اندلعت اشتباكات بين البيشمركة الكردية والحشد الشيعي التركماني في نهاية الشهر الماضي والتي راح ضحيتها نحو 150 شخصًا بين قتيل وجريح من الطرفين، وأدت الى قطع الطريق الرئيسي الواصل بين كركوك وبغداد لعدة أيام، بسبب تعرض منزل أحد قياديي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (جماعة الطالباني) لهجوم بالقنابل اليدوية، يُعتقد أنَّ عناصر من الحشد الشيعي التركماني يقفون وراء هذه العملية، بعدها شهدت المدينة هجمات وحرق لمنازل الأكراد والتركمان من قبل مسلحي الطرفين. تطور الأمر إلى اندلاع اشتباكات أخرى بمدينة السعدية التابعة لمحافظة ديالى بين البيشمركة أيضًا والحشد الشعبي.

ومن الجدير بالذكر إن البيشمركة وقوات الحشد قد اشتركوا في تحرير تلك المناطق من داعش، إلا أنهم اختلفوا حول تبعية تلك المناطق، فالأكراد يعتبرونها تابعة لهم، بينما التركمان يرفضون ذلك، وحسب الرواية الكردية فإن الحشد التركماني الشيعي يتلقى دعمًا من الحشد العربي الشيعي لكي يقوم بحملات تهجير على العرب السنة والتركمان السنة فضلًا عن الأكراد، إلا أن قوات البيشمركة تصدت لهذا الأمر. من الجدير بالذكر إنَّ هذه الاشتباكات بين الطرفين ليست الأولى من نوعها، فقد شهد العام الماضي اندلاع اشتباكات مماثلة بين الطرفين انتهت بوساطة إيرانية.

لكن الجديد بالموضوع هو ما تناولته بعض المصادر الصحفية التي ذكرت، أن الاشتباكات الأخيرة قد شارك فيها حزب الله اللبناني لجانب الحشد الشيعي، بينما شارك حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) لصالح الطرف الكردي في المعارك الأخيرة. ولم يخفِ حزب العمال الكردستاني التركي مشاركته تلك، فقد صرح متحدثًا عنهم: إن تواجدنا جاء لحماية شعبنا الكردي وحماية اي أنسان يتعرض للظلم والتهديد! أما حزب الله اللبناني فلم يصدر تصريح عنه بهذا الخصوص.

الغريب بالأمر إنَّ المنطقة التي تدور بها تلك الاشتباكات يسيطر عليها الفصيل الكردي الموالي لإيران «حزب الاتحاد الوطني الكردستاني»، بنفس الوقت فإن الطرف الثاني وهو الحشد الشيعي بشقيه العربي والتركماني والمدعوم من منظمة بدر بقيادي هادي العامري، هو أيضًا موالٍ لإيران، والأكثر غرابة أن ينضم الى القتال طرفين آخرين يتلقون الدعم من إيران أيضًا، هما حزب العمال الكردستاني (PPK)، وحزب الله اللبناني، إلى طرفي النزاع.

وهذا يعني أن السيطرة الإيرانية على المليشيات الموالية لها، بدأت تضعف عن حالها في السابق. ويعني أيضًا أن الاكراد لا يمكنهم تلبية الرغبات الإيرانية إذا تعلق الأمر بحدود كردستان التي رسموها لأنفسهم. كذلك يعني أن المليشيات المتنافسة على اختلافها، بدأت بالاستعانة في حروبها بقوات من خارج الحدود. وهو مؤشر خطير سوف يؤدي إلى تدويل القضية العراقية ولكن ميليشياويًا إن صح التعبير، بمعنى أن كل مرتزقة العالم سوق يجدون لهم مكانًا يعملون به في العراق. بسبب هذه الأحداث انقسمت مدينة طوزخورماتو الآن إلى شطرين، يسيطر الأكراد على أحدهما، بينما يسيطر التركمان الشيعة ومليشيا الحشد، على الشطر الثاني، وسط غياب حكومي شبه كامل عن المدينة.

بينما يبقى مواطنو المدينة، بعربهم وكردهم وتركمانهم، ضائعون وسط تلك المليشيات المسلحة ويتلمسون طريقهم بين الحدود الوهمية التي وضعتها تلك المليشيات بين أحياء المدينة الواحدة، خشية الوقوع بقبضة إحدى المليشيات بالخطأ فيدفع ثمن ذلك حياته.

وكالعادة يبقى الخاسر الوحيد من هذه الأحداث هم العرب السنة، فشهدت المدينة قبل وأثناء اندلاع الاشتباكات، نزوح الكثير من العوائل العربية السنية، حيث لا أحد لهم يحميهم من سطوة تلك المليشيات المسلحة، إن كانت كردية أو تركمانية شيعية.

أما عن الموقف التركي بخصوص تلك الأحداث، فقد دعمت حكومة تركيا، التركمان الشيعة بالرغم من ولائهم الشيعي الإيراني وقتالهم تحت راية الحشد الشيعي. بينما نجد أن إيران تحاول أن تتوسط لإطفاء النار التي سوف تلتهم عملاءها في العراق، لكنها عندما تفشل بمهمتها تلك، فإنها لا تتردد بتقديم دعمها للتركمان الشيعة على حساب الطرف الآخر.

إن هذا النوع الجديد من الاشتباكات بين الشيعة والأكراد والذي بدأ بعد استيلاء داعش على مناطق واسعة من العراق قبل سنتين، سوف يستمر ولن يتوقف قريبًا. بل ربما يندلع بمناطق أخرى مثل قرى ونواحي الموصل وديالى. وسوف تستمر الاستعانة بمليشيات من خارج الحدود. وإنَّ أصدقاء الأمس سيتحولون إلى خصوم اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد