على بعد 110 كم غرب العاصمة العراقية بغداد، وفي مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار تحديدًا، خرج مئات الآلاف من المواطنين البسطاء مطالبين بالمساواة مع شركاء الوطن، وعدم التفرقة والإقصاء والتهميش، والإفراج عن المعتقلين الأبرياء وليس «المجرمين»، وبعد مرور أكثر من عام من الاعتصام السلمي، سقطت ذات يوم جملة «قادمون يا بغداد» من أفواه المعتصمين كأسلوب من أساليب الضغط على الحكومة لتلبية مطالبهم، والتي اعترف الجميع بشرعيتها، ونص الدستور العراقي عليها من الألف إلى الياء، لكن الحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي آنذاك حبكت خطةً محكمةً لتلبية مطالب المتظاهرين ابتدأتها بمحاصرتهم، ومن ثم دس الفتن بينهم ومواجهة سلميتهم بالذخيرة الحية، وأخيرًا هجرتهم من مدنهم من خلال دعشنتهم، بل نجحت الحكومة العراقية بجعل أقصى أمنية لمواطني محافظة الأنبار أن يعودوا إلى منازلهم التي لم يبقَ منها شيء سوى بقايا أنقاض، كما أفادت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

وبعد سنتين من السنوات العجاف من مظاهرات المحافظات الغربية للعراق، خرج أهالي بغداد والمحافظات الجنوبية بتظاهرات استغرقت 10 أشهر، وعلى مسافة تبعد أقل من كيلومتر واحد من المنطقة الخضراء شديدة التحصين الأمني، والتي تتخذها الحكومة العراقية مقرًا لها إضافة إلى مبنى البرلمان العراقي، وكبرى سفارات الدول العظمى والأجنبية، لكن هذه المرة كسر المتظاهرون قواعد اللعبة بعد أن اكتمل نصابهم داخل قبة البرلمان وجلسوا على مقاعد أعضاء مجلس النواب العراقي، بل تم إسقاط هيبة الدولة العراقية بأكملها، وتم إهانة وضرب بعض أعضاء مجلس النواب الذين كانوا يتواجدون في المبنى وقت دخول المتظاهرين الغاضبين من فساد وسرقات الوزراء، والتستر عليهم من قبل كتلهم السياسية التي تمثلهم داخل البرلمان.

بعد كل هذه الأحداث، أصبحت أقصى أمنية للحكومة العراقية ورموزها المتقوقعين على أحزابهم وطوائفهم وقومياتهم ومصالحهم هي أن يخرج المتظاهرون من المنطقة الخضراء! أنا لست ضد ما حدث وما سوف يحدث للطبقة السياسية الفاشلة في العراق؛ لأن أفعالهم على مدى 13 عامًا لم تدع مجالًا لأدنى سمات التعاطف معهم، لكن لمَ هذه الازدواجية في التعامل مع الأزمات في العراق على أساس الطائفية والمذهبية والمناطقية؟! وهل من العدل تطبيق بنود الدستور العراقي على فئات دون أخرى؟! في الوقت الذي تقف فيه جميع فئات الشعب العراقي ضد العنف ومشاهد الخراب المتكررة في حين تأخذ الطبقة السياسية الحاكمة دور المتفرج الأبكم، فلم نجد لها يومًا موقفًا مشرفًا إزاءَ ما حدث ويحدث يوميًّا في العراق، ولم نرَ بادرة ملموسة لتحسين واقع الشعب باستثناء بادرة واحدة سجلها لهم التاريخ، وهي تهوية خزانة الدولة عبر إفراغها في جيوبهم المتخمة أساسًا من مخصصاتهم غير المنطقية ورواتبهم الخيالية.

إن ما يحدث الآن في العراق لا يعد طبيعيًّا، بل هو انتكاسة كاملة الأركان وواضحة المعالم، ولكنها برغم ذلك، متوقعة من قبل الجميع، كون تاريخ العراق الثوري لم يكن في يوم من الأيام خاليًا من الدماء، منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد