على وقع الأحداث المتسارعة في مجلس النواب العراقي خلال الأيام الماضية، بدا وكأن البعض مأخوذ بــ«مفاجأة» التحركات التي قام بها ما يقرب من نصف عدد أعضاء البرلمان أو أكثر من ذلك حسب التقديرات، والتي بدأت بإعلان الاعتصام داخل البرلمان وصولاً إلى عقد جلسة علنية تمت فيها «إقالة رئيس البرلمان ونائبيه بالإجماع» ضمن خطة أعلنوا عنها «لإنهاء المحاصصة السياسية وإقالة الرئاسات الثلاث: الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب».

وعلى وقع تلك الأحداث سرعان ما بدا الانقسام واضحًا لدى الطبقة السياسية والكتل التي تشكلها، وهو ما عكس نفسه على طبيعة الصورة التي يمكن رسمها من خلال استقراء بسيط لمرجعية النواب المعتصمين السياسية التي ينتمون إليها.

فبعد موقف اتحاد القوى المنتمي إليه رئيس البرلمان المقال، وفصله لأحد أعضائه من المشاركين في جلسة الإقالة، وما تبعه من موقف مشابه من قبل التحالف الكردستاني، وغياب نواب كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي عن الجلسة، يصبح واضحًا تقريبًا أن كتلة دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، إضافة إلى كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، هما اللاعبان الرئيسيان في مشهد اعتصام النواب إضافة إلى بعض الوجوه السياسية الأخرى.

إن الاستنتاج الأخير ترافقه مفارقة غريبة، ذلك لأن كلًّا من التيار الصدري ودولة القانون بل والصدر والمالكي شخصيًّا بينهما تاريخ واضح من العداء والخصومة، والذي وصل حد تبادل الانتقادات اللاذعة وآخرها وصف الصدر في بيانه الأخير للمالكي بأنه «قائد ضرورة» تشبيهًا له بصدام حسين، واتهامه له بشكل غير مباشر بأنه يحاول استغلال مطالب الإصلاح وتجييرها لنفسه، ورد المالكي بأن منتقديه يفتقدون الرؤية المتكاملة للإصلاح.

ومما يزيد الأمر غرابة، أن النواب المعتصمين أعلنوا أنهم يهدفون من خلال تحركهم هذا إلى إنهاء المحاصصة الطائفية والحزبية التي سادت العملية السياسية العراقية بعد 2003، وهذا في حد ذاته يثير أكثر من علامة استفهام حول جدية هذا الطرح؛ كون غالبية المعتصمين هم من النواب المخضرمين في البرلمان العراقي منذ دورته الأولى عام 2006 أي أنهم بالدرجة الأساس جاؤوا بشكل أو بآخر بموجب هذه المحاصصة، بل إن بعضهم قد تسلم الوزارات والمناصب الرسمية فيما سبق.

إضافة إلى أن هذا التحرك جاء على النقيض من زيارة سريعة لوزير الخارجية الأمريكي إلى بغداد، والتي أعلن فيها دعم بلاده لرئيس الوزراء حيدر العبادي، وحث الأخير على المضي قدمًا في برنامج الإصلاح الذي يتقاذف كل من البرلمان والحكومة المسؤولية بشأن تأخره وعرقلته، خصوصًا وأن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها بغداد نتيجة انخفاض أسعار النفط – الشريان الوحيد تقريبًا للاقتصاد العراقي – واستمرار المعركة ضد داعش وما يترتب عليها من تكاليف باهظة، إضافة إلى استشراء ثقافة الفساد المالي والإداري، كل ذلك جعل فشل الدولة وانعدام كفاءتها واضحًا لدى المواطن العراقي الذي وجد نفسه ضحية هذه الأزمة فيما لا تزال المصروفات والامتيازات الخيالية سارية المفعول لمجمل الطبقة السياسية.

إن المشهد الحالي في البرلمان العراقي يلخص عاصفة المتناقضات التي تشهدها الحياة السياسية العراقية، تلك الحالة التي رافقت العملية السياسية منذ بدايتها، وزاد من تلك المتناقضات توقيت هذا الحراك الذي بدا وكأنه تمرد على تقاليد العملية السياسية وأعرافها، بينما هو في الحقيقة أقرب إلى «إعادة ترتيب» للمشهد السياسي حيث تزاح وجوه أو هكذا يراد لها، لتحل محلها وجوه أخرى جديدة أو سابقة ولكن بشكل أكثر قوة.

ولتبقَ الأيام القادمة هي المحك الحقيقي لجدية المعتصمين خصوصًا مع إمكانية دخول العامل الأمريكي على خط الأزمة، وهو الدخول الذي تفرضه الظروف بحكم الرعاية المعنوية الأمريكية للعملية السياسية مع ما يضاف إليه بصورة أكثر تأثيرًا من تدخل إقليمي لدى الكتل السياسية التي تتجاذبها الأطراف الإقليمية ودول الجوار، عدا عن ظروف المعركة مع داعش والأزمة الاقتصادية الصعبة، وهذان العاملان وحدهما كافيان لإيجاد مخرج سريع لأزمة العراق القديمة الجديدة: التركيبة الهشة للنظام السياسي، والتي أصبحت كداء يتعايش مع المصاب به ويقتات عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد