منذ عام 2003، والعراق يتذيل كل ترتيب، ابتداءً بأسوأ عاصمة للعيش، وانتهاءً بأسوأ جواز سفر، وحتى السنوات التي سبقت سقوط النظام هُناك، كان العراق تحت خيمة الحصار الاقتصادي، لكن لم يتساءل أحد يومًا: لماذا هذا الدمار في العراق مهد حضارات الدنيا؟ ولماذا الشعب في صمت؟ ولماذا الآن بدأوا يتكلمون، وانتفضوا؟ الجواب ببساطة هو: الجيل الحالي العظيم. كيف؟

إن صنعت جيلًا شابًا مثقفًا، فهذا الجيل سيكون حَطَبًا لحرق أي نظام فاسد لا يُرضي متطلبات شعبه، فما بالك إن كان هذا الجيل عراقيًّا. هذا ما حدث، أبى هذا الجيل أن يبقى العراق على ما هو عليه، من سلب لخيرات بلده، وتفشي الفساد، وسيطرة القوى الخارجية على صنع القرار في الداخل، وكأن النفوس وصلت حدها من رؤية الظلم إزاء هذا الشعب.

لم يكن هناك خيار للشعب إلا أن يخرج مُنتفِضًا ومُطالِبًا بحقوقه المسلوبة، حتى بدأ سقف المطالب يرتفع أكثر وأكثر إلى أن وصل حد مطالبهم إلى حل الحكومة وإسقاطها، وهذا ما حدث في الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني) للعام الماضي، حين قدّم رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي استقالته للبرلمان. ورغم ذلك لم تُخمَد نار الثورة، بل بدأت بالاشتعال أكثر، خصوصًا قبل اختيار رئيس الوزراء الحالي محمد علاوي الذي رفضوه.

كيف سقط الشُهداء؟

الأساليب التي اتبعتها الأحزاب الحاكمة، التي لم تُبق أسلوبًا قمعيًّا لم تستخدمه عن طريق مليشياتها، التي ترتبط بها بصورة علنية.

زجت عناصرها في قوات الشغب، واستخدمت القناصين في قتل المتظاهرين بصورة مباشرة، وحتى قتل عناصر من قوات الأمن محاولةً لزرع الفتنة بينهم وبين المتظاهرين، ما عدا الهجمات المتفرقة للمليشيات على سوح التظاهر بين فترة وفترة، وفي كل مرة يخيب ظنّ هذه الأحزاب في إنهاء الثورة العراقية التي سُميت بـ«ثورة تشرين»، نظرًا إلى بدئها في شهر تشرين (أكتوبر).

فإن تساءلت لماذا انتفض الشعب الآن، فالجواب ببساطة هو: هذا الجيل الذي يختلف عن كُل الأجيال؛ فما يرونه من تقدم لباقي البلدان من إعمار وخدمات، يجعلهم يتساءلون عن سبب كون بلدهم متذيلًا، على الرغم من امتلاكه للنفط والخيرات، وما يرونه من سيطرة القوى الخارجية على بلادهم.

ماذا كانت المطالب؟

ما لفت الانتباه أكثر، أن في كل الثورات والمظاهرات في أي بلد كان، تكون هناك مطالب متمثلة بالخدمات، والحقوق، وإسقاط الحكومة.. إلخ، في انتفاضة تشرين كانت هذه المطالب موجودة بالطبع، لكن كان هناك مطلب آخر: «نريد وطن»، كان هذا أكبر شعار للمتظاهرين، ومن الغريب أن ترى مواطنين بلا وطن، ومن الغريب أن ترى إنسانًا يُطالب بـ«وطن»، لكن هذا يحدث إذا كنت عراقيًّا.

من شارك في انتفاضة تشرين؟

كان للطلاب – مدارس وجامعات – دورًا محوريًّا في هذه الانتفاضة، فقد نطموا وقفات احتجاجية تضامنًا مع المتظاهرين. ولولاهم لربما انتهت هذه الثورة قبل أن تبدأ، فمن المعروف في كل الثورات على مر التاريخ أن الطلاب هم أكبر ورقة للضغط على السلطة الحاكمة في تنفيذ المطالب وفي نجاح الثورات، ولهذا فالطلاب كانوا العمود الفقري لانتفاضة تشرين.

فقط بغداد؟

منذ سنوات قليلة، بدأ العراقيون إحساسهم بالتخلص من الطائفية التي أدت بالبلاد إلى ما هو عليه. حتى أتت هذه الثورة وسحقت الطائفية إلى الأبد. لم تنتفض بغداد فقط، بل تلتها محافظات عدة كالناصرية، والبصرة، والنجف، وكربلاء، والديوانية، وأصبحنا نرى أبناء المحافظات يتضامنون فيما بينهم بعيدًا عن مسمياتهم الطائفية.

انتفاضة تشرين قد تكون هي البوابة الجديدة للمرحلة المقبلة للعراق وربما للشرق الأوسط. فإن نجحت لربما نرى شكلًا جديدًا للعراق يختلف عن سابقهِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد