كل صاروخ يطلق على سيارة ملغمة يوقفها عن التقدم، كلفته 100 ألف دولار! قذيفة صاروخية أخرى، يحملها أحد عناصر الحشد ويطلقها في المعارك تسمى “قذيف الكرانيت” تكلف 50 ألف دولار! وبمثل هذا الوضوح التام للقيمة المُبالغ فيها، سَرَد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قصة الأموال في العراق، وأين تذهب.

وختمها بعبارة رشيقة وواسعة الدلالة تقول: “مصاريف المعركة يشيب لها الرأس”، حتى مئات الجرحى في المستشفيات، ليس لدينا الأموال الكافية لهم.

أين ذهبت الأموال ؟

لكن أين ذهبت كل هذه الأموال، فالعراق بلد غني، لديه نفطه وزراعته وصناعته وتجاره وبيوت المال، فماذا يحصل بأمواله؟

ذهبت الأموال أولا: للفساد ! والفساد يشكل أكبر مصرف من مصارف ميزانية العراق، فلا يكاد يخلو مشروع واحد، وخاصة في صفقات التسليح، من غير فساد يصل إلى ما فوق النصف، وكما قال البعض: إن في العراق حقيقتان: فساد في كل مشروع، وسوء أمني في بغداد!

وهذا الفساد يدخل في مفاصل الدولة كلها، من الصناعة النفطية حتى مكاتب الرئاسات الثلاثة! كما ذهب لإدامة زخم المعارك على جبهات طويلة تمتد بين الأنبار وصلاح الدين ونينوى، حيث سجلت صفقات سلاح شابها فساد رهيب، عبر عنه أحمد الجلبي: بأن صفقات السلاح وفسادها المهول يمثل إرهابا جديدا.

كان العراق في موازناته السابقة قبل عامين يضع 75% من وارداته النفطية للنفقات التشغيلية للدولة، أما الآن فقد نزلت الميزانية إلى ما دون الـ 40% وهو ما يعني أن هناك خطرا على الموظفين يصل إلى النصف.

المالكي بدد الأموال!

دعونا نعد لأصل القصة، في ولايتين لنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، وعلى مدار 8 أعوام، دخل للعراق نحو 800 مليار دولار!  هو رقم كبير جدا، يفوق ميزانيات الأردن وسوريا لنحو خمسين عاما تقريبا!  لكن العراق لم يكسب من كل تلك الأموال شيئا، فعلا: تبخر كل شيء تحت بنود الفساد والتسلح والمشاريع الوهمية.

حكومة تعيش على بناء غيرها

حتى مباني الوزارات العراقية، ومباني البرلمان ورئاسة الوزراء، والقصور التي يسكنها السياسيون الحاليون، كلها من مخلفات النظام السابق، ولم يبنوا بيتا ولا مؤسسة ولا وزارة ولا أي شيء على الإطلاق، رغم كل تلك الأموال.

وفي آخر عام له، مد نوري المالكي يده في نهاية المطاف إلى الاحتياطي النقدي في البنك المركزي، كان العراق يمتلك نحو 85 مليار دولار قبل عامين، وبعد أن مد نوري المالكي يده إلى الاحتياطي بدأ العدد بالنقصان، حتى وصل إلى أقل من 60 مليار دولار خلال عامين فقط، والعدد في تناقص، وبات الإعلان عن القيمة الحقيقية للاحتياطي من الأسرار، وتشير معلومات إلى أنه وصل إلى خمسين مليار فقط.

نازحون بلا مال

في العراق 3 ملايين نازح وأكثر، خرجوا من بيوتهم لأن القوات الأمنية خسرت في معاركها أمام داعش، ما أدى إلى نزوح كل هؤلاء، ورغم أن القوات الأمنية هي من تسبب بالنزوح لعدم حمايتها للمدن، فإن النازحين لم يُدعموا، ولم تصل إليهم مخصصات ومساعدات تم الحديث عنها كثيرا دون جدوى، ويبدو أن الأموال المخصصة للنازحين قد سرقت هي الأخرى وحسبت على الميزانيات، لكنها لم تصل لأيدي الفقراء، بل زادت الفاسدين فسادا، فضاع المال وضاع النازحون.

 

الحشد الشعبي بيت المال

وفي العراق كيان تشكل حديثا اسمه: “الحشد الشعبي”، وهو مليشيات كانت تقاتل في العراق بلا غطاء قانوني، ثم قرر نوري المالكي جمعها في مؤسسة واحدة، بعد تهديدات جدية من داعش باقتحام بغداد وكربلاء، وأعطيت تلك المليشيات صيغة قانونية من مجلس الوزراء من غير تصويت البرلمان.

تضغط هذه المؤسسة على الميزانية، وكلما زادت مساحة معارك الحشد الشعبي ونفقات التسلح، قل الإنفاق على النازحين وشبكة الحماية الاجتماعية والصحة.

داعش يخطط للمال!  ولعل تنظيم داعش يحاول هو الآخر أن يخلط الأوراق، ويفتح معارك جديدة حول سامراء والأنبار وبيجي، ويفعل ذلك قريبا من أربيل، كمحاولة منه لاستنزاف أموال الدولة العراقية، فاستمرار الحرب يعني استنزاف الأموال وإرهاق الاقتصاد وإنهاء المشاريع في البلد بشكل كامل.

لا تفعل داعش ذلك مع حكومة بغداد فقط، بل تفعله مع أربيل كذلك، فجولة سريعة في عاصمة كردستان العراق، يبدو أن المشاريع قد توقفت ورءوس الأموال قد غادرت، ووصل سعر العقارات إلى ما دون نصف ما كان عليه قبل نحو عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد