هل استطعت يومًا إقناع أحد الأشخاص بوجهة نظرك السياسية المغايرة لخصمك السياسي حتى لو بينت له كل الحقائق والأرقام عن أحقية وجهة نظرك السياسية؟

سوف يبرر لك وجهة نظره التي تعاكس وجهة نظرك السياسية، وأن نظرته هي الأصح، وسيكون الاتهام متبادلًا بعدم وجود توافق في وجهات النظر، فهو ينظر إلى مفهوم العدالة والحرية والسلطة والديمقراطية التي تحاول تفسيرها حسب وجهة نظرك السياسية وفق زاويته في النظر الى هذه المفاهيم فهو يفهمها بمنظار غير المنظار الذي تمتلكه داخل إطار الوعي الذاتي لكل فرد في تحليل المفاهيم حسب البيئة التي عاش فيها.

هنالك تساؤل يطرح نفسه دائمًا: هل كل الأفراد تستخدم العقل والتفكير العقلاني في السياسة! هل نمتلك وعيًا سياسيًا غير منحاز؟ لماذا كل فرد مقتنع بأن رأيه هو الأصح، ولديه حجج وبراهين تثبت ذلك؟ هذه التساؤلات عن تشكيل وجصاهات النظر السياسية المختلفة يمكن تفسيرها من خلال تطبيق نظرية وضعها جوناثان هايد Jonathan Haidt عالم النفس الأمريكي، في كتابه The Happiness Hypothesis، حيث يفسر طبيعة الإنسان في التفسير وتكوين وجهة نظره من خلال الاستعارة، يوضح جوناثان في نظريته أن الانسان من حيث التفكير هو عبارة عن عقل صغير راكب أو يقود فيل ضخمًا، وأن الفيل هو من يحرك العقل ويبرر له صحة وجهته، حيث العقل يمثل المنطق والتفكير العقلاني، لكن هذا العقل قدرته محدودة في التحكم في تحركات الفيل الضخم، مع أن العقل الراكب للفيل يظن أن هو المتحكم بالفيل، أما الفيل فيمثل الجانب العاطفي للإنسان فيمثل كتلة ضخمة من المشاعر والذكريات والانطباعات، إن الفيل يبرر للعقل الراكب أسباب اختيار وجهة النظر، وليس العقل هو المبرر. وفي حالة تعارض العقل مع رغبة الفيل فسيشكل ذلك أمرًا خطيرًا، حيث ستتصادم رغبة الراكب مع رغبة الفيل في اتخاذ الطريق الذي سيسلكهما الفيل والراكب معًا.

كانت الصورة التي توصلت إليها بنفسي، كما تعجبت من ضعفي، أنني كنت راكبًا على ظهر فيل. أنا أمسك باللجام في يدي، وأسحبه الى إحدى الطرق أو الأخرى، حيث يمكنني أن أقول للفيل أن يتحول أو يتوقف أو يذهب. يمكنني توجيه الأشياء، ولكن فقط عندما لا يكون لدى الفيل رغبات خاصة به. عندما يريد الفيل حقا فعل شيء ما، فأنا لست متطابقًا معه.

لناخذ مثالًا توضيحيًا على ذلك: عندما يصدر من الحاكم شيء كتصريح أو ردة فعل سياسية، سترى أغلبية معينة من المجتمع تؤيد هذا الحاكم مباشرة بدون أي منطق عقلاني، ويهاجم الطرف الآخر الرافض لعمل الحاكم، وسيكون لهم انحياز منذ البداية، وهذا ما يسمى بالانحياز التأكيدي، مثال ذلك جماعة تنصاع لقائد حزب أو مليشيا أو رئيس وزراء أو حتى رجل دين، عندما يصرح تصريحًا يتحرك الفيل الذي يمثل الجانب العاطفي بسرعة ليبرر للعقل أن هذا الحاكم أو رئيس الحزب أو رجل الدين هو ممثلنا وقدوتنا ورمزنا وتاج رأسنا بدون أي منطق أو تفكير عقلاني، إن هذا الفيل الذي برر بطبيعة الحال هو الذي يحمل الذكريات والمشاعر وطبيعة وفكر ومعتقد الفرد وبيئته وأسلوب حياته ليبرر بذلك العقل على أساس ما يقرره الفيل، وبالنتيجة فإن الفرد يقتنع بأن قراره أو وجهة نظره نابعة من العقل، لكن في الحقيقة هي نابعة من تفسير الفيل الضخم إلى العقل بعقلانية وجهة النظر تلك.

إذا أردنا المقارنة من حيث مستوى الثقافة والتعليم التي يمتلكها الفرد لحسابها كعامل مؤثر في تحديد وجهة النظر للفرد فالنتيجة واحدة، سواء كان هذا الفرد جاهلًا غير متعلم أو فردًا يمتلك شهادة علمية عليا، حيث يختلف الفرد المتعلم في التفسير من خلال تأكيد وجهة النظر عن طريق البحث في الحقائق والأرقام الذي يراه الفيل مناسبًا فهو يبحث في الحقائق من زاوية واحدة يبرر فيها الفيل للعقل بأنها الزاوية الأصح والأكثر منطقية دون النظر إلى الزوايا الأخرى، في حين الفرد الجاهل يتحرك ضمن ما يراه أمامه بسرعة ودون التساؤل، سوى أن الفيل يبرر للعقل بصورة أسرع بدون البحث في الأرقام والحقائق بأن وجهة نظره هي صواب العقل، وفي الحالتين النتيجة واحدة، وتصب في مصلحة الانحياز التأكيدي.

على سبيل المثال إذا حدثت تظاهرة في منطقة معينة تختلف من حيث المناطقية والتركيبة الاجتماعية عن معتقد وأفكار ومذهب المتابع للحدث، وحصل في هذه التظاهرة رد عنيف من قبل قوات الأمن، سيقرر الفيل أن هؤلاء خونة وعملاء وإرهابيون وضد الحكومة ليخرج القرار كأنه من العقل ليصب في مصلحة الحكومة ضد تلك التظاهرات، أما إذا نفس الحدث حصل في منطقته ومع نفس أفراد منطقته أو قبيلته، فسيبرر الفيل للعقل أن هذه مظاهرة تطالب بالحقوق، وأن قوات الأمن هم من استخدموا القوة ضد المتظاهرين، إن الفيل هو من يتحكم بالعقل، ويبرر قراره بأنه منطقي ونابع من العقل، وليس من الفيل.

  استغل الكثير من السياسيين العراقيين  مخاطبة الفيل وكسب صوته في الانتخابات وفي الولاء والطاعة، مثال آخر: شخص من تيار إسلامي لا يمكن أن يقنع شخصًا من تيار علماني؛ لكون الفيلة في حالة تصارع وخلاف، لكن إذا كان الفيل من تيار إسلامي، فيستطيع إقناع إسلامي آخر، إن الفيل العلماني لديه وجهة نظر صحيحة، متى يغير الفيل رأيه ويقتنع بالعقل؟ فقط من خلال التجربة، ومثال على ذلك اقتنع كثير من العراقيين أن الاحزاب الإسلامية التي تسلمت السلطة مجموعة من السراق بحكم التجربة التي مر بها العراق، وليس من خلال الاقتناع بالعقل الذي يقر  ضد الأحزاب الفاسدة التي تسرق باسم الدين والطائفة والمذهب بعد أن كان الفيل مقتنعًا سابقًا بأن الأحزاب الإسلامية تمثل وجهة نظره، ولكن التجربة المريرة نتيجة فساد هذه الأحزاب غيرت من رأي الفيل ليبحث عن البديل.

إذا رجعنا قليلًا إلى الوراء إلى أحداث 2013، وقبل ظهور تنظيم (داعش) في العراق، وما سبقه من مظاهرات شعبية حصلت في المناطق الغربية من العراق للمطالبة بالحقوق ورفع المطالب إلى الحكومة العراقية لغرض تنفيذها، ورغم بعض الأخطاء وركوب الموجة من قبل بعض المندسين والمنتفعين من السياسيين ورجال الدين المرتزقة وقادة الأحزاب الفاسدة، قوبلت هذه المظاهرات برد سلبي من قبل الحكومة، وأهملت حقوق المواطنين البسطاء، وما تصريح رئيس الوزراء نوري المالكي في حينها: هذه فقاعة ستنتهي، ونحن نقول لهم انتهوا قبل أن تُنهوا محذرًا بها الحشود المتظاهرة، فسرت هذه الأحداث من قبل باقي المناطق والمحافظات التي تختلف بتركيبتها المذهبية والطائفية بأن هذه المظاهرات تمثل مجموعات إرهابية وبعثية هدفها إسقاط الحكومة ومحاربة النظام الديمقراطي، وأن رد فعل القوات الحكومية ضد هؤلاء المتظاهرين وتصريح رئيس الحكومة في وقتها منطقي ووطني، هنا من برر وجهة النظر هذه هو الفيل، وليس العقل، وما يحدث الآن من مظاهرات شعبية في جنوب العراق في 2018، وخاصة في البصرة التي شهدت تظاهرات شعبية ضد الطبقة السياسية الفاسدة، ولانعدام فرص الحياة والخدمات، والتي هي بالأغلب مشابهة لمطالبات الجمهور في المناطق الغربية في سنة 2013، لقت ترحيبًا ورضًا كاملًا من قبل الجمهور الذي يعيش في هذه المناطق وينتمي لنفس التركيبة الاجتماعية، حيث برر الفيل إلى العقل أن هذه المظاهرات حق من حقوق الشعب، وأن الحكومة فاسدة وردت بعنف ضد مطالبات المتظاهرين مع أنها نفس الطبقة السياسية الحاكمة في 2013 وفي 2018، حيث قرر الفيل محاربة الأحزاب الفاسدة من خلال التجربة المريرة، وليس من خلال العقل ليبحث عن البديل، في المقابل ينظر المتابع الى هذه التظاهرات والذي يعيش في منطقة تختلف عن المنطقة التي حدثت فيها التظاهرات من حيث الفكر والمعتقد أن هؤلاء المتظاهرين هم السبب فيما وصل إليه العراق من خراب وفساد نتيجة انتخابهم لنفس الوجوه التي تستمر بسرقة العراق، الفيل أيضا يبرر للعقل مرة أخرى.

حتى في التصويت خلال الانتخابات فإن الفيل هو الذي يختار من يمثله لا العقل ولا نتيجة الوعي السياسي، ونتيجة التجارب المريرة تقلصت نسبة المشاركة في الانتخابات على مدى الحكومات المتعاقبة على السلطة والانتخابات الأخيرة في 2018 خير دليل على رفض الفيل لهذه التجارب التي لم تعد بالفائدة على المجتمع والوطن حيث تقلصت نسبة المشاركة في التصويت مقارنة بانتخابات تشريعية سبقتها، حيث قرر الفيل البحث عن بديل رافضًا هذه الكتل والأحزاب، وطاعنًا بشرعيتها، لكن ما تزال تلك المشكلة مستمرة في أن العقول ما زالت تبرر للفيلة التي تنتخب نفس الوجوه والشخصيات طوال السنين التي مضت نتيجة التفكير اللاعقلاني محكومًا بوعي ذاتي ضيق تملؤه أفكار الدين والقومية والمذهب بدون أن يخرج بوعي سياسي غير منحاز يحكمه العقل بعقلانية بعيدًا عن تأثيرات الفيل الذي يتغذى من الإعلام الحزبي الموجه، والبيئة والمناخ الذي يعيش فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Jonathan Haidt: The Contributions of a Moral Psychologist and Rider of Elephants
امتداد المظاهرات المناهضة للمالكي
عرض التعليقات
تحميل المزيد