يرجع تاريخ اليهود في العراق إلى العهد الآشوري الأخير، بعد أن شن الآشوريون حملات عسكرية (911- 912 ق.م) على فلسطين وأسر اليهود، واصطحبوهم إلى أماكن نائية وجبلية في شمال العراق، وبعد أن تمكن البابليون- الكلدانيون بقيادة نبوخذ نصر (605- 562 ق.م) من القضاء على الآشوريين وتأسيس الدولة البابلية-الكلدانية (612-359 ق.م) شن نبوخذ نصر أيضًا حملة عسكرية، قضى من خلالها على مملكة يهودا في فلسطين، وأسر اليهود إلى بابل، وعرفت تلك الأحداث بالسبي البابلي، ومنذ ذلك الحين استمر وجود اليهود في العراق وأصبحوا فيما بعد جزءًا لا يتجزأ من تاريخ العراق ومجتمعه وحضارته ، إذ حل اليهود مكانة مرموقة ومتميزة بين طوائف المجتمع العراقي الأخرى، وأصبحت الديانة اليهودية في العراق، وخصوصًا في عصر التلمود، مركزًا وواجهة دينية وروحانية لكل يهود الشتات في العالم، من خلال مراكزها الشهيرة «نهر دعه، وصورا، وبومباديتا»، وبقيت هكذا على مر العصور التي تلت ذلك، ومن هنا بدأ الشعور يتنامى لدى المجتمع اليهودي في العراق بالانتماء إلى بلاد الرافدين، بأن هذه البلاد هي التي اختارها الله لتكون وطنًا ومستقرًا لهم، وانتشرت هذه الفكرة بين علماء اليهود انتشارًا كبيرًا في القرن الثالث الميلادي.

بدأت معاناة اليهود في العراق بعد سيطرة الفرس الساسانيون على العراق في عهد الملك الساساني أردشير سنة 266 م، إذ فرض الساسانيون قيودًا ومضايقات واسعة على اليهود، حتى ساءت أوضاعهم إلى حد كبير، وخصوصًا بعد طلب الساسانيين من اليهود اعتناق الديانة الزرادشتية.

رحب اليهود بالمسلمين الذين دخلوا العراق عام 661 م، بعد أن أنهوا الحكم الساساني، وجاء ترحيبهم نتيجة للظلم والاضطهاد على يد الساسانيين، إذ أقام اليهود في تلك الفترة مدرستين، الأولى في مدينة سورا (بابل) والثانية في بديثا (الفلوجة).

تعرض اليهود بعد ذلك من جديد للظلم والاضطهاد، والتمييز العنصري، والإقصاء بين السنوات الممتدة من 1058 م، حتى سنة 1900 م، إذ واجهوا الكره، والنبذ، والتمييز العنصري، والقتل من قبل الترك والفرس والمغول، الذين فرضوا الجزية عليهم لأسباب دينية ونفعية، وعدوهم من أهل الذمة، بالرغم من تجذرهم بالعراق.

أما سنة 1918، أثناء فترة الانتداب البريطاني على العراق، تنفس اليهود شيئًا من الحرية والحقوق، إذ فُسح المجال أمامهم لشغل بعض المناصب التي حُرموا منها قديمًا في الدولة العراقية، للحد الذي أصبح بعضهم أعضاء في مجلس النواب العراقي آنذاك، إضافة الى بعض الوظائف التي مُنحت لهم، ومن أهم الشخصيات اليهودية البارزة التي شغلت مناصب مرموقة في الدولة العراقية الحديثة 1921 هو عالم حسقيل ساسون، وزير المالية العراقي، وهو عالم اقتصاد ومشارك في عملية كتابة أول دستور للعراق في العهد الملكي عام 1925، والذي كان يعد من أفضل الدساتير المدنية في منطقة الشرق الأوسط، قال أمين الريحاني (المفكر والروائي والمؤرخ اللبناني الكبير) عن حسقيل ساسون: «لا أحد يضاهي حسقيل في علم الاقتصاد والتضلع في إدراك الشؤون المالية».

في الفترة التي استقل فيها العراق عن الانتداب البريطاني عام 1932م، التي أصبح فيها رشيد عالي رئيسًا للوزراء عادت حملات التمييز العنصري تجاه اليهود، إذ جرى إقصاؤهم من المناصب والوظائف التي كانوا يتمتعون بها قبل ذلك، وتفاعل رشيد عالي ورحب بالدعاية النازية الناشئة في ألمانيا بقيادة هتلر ضد اليهود وتوظيفها في العراق لاستهداف المواطنين اليهود.

في يونيو (حزيران) 1941، تعرض اليهود في العراق لحملات اضطهاد واسعة في جميع أنحاء العراق، قتل وجرح خلالها العشرات منهم، وتعرضت ممتلكاتهم ودور العبادة الخاصة بهم للسلب والنهب، وفي سنة 1948 شارك العراق في الحرب ضد الدولة الإسرائيلية الناشئة في فلسطين، وكان تعداد المواطنين اليهود في العراق آنذاك يشكل ما يقارب 140 ألف مواطن، إذ جرمت الصهيونية في العراق آنذاك، وسُنت عقوبات الإعدام بحق من ينتمي أو يروج لها بين المواطنين اليهود في العراق.

في سنة 1950 سُمح للمواطنين العراقيين اليهود بمغادرة العراق بشرط التخلي عن جنسيتهم الأم، وجرى على إثرها إجلاء ما يقارب 100 ألف مواطن يهودي إلى إسرائيل، وهرب بعض منهم عن طريق إيران، وعُرفت عمليات الإجلاء تلك بناحاميا وعزرا.

في سنة 1952، منع اليهود العراقيون من الهجرة إلى إسرائيل، وكان تعدادهم آنذاك لا يتعدى بضعة آلاف، إذ تعرضت القلة القليلة الباقية لعمليات اضطهاد وتمييز وإقصاء، وعمليات اعتقال تعسفية لم يسبق لها قبل ذلك مثيل.

في انقلاب يوليو (تموز) 1968، والذي سيطر فيه حزب البعث بقيادة أحمد حسن البكر، ونائبه صدام حسين على مقاليد الحكم في العراق، واجه اليهود البالغ عددهم في تلك الفترة 3350 مواطنًا يهوديًّا لحملات تصفية واعتقالات جماعية، وإعدامات ميدانية مؤلمة جدًّا، إضافة إلى الاستيلاء على كافة ممتلكاتهم، إذ سبق تلك الفترة في عهد عبد السلام عارف سنة 1966 أصدار قرارات تعسفية بحقهم، ومنُعوا على إثرها من حق التعليم والالتحاق بالجامعات العراقية، وكذلك إسقاط جنسياتهم وتجميد أموالهم ومصادرتها.

بالرغم من تاريخ اليهود العراقيين المؤلم جدًّا، الذي عاشوا خلالهِ أقسى عمليات الظلم والاضطهاد، والإقصاء والتمييز العنصري، فإن ذلك لم يُوقفهم من الإسهام في تطوير المجتمع، وترك بصماتهم اللامعة في سماء الفن العراقي، إذ ساهموا في تطوير النظم القضائية والبريد أثناء حكم الانتداب البريطاني، إضافة إلى إسهاماتهم في تنمية الاقتصاد العراقي لكون الكثير منهم رجال أعمال وأثرياء، ومضطلعين بعلوم الاقتصاد والتجارة، كما تميزوا أيضًا، رغم كل معاناتهم، بالإبداع، والأمانة، والإخلاص في الأعمال التي كانوا يؤدونها وهذا ما أكدتهُ جميع المصادر المعتبرة، التي أشارت إلى أن اليهود في العراق كانوا أحد أبرز طوائف المجتمع العراقي المعروفة بأصالتها، ووفائها، والالتزام بوطنيتها، فحب العراق والحنين إليه ما زال يتملك قلوبهم حتى يومنا هذا.

وهنا نُشير إلى أشهر الفنانين العراقيين اليهود، الذين تركوا بصماتهم الإبداعية الجميلة في الفن العراقي، أمثال سليمة مراد الملقبة بالباشا، والموسيقار العراقي الكبير صالح يعقوب عزرا، وداوود يعقوب عزرا، وساسون الكمنجاتي، ويوسف زعرور الكبير وابن عمه يوسف زعرور الصغير، وحوكي بتو عازف السنطور، ويوسف حوريش قارئ المقام العراقي، وحسقيل قصاب، وخبير المقام العراقي سلمان موشي، ويعقوب العماري، والملحن سليم النور، ونجاة العراقية التي توفيت في إسرائيل سنة 1989، والكثيرين غيرهم الذين أثروا التراث العراقي الأصيل، وفي عام 1948، أسس التجار والأثرياء اليهود استوديو بغداد السينمائي الذي أُنِتج فيه أفلام ناجحة، منها عاليا، وعصام، وليلى في العراق، وكان ملحقًا به (استوديو هاماز) مختبرًا لتظهير الأفلام التي يصورونها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يهود العراق

المصادر

عرض التعليقات
s