منذ بداية الاحتجاجات الشعبية في العراق، والتي انطلقت من جنوب العراق، في يوليو الماضي، وامتدت إلى محافظات الوسط والعاصمة بغداد، والقنوات التلفزيونية الحكومية والحزبية، ترفض التعامل بحيادية ومصداقية مع تلك المظاهرات، أو تسليط الضوء على مطالب المتظاهرين التي كانت في بدايتها مطالب بسيطة، تتمحور حول توفير الخدمات الأساسية التي هي من حق أي إنسان يعيش على المعمورة أن يتمتع بها.

جميع القنوات التلفزيونية التابعة لأحزاب السلطة، والتي يتجاوز عددها أكثر من 15 فضائية، تعاملت مع الاحتجاجات بطرق حقيرة وخبيثة؛ تجاهلت مطالب المتظاهرين الحقة، وركزت على مظاهر جزئية رافقت الاحتجاجات، كاقتحام بعض المتظاهرين مقرات أحزاب السلطة، أو قذف رجال الأمن بالحجارة من قبل بعض المتظاهرين، لكن قتل 15 متظاهرًا وإصابة المئات برصاص عناصر تلك الأحزاب، واعتقال القوات الأمنية آخرين وتعذيبهم، لم يثر اهتمام القنوات التلفزيونية الحزبية، التي اجمعت على تضليل الناس وتشويه صورة المتظاهرين، ذلك بتبني موقف الحكومة وقادة الأحزاب، الذين نعتوا المتظاهرين بالمخربين والمندسين، أو بالعملاء والبعثيين.

فضائيات وجدت لخدمة مصالح أحزابها، وتمجيد رموز تلك الأحزاب ورؤسائهم وقادتهم، لا تؤمن بمفاهيم المصداقية والحيادية في نقل الأحداث والأخبار والبيانات، تلك المفاهيم التي تعد أهم عناصر الصحافة والإعلام، ولم يكن من المتوقع أن تقف تلك الفضائيات مع مطالب المتظاهرين وتعرض مشاهد من صرخات المواطنين المطالبين بمحاسبة الفاسدين، ورحيل هذه الطبقة السياسية التي قذفت بالعراق إلى قعر الجحيم.

ازدواجية التعامل مع الاحتجاجات الشعبية في جنوب العراق، كانت السمة الأبرز في سياسة القنوات الحزبية والحكومية، التي طالما تباكت على مظلومية محافظات الجنوب في أيام حكم البعث، وخصصت برامج تصل مددها إلى ساعات، لتعرض، مرارًا وتكرارًا، مشاهد من قمع المواطنين المنتفضين وتعذيبهم، في عام 1991، من قبل عناصر الأمن آنذاك، وقد اتسمت الانتفاضة الشعبانية باللاسلمية والعنف، إذ أحُرقت، خلال هذه الانتفاضة، أغلب مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وقد طال التخريب المستشفيات والمدارس ودوائر خدمية أخرى، وما زالت الانتفاضة الشعبانية، بما رافقها من مظاهر، انتفاضة شعبية ضد الظلم والطغيان، ولا شك في ذلك، بينما هاجمت أغلب القنوات الحزبية مظاهرات الجنوب التي خرجت، سلمية، للمطالبة بتوفير الخدمات ومحاربة الفساد، واتهمت،تلك الفضائيات، المتظاهرين بشتى التهم الدنيئة.

إما قناة العراقية الحكومية الممولة من قوت الشعب، فكما عهدناها، لم تخرج من مستنقع الحزب الحاكم ودهاليز غرفه المظلمة، وكانت تغطيتها للمظاهرات تغطية خبيثة ومضللة، إذ اكتفت باستضافة شخصيات تابعة أو موالية إلى أحزاب السلطة، للحديث عن المظاهرات، ففي إحدى حلقات برنامج «بتوقيت بغداد» هاجم أحد ضيوف البرنامج المتظاهرين قائلًا: «إن أغلب المتظاهرين شباب ومراهقون ليس لديهم ثقافة التظاهر»، وأكمل «المندسون في المظاهرات كانوا بالمئات»! ولا ندري كيف تمكن هذا الضيف من تشخيص المندسين ومعرفة أعدادهم، فهل كان يعرفهم حقًّا؟. كل ما أراده الضيف هو تضليل المواطنين للوقوف مع إجراءات الحكومة في قمع المظاهرات وإنهائها.

فضائيات حزبية أخرى وجدت في المظاهرات تصفية حساب مع خصوم سياسيين، كقناة الفرات مثلًا، التي ركزت وأعطت المساحة الأوسع من تغطيتها للحدث على مظاهرات محافظة البصرة، بخلاف المحافظات الأخرى، فذلك لأن هذه الفضائية التابعة إلى تيار الحكمة، وجدت الفرصة في الثأر من محافظ البصرة بعد انسحابه من تيار الحكمة، الذي يتزعمه عمار الحكيم، وانضمامه إلى تحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

تلك الأحزاب تدرك الدور المؤثر الفاعل للقوة الإعلامية في تشكيل وعي الشعوب، وهذا ما يفسر وجود العدد الهائل من الفضائيات في عراق ما بعد 2003، التي دأبت على تضليل الرأي العام وحرمان المواطن من المعلومة الصحيحة، وهذه جريمة أخرى تضاف إلى سجل الجرائم التي اقترفتها الطبقة السياسية ضد العراق وشعبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!