق، وفي السنوات الأخيرة تحديدًا، مستهجنًا حتى من قبل بعض الإسلاميين المستقلين أنفسهم، لما شهدت فترة حكمهم، من إخفاقات لا تليق بأخلاق الإسلام الحنيف ومبادئه، التي نص عليها الدستور الإلهي في القرآن الكريم، فرغم النجاحات الكبيرة المتحققة عسكريًّا، مع الانتصارات المتعددة في دحر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير، فإن الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة، لعب الدور الأهم في زعزعة ثقة المواطن بحكومته.

قد يكون الانغلاق هو عنوان أغلب الأحزاب والتيارات المتنافسة في انتخابات ما بعد 2003، لا سيما أن منها ما هو واضح بمرتكزاته الدينية أو العلمانية، فكانت توجهات الجماهير نابعة من إيمان الشخص وعاطفته تجاه حركة معينة، أو حبًّا لشخصية ما، تمثل له القيادة الروحية، لذلك نجد الألوان البرلمانية ذات الطيف نفسه تقريبًا في كل مرة، لأنها بقيت دون ان تغير شيئا من نهجها الذي بُنيت عليه.

وتلبية لرأي الشارع، أخذت بعض الأحزاب، في الثلاث سنوات الأخيرة، تغير من طريقة تسويقها لنفسها، متخذة نهجًا مدنيًا، رغم إسلامية بعضها، من أجل الانسجام مع كافة الأذواق السياسية! فكان لكل توجه طريقته المبتكرة في جذب عاطفة الناخب العراقي، فمنهم من اتخذ نهج الإصلاح، ومنهم من انتهج الثقافة، ومنهم من رسم طريقه لخدمة الشباب والمرأة وتفعيل دورهم في المجتمع، والسؤال هنا، هل ستفعل هذه الأحزاب ما تقول؟ أم كسابقاتها من برامج انتخابية، ينتهي مفعولها بانتهاء فرز أصوات المغلوبين على أمرهم؟

يفاجئنا اليوم تيار الحكمة الوطني بمؤتمره التأسيسي، الذي يعلن فيه تنفيذ ما وعد به منذ البداية، برسمه تيارًا يحتوي كل الوان الشعب العراقي، بريشته الصفراء التي اتخذها شعارًا له، ريشة رسمت كل الأطياف باختلاف توجهاتها، الدينية، والقومية، وغيرها، وهو بذلك يشق طريقًا جديدًا في التحولات السياسية الحديثة، بمؤتمر يتضمن أكثر من 1200 عضو، بينهم نسبة الشباب تزيد على 70%، كذلك للمرأة حضور واسع، وإعطاؤها نسبة 25% من عدد أعضاء المكتب السياسي في التيار، إذن هي إنجازات تتحقق مسبقًا.

تيار إسلامي المنبع، إسلامي مدني التوجه، فهل سيكون هو الحل الأمثل لأزمة التشظي الطائفي والقومي؟ وهل هو الحل الذي يجمع تحت عباءته، الإسلامي والمدني؟ مع الحفاظ على هويته الإسلامية المرجعية؟ وهل سيوفق بين الجميع، وينجح في بناء دولة عصرية عادلة؟ المسلم الى جنب المسيحي والصابئي والإيزيدي والشبكي وغيرهم، هي تجربة جديدة في عالم السياسة العراقية الحديثة، وهو أمر جدير بالاهتمام من الجميع، لما له من وقع في نفوس المهتم بمصلحة الحركة السياسية العراقية.

الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2017 هو موعد انطلاق المؤتمر التأسيسي لهذا التيار الفتي بآليته الجديدة، والعريق بقيادته، الشاب بانفعالاته. فهل سيكون أهل الحكمة حكماء بما سيتبوأون من مناصب في الانتخابات القادمة؟ وهل سيكونون كعلي بن أبي طالب في محاربة الفاسدين؟ ويكونون يد الحليف قبل البعيد إن ثبتت سرقته؟ هذا ما تعاهدوا عليه أمام الإعلام، وأصروا على أنهم على قدر المسؤولية؛ لأن العراق بحاجة ملحة لإنقاذه من سراق المال العام المتسترين بلباس الالتزام الديني والوطن.

تيار يحمل أبناؤه شعار الريشة ذات التعابير المختلفة، باستطاعتهم أن يرسموا حلم العراق في الوحدة والألفة والعمل السياسي القائم على خدمة الشعب، الخدمة التي نضبت من خيال المساكين والمقتاتين على فضلات سياسيي الصدفة!

«الحكمة حاجة وطن»، تحت هذا العنوان الذي يختزل عبارات كثيرة، ينطلق تيار الحكمة، الذي أتمنى أن أرى عدوي الانفتاح والتمدن فيه، تنتقل لكل المتصدين لصدارة المشهد السياسي، إن شاء الله نرى الحكمة خدمة فعلًا، ويتحقق ما نتمنى أن يتحقق، فأبناء العراق قادرون على التغيير، وأبناء الحكمة كغيرهم يحملون هم الشعب وتطلعاته نحو أمل مشرق، ينتشلهم من التخلف الخدمي، ويضعهم في صورة العراق المتحضر والمتمدن الأصيل، الصورة التي يستحق أن يكون عليها العراق فعلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد