أمام العدد الكبير من الأسئلة العالقة بدون إجابة حول العراق، أكثر ما يثير الريبة كيفية دخول تنظيم الدولة إلى بلاد الرافدين بهذه السهولة ودون عناء يذكر. فبينما يسوق البعض لفكرة مفادها أن هذا التنظيم وجد حاضنة شعبية دعمته وساندته، من الواضح أنه قد تم تسليم أراضٍ محددة أريد لها آن تكون تحت سيطرته.

كتبت جميع صحف العالم وذكرت وكالات الأنباء أن ما يسمى «الجيش العراقي» انسحب دون قتال، وسلم محافظات عراقية كاملة لتنظيم الدولة، وفي ذلك الوقت كان نور المالكي وما يزال صاحب الأمر والنهي في العراق. من المعلوم أن هذا الشخص عاث فسادًا قتلًا ونهبًا في البلد، وفسح المجال أمام المخابرات الإيرانية بالتعاون مع نظيرتها الأمريكية لاغتيال كفاءات العراق، وجعله في فوضى عسكرية واقتصادية واجتماعية ما زالت آثارها إلى اليوم، وستستمر لسنوات، لكن ما الهدف من ذلك؟

أتذكر موجة الاتهام التي لقيت رواجًا في ذلك الوقت وما زالت مستمرة إلى اليوم، حيث تم اتهام المناطق السنية بأنها توفر حاضنة شعبية لتنظيم الدولة رغم أن ما يسمى «الجيش العراقي» لم يتكبد عناء إطلاق طلقة واحدة في سبيل الدفاع عنها، ولسائل أن يسأل أين كانت الطائرات الأمريكية في ذلك الوقت؟ وكيف غابت عنها المواكب العسكرية التي قيل عن عددها وعدتها ما قيل؟ وأين ذهبت مليارات الدولارات التي قالوا إنهم أنفقوها على الجيش العراقي منذ 2003؟ وأين ذاك الجيش القوي العظيم الذي وعد مجرم الحرب جورج بوش بتأسيسه؟ من الواضح أن الكل تخلى عن هذه المناطق وسلمها كهدية ليتم اتهامها أولًا، والاقتصاص منها ثانيًا. إن الله وحده يعلم حجم المعاناة التي عاشها أهل تلك المحافظات، وهم اليوم محرومون من العودة لمنازلهم أو لما بقي منها.

أجد أن من المصادفات الغريبة والمريبة كيف تضخم دور الميليشيات الطائفية تزامنًا مع دخول تنظيم الدولة وانتشاره في الأراضي العراقية. فأين كانت هذه المجموعات المسلحة عند ذلك؟ يبدو أن سيناريو فرار الجيش العراقي للسماح لتنظيم الدولة بالسيطرة على الأراضي العراقية، وظهور المنقذين فجأة أو «الأبطال» الذين سيدحرون الإرهاب كان مدبرًا. إن ما يؤكد هذا الأمر أكثر أن تنظيم الدولة لم يبدِ تلك المقاومة التي تناسب ما سوقوه عنه من قوة عسكرية رهيبة وبأس في القتال، عندما سلموه جزءًا من العراق. فسبحان الله كأن سرعة فرار ما يسمى «بالجيش العراقي» بالأمس تضاهي اندثار تنظيم الدولة اليوم أمام الميليشيا الطائفية.

من المفارقات أن دولة تدعي أنها ترعى الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، وهي بالطبع بلد «العم سام» توفر غطاءً جويًّا وسندًا عسكريًّا مهمًا وحاسمًا لميليشيا موالية لدولة مثل إيران، يتهمها الأمريكيون من جهة بأنها راعية للإرهاب، وتجاهر هي بالعداوة لهم! ألم يكن من الأجدى أن يتم توفير هذا الدعم لما يسمى «الجيش العراقي»؛ حيث يفترض أن يمثل جيشًا نظاميًّا؟ ولماذا لم يقم الطيران الأمريكي بهذه الغارات عند احتلال تنظيم الدولة لهذه المدن؟ هل أصابهم العمى آنذاك، آم أن ما وصفوه بالأرتال الكبيرة للتنظيم كانت خفية عنهم وهي تتقدم باتجاه المحافظات السنية؟

يأخذنا ما سبق إلى مسرحية العداوة بين ما يسمى محور «الممانعة والمقاومة» من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. للتذكير هذا المحور يتكون من النظام السوري الذي لم يطلق طلقة واحدة في سبيل استعادة الجولان المحتل منذ زمن، ومن إيران المتحالفة مع الولايات المتحدة في العراق، وحزب الله الذي لم يتذكر إسرائيل منذ عشر سنوات، وهو الآن يعيث قتلًا وفسادًا في سوريا، ومعهم جماعة الحوثي وأفاعيلها في اليمن، ويبدو أن كل هذا الحلف في تناغم وتألف حميمي مع روسيا التي تعلن باستمرار التزامها بأمن إسرائيل، وهي من هذه الناحية لا تختلف في شيء عن «راعية الشر» في العالم الولايات المتحدة الأمريكية.

إن هتافات «الموت لأمريكا وإسرائيل» لا يخلو منه تجمع آو ظهور «لجماعة المقامة»، لكن الغريب أن أمريكا التي يهتفون بموتها هي نفسها التي توفر لهم دعمًا عسكريًّا لما يقال إنه تحرير للمناطق من تنظيم الدولة، رغم أننا لم نعد نرى شيئًا من الصناعة الإعلامية التي أحاطت بظهور هذا التنظيم وتضخيمه، فسبحان مغير الأحوال كيف التقى العدوّان فقاسم سليماني مستشار الحكومة العراقية الإيراني، والمستشارون الأمريكان وسلاح الجو الأمريكي قد صاروا صفًّا واحدًا أمام هذا التنظيم الذي سبق أن وفروا له ممهدات الظهور، فقد فسحوا له المجال وأمروا جنودهم بالانسحاب أمامه؛ ليمتد أكثر بحيث يصبح أولوية لكل العالم أن يدمره، ولا يهم الثمن فسيدفعه الشعب السوري وعامة العراقيين.

ما أكثر الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والغريب أنها كلها تنادي بالولاء لإيران «قائدة المقاومة» و«عدوة إسرائيل الأولى»، لكن الجميع يعلم أن إسرائيل ليست ببعيدة عنهم، فإن كانت هذه الميليشيات قد هزمت تنظيم الدولة في رمشة عين، وهزمت إسرائيل سابقًا، وهي مدعومة من «دولة قوية عسكريًّا وإقليميًّا» فلماذا لم يحاربوا إسرائيل بعد؟ أظن أنه كلما طرح هذا السؤال على جماعة «المقاومة» إلا وقالوا إن عليهم تطهير المنطقة من الأنظمة العميلة أولًا. أنا لا أعلم بما يذكرني هذا لكني أظن أن هذه الإجابة هي نفسها التي قالها تنظيم الدولة عندما سئل لماذا لا يقاتل إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد