في خضم الصراع الدموي الجاري في العراق الآن، بين تنظيم داعش من جهة، وباقي أطراف اللعبة الدموية الجارية في العراق من جيش الحكومة العراقية، ومليشيات الحشد الشيعي، إلى مليشيات البيشمركة الكردية، والحشد العشائري السني، ومن خلف كل هؤلاء قوات التحالف التي عمادها الرئيس هي طائرات الولايات المتحدة وقواتها البرية والتي تقدر بـ 5000 جندي.

يأتي السؤال هنا أين هي المقاومة العراقية الشريفة التي كانت تقاتل المحتل الأمريكي، والمسؤولة عن إجبار الاحتلال الأمريكي، الخروج من العراق سنة 2011؟  ولماذا لا نرى لها تأثير واضح على الأرض، عسكريًّا كان أم سياسيًّا؟ لماذا هذا الانزواء عن الساحة، في الوقت الذي يلتهب العراق من شماله لجنوبه بنارٍ لا يعلم أحد متى تنطفئ أو من سيطفئها؟

وللإجابة عن هذا السؤال، نرجع للماضي القريب وتحديدًا إلى سنة 2011، والتي شهدت انسحاب القوات الأمريكية من العراق. ذلك التحول الذي وضع الكثير من فصائل المقاومة أمام مراجعة فكرية ضرورية لإعادة رسم أهدافها، وتغيير خططها بما يتوافق وهذا التغيير الكبير، والذي حقق واحدًا من أهم أهداف تلك الفصائل المقاومة.

بعد ذلك الانسحاب حدث الكثير من اللغط والمناقشات داخل صفوف المقاومة، فمنهم من قال لقد انخرطنا بالعمل المقاوم نهدف منه تحرير البلد من الاحتلال الأمريكي، وبعد أن تم ذلك فما الجدوى من البقاء على نفس المعمل المقاوم؟ ومن سنقاوم؟ وهذه التساؤلات تدلل على ضيق أفق من صرّح بها، لأن المقاومة لم تكن لإخراج المحتل فحسب، وإنما لبناء دولة ومجتمع عراقي يجد طريقه للازدهار، بعيدًا عن التبعية لأي طرف أجنبي، إن كان أمريكيًّا أو غير أمريكي، وهذا ما لم يتحقق لحد الآن، فما زال البلد لحد الآن تحت الاحتلال الإيراني ممثلًا بالحكومة التي تحكم البلد الآن، والمليشيات المنتشرة بأرجاء البلد حاليًا وعناصر داعش المجرمة. نعلم إنَّ دافع هؤلاء لقول ما قالوه، كان هو التعفف عن دماء العراقيين والإيمان بحرمتها، وهو رأي يدلّل على مستوى عالٍ من الوطنية، ولكن تنقصه الحكمة كثيرًا مع الأسف. فالذي قام به عملاء المحتل بوجهيه الإيراني منه والأمريكي، لم يكن أقلَّ سوءًا من الذي قام به الاحتلالان بشكل مباشر، كما عليهم أن يدركوا أن الوقت لم يحن لترك الساحة لهؤلاء العملاء، وحين تركت المقاومة الأمر لهم، وصل الحال بالعراق إلى الذي نراه اليوم.

إن تلك الفصائل المقاومة تدرك أكثر من غيرها، أنَّ المعركة الحالية بين داعش وباقي أطراف اللعبة، والتي تهدف لتحطيم هذا البلد، ليست معركتهم، ولا يريدون الاشتراك في تحطيم البلد وحرق مقدراته الاقتصادية والبشرية، لأن جميع أطراف اللعبة هم دمى بأيدي إيران وأمريكا.

ولكن يجب عليهم أن يقولوا كلمتهم، وأن يكون لهم تواجدهم بالساحة، وأن لا يغيّبوا أنفسهم، في الوقت الذي يبحث الشعب عمن يقوده لطريق الخلاص، بل وصل الأمر بالشعب العراقي أن يتبعوا من يدّعي الإصلاح، وهو بالأمس كان أشدهم قتلًا بالشعب العراقي، كل ذلك بسبب غياب الصالحين عن دورهم وعن المكان الذي يفترض أن يتواجدوا به.

البلد الآن يتمزق، فلا توجد دولة بالمعنى الحقيقي لتحمي شعبها، وانتشرت المليشيات لتذيق الشعب صنوف العذاب، من قتل وتهجير، للدرجة التي سيتحول البلد إلى كانتونات تحكمها المليشيات كأمراء حرب. فمن لهذا الشعب المسكين، ومن سيحميه. إن الشعب لا يفتقر للقوة، فهو الذي دخل المنطقة الخضراء لمرتين وأسقط الحكومة هناك. لكن الأمور رجعت إلى ما عليه، بسبب إن الشعب ليس له قيادة وطنية وحكيمة تستثمر إنجازاته، فماذا يفعل الشعب أكثر من ذلك؟

وربّ سائلٍ يسأل، وكيف السبيل إلى ذلك؟ بالتأكيد لستُ ممن يملي على الفصائل المقاومة ما يتوجب فعله، فلديهم من الرجال ما يستطيعون أن يقدروا الأمور حق قدرها، وقادرين على أن يصلوا إلى الحلول التي تمكن شعبنا أن يخرج من هذه المحنة التي هو فيها.

ولكن ما أقوله، يجب عليهم ألا يفوتهم الزمن ويصلوا للمرحلة التي يكتب التاريخ عليهم، بأنهم لم يواصلوا مسيرتهم لتخليص الشعب من المحنة التي هو فيها، بعد كل التضحيات الكبيرة التي قدموها.

آن لهم أن يتوحدوا تحت مسمى واحد، وألا يبقوا فصائل متفرقة لكيلا تذهب ريحهم، وأن يتصدوا لقيادة هذا الشعب الذي لديه الاستعداد للوصول إلى أي مكان يمكنهم الوصول إليه، فليس لديهم ما يخسروه بعد أن خسروا كل شيء، ولكن فقط تنقصهم القيادة الراشدة والحكيمة، التي لا تريد أن تنتفع سياسيًّا من تضحياتهم كما يحصل الآن، وإذا الوقت الآن لا يسمح لهم من العودة لعملهم المسلح، فإن العمل الشعبي وصنع التيارات الضاغطة، والعمل السياسي لا يقلان شأنًا في تحقيقها للأهداف، لا أقول العمل السياسي المعوج الذي يدور في العراق الآن، ولكن ما أقوله يجب أن يظهروا للعلن ويعبروا عن رؤيتهم للحل، ويوصلوا رؤيتهم للشعب العراقي وللعالم أجمع، وإلا، فإن الاندثار هو حليفهم، إذا ما استمروا في الانزواء الذي هم فيه الآن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد