لا تخلو تجارب الشعوب الحية من تواريخ سوداء مهينة ومخزية جنبًا إلى جنب التواريخ البيضاء الناصعة والنقية، وإذا طبقنا هذا القول على الشعوب الأوروبية، وخصوصًا خلال فترة الخمسة قرون الماضية، أي تمامًا قبل الثورة الصناعية، فسنجدها مليئة بتواريخ الخيانة والمؤامرات والحروب والاحتلال، إضافة إلى الأوبئة والدجل والشعوذة والسحر والخرافات.

هذه الفترة المظلمة التي استمرت طويلًا حتى كانت شرارة النهضة الأولى فيها من خلال فكر وجهد فلسفي شارك فيه فلاسفة كبار مهدّوا الطريق، خصوصًا للثورة الفرنسية التي مرت بعدة مراحل استمرت بين عامي 1789- 1799، وكان للفلاسفة «فولتير، جان جاك روسو، مونتسكيه» أكبر الأثر في هذه التحولات الدراماتيكية التي أثرّت في شكل الدولة الحديثة، وعلاقتها برجال الكنيسة. لم تكن الثورة الفرنسية ضدّ النظام الملكي وطبقة النبلاء الأثرياء والإقطاع فقط بل كانت موجّهة أيضًا ضدّ طبقة القساوسة ورجال الدين الذين كانوا الحاشية والبطانة الخلفية للملك التي يمسك من خلالها زمام الأمور على الشعب الفرنسي الجائع، ويمنحه بركة الآلهة من خلال شرعنة الحكم الملكي، وإضفاء المسحة الكهنوتية عليه .. لذلك فليس من باب الصدفة أن يكون أحد شعارات الثورة هو «اشنقوا آخر ملك بمصارين آخر رجل دين» !!

أتوقف بعد هذه المقدمة لأنني سأقارن هنا بين مجتمع أوروبي عاش الانحطاط قبل الثورة الصناعية، وبين مجتمعنا الذي يعيش في حالة انحطاط حالي فرض عليه لعدة أسباب خارجية وداخلية لسنا بصدد شرحها الآن، وأيضًا فأنا لا أريد الاسترسال في سرد قصص اعتدنا على ترديدها، واعتدتم على سماعها، بقدر ما أريد أن أطرح سؤالًا مباشرًا يراودني منذ زمن وهو:

كيف يمكننا في العراق أن نتخلص من أحكامنا المسبقة تجاه بعضنا الآخر في سبيل الوصول إلى مرجعية عراقية وطنية موحدة تؤمن بالإنسان العراقي غايةً ووسيلةً؟

لقد غيّر الفرنسيون تاريخهم في القرن السابع عشر من حكم الملكية ورجال الدين إلى الجمهورية العادلة تحت ثلاث مبادئ رئيسية ما زالت تمثل حتى اليوم أهم ركائز الجمهورية الفرنسية وهي: «حريّة، إخاء، عدالة»، في حين سار البريطانيون نحو ديمقراطية حرة راسخة بعيدًا عن سطوة الملك، تمثلت في أعرق برلمان عرفته الديمقراطيات على مرّ العصور، أما نحن في العراق وبعد 230 سنة من ثورة الفرنسيين وبرلمان البريطانيين وتحرير السياسة من ميتافيزيقيا الدين، فإننا ما زلنا نتخبّط في دمائنا، في ذلّ وعبودية راسخة، فقد قتلنا ملكنا في عام 1958، وقتلنا معه مشروع الحرية البرلمانية التي كانت سائدة في عصره، وأكملنا سيرنا بعد احتلال فريد من نوعه في عام 2003 من الجمهورية الشكلية التي كانت سائدة بعد الملكية إلى الديكتاتوريات الدينية الملتحفة بعباءة الديمقراطية الكاذبة! ولا أدري بأي عار سيذكرنا التاريخ وتحت أي مسمّى؟ فهذا متروك للأجيال القادمة.

وعلى الرغم من عدم اتفاقنا، واختلاف وجهات نظرنا على بعض المسميّات والمصطلحات والمفاهيم التي كانت سائدة خلال النصف قرن الماضي من الحياة السياسية في العراق، إلا أنني أتوقع أننا متفقون على الأقل في أننا نسير بسرعة جنونية إلى الخلف، وماضون في التقهقر المميت إلى الوراء قياسًا ببلدان كانت فاشلة حتى زمن قريب! إذا كنت لا توافقني الرأي فأرجوك أن تتوقف هنا وألا تكمل القراءة.

يشكّل الوعي الجمعي التراكمي إحدى أدوات المعرفة المستمرة للشعوب، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على التعليم والصحة والخدمات؛ لذلك لا أستغرب عندما أرى وأشاهد استهداف قطاع التعليم في العراق، هذا القطاع الذي حاز في السبعينات إعجاب وإشادة اليونسكو والمؤسسات الدولية الأخرى! والذي يستند أيضًا بشكل قوي ومشروع الى قطاعي الصحة والخدمات، وجميع هذه القطاعات جرى تدميرها وفقدت في عراق بعد 2003 بصورة مقصودة ومفتعلة.

الجميع يعلم أن أغلب التغيّرات الكبرى والمعارضات الشعبية تمر في صراعات صعبة تدور حول التغيّرات المحتملة في المجتمعات المغلقة، نحن هنا لا نواجه تغيّرات محتملة في مجتمع مغلق فقط، وإنما نواجه أيضًا مؤسسات دولة فاشلة ومتآمرة مع سبق الإصرار والترصد! فكيف إذن يمكننا الخروج من هذه المهمة المعقدة؟ فكلما نحاول أن نمسك بطرف الخيط للبدء في وضع الحلول، نجد أن طرف الخيط الذي في أيدينا تخرج له أطراف أخرى ويتشتت الجهد ونفقد البوصلة!

في العراق حيث لا وجود لمرجعية دينية واحدة، ولا وجود لرئاسة واحدة، ولا وجود لجيش واحد، أو طائفة متناسقة واحدة، تتعقد المسائل فيه أكثر مما كانت في أي وقت مضى، ويصبح التحدي الأكبر هو ضرورة إيجاد مرجعية عراقية جامعة يقدسها ويحترمها الجميع، خلال السنوات الماضية فشلت جميع أنواع المرجعيات التي حاولنا أن نتبناها، ومنها: المذهبية، والطائفية، والعرقية، والقومية، وحتى ظهور شعار المدنية الذي «لم أعوّل عليه شخصيًّا» لأسباب عدة، يبقى السؤال المهم الذي يجب أن يبحث عن إجابته الجميع: أي مرجعية ستصلح لبلد متنوع مثل العراق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد