عند الحديث عن مستقبل السنة السياسي لا بد من الرجوع للوراء، ومعرفة بعض المؤثرات في واقع السنة، وكذلك تحليل الحاضر، ومن بعدها استشراف المستقبل السياسي للسنة في العراق.

وانطلاقًا مما تقدم لا بد من معرفة طبيعة المجتمع العراقي، فالمجتمع العراقي متعدد المذاهب والقوميات والشرائع، ففيه العرب والأكراد والتركمان والشبك الإيزيدية والمسلمون والنصارى والصابئة والسنة والشيعة وغيرها من الأطياف الجميلة التي تشكل باقة ورد رائعة بعطر زكي. ولقد كانت السياسة الحاكمة قبل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. سياسة حزب البعث بنظام الحزب الواحد الحاكم للعراق بالقوة، وطريقة حكم أي مجتمع بفترة 35 سنة بنظام واحد مع استخدام الترهيب، قد أثر تأثيرًا بالغًا بالمجتمع العراقي وطريقة تفكيره، وفق النظرة البعثية القومية، والتي كانت محسوبة على العرب السنة، لأن رئيس العراق صدام حسين سني عربي، وبالرغم من أن ظلمه لم يسلم منه أحد، إلا أنه كانت نظرة باقي المكونات على السنة العرب بأنهم الحاضنة الرئيسية لحزب البعث، بالرغم من وجود جميع أطياف العراق في الحزب، وبمواقع قيادية، وبهذا أصبح الفكر البعثي موجودًا في كل بيت عراقي شاء أم أبى.

والشعار الذي كان يتبناه حزب البعث هو «فلتسقط أمريكا» قد ترسخ في أذهان جميع العراقيين بنسب متفاوتة، فلذلك عند احتلال العراق من قبل الأمريكان في عام 2003، لم يستطع المجتمع العراقي عامة والمجتمع السني العربي بالأخص تقبل الأمر، والتعامل مع المرحلة الجديدة بروح السياسة والمصلحة مع الأمريكان. إضافة إلى الإرث الديني الذي يرفض الاحتلال، ويفرض على المسلمين جهاد المحتل، ويعتبره فرض عين على كل مسلم، وهذا الخيار الذي تبناه السنة العرب بشكل علني في التعامل مع الأمريكان في العراق؛ مما رجح كفة الأكراد الذين كانوا فاعلين في المعارضة والتنسيق مع الأمريكان لإسقاط حكم البعث، وكذلك الشيعة من خلال الأحزاب المعارضة لحكم صدام، بالإضافة إلى فتوى السيد السستاني بعدم التعرض للقوات الأمريكية؛ مما جعل مشاركة السنة خجولة ومتمثلة بالحزب الإسلامي العراقي، وبعض الشخصيات الأخرى. والجمهور السني معارض للمشاركة السياسية في ظل وجود الأمريكان، وبدأ خلاف طويل وعريض حول المشاركة في العملية السياسية بين قيادات ورموز السنة العرب؛ مما أدى إلى مقاطعة الانتخابات الأولى، وفترة تشكيل الدولة العراقية بعد 2003؛ مما جعل الوزارات وكوادرها وكافة تشكيلات الدولة العراقي مناصفة بين الشيعة والأكراد، مع تمثيل خجول جدًّا من السنة بسبب غياب الرؤيا الاستشراقية عند قيادات السنة، جعلهم متخبطين في عدة خيارات جعلتهم غير متفقين؛ مما أدى إلى أن يتبنى كل فريق ما يراه مناسبًا، مع ضعف التنسيق بين الخيارات أو انعدامه أو حتى الخصومة فيما بينهم؛ مما شكل مجتمعًا هشًّا يسهل اختراقه من التنظيمات المتشددة، من خلال استثمار عاطفة السنة تجاه جهاد الأمريكان فكانت القاعدة. فكان خيار البعض مقاومة المحتل، وخيار البعض الآخر المشاركة السياسية، واختار البعض الأكثر الوقوف على التل ومراقبة الساحة؛ مما أدى إلى قلة ممثلين السنة في مؤسسات الدولة العراقية، وبالأخص الأمنية حيث نتج عن ذلك شعور عام لدى السنة بالتهميش، وخاصةً بعد الاستهداف الحكومي للقيادات السنية كعدنان الدليمي، وطارق الهاشمي، ورافع العيساوي؛ حتى نتج عن ذلك اعتصامات سلمية للمحافظات السنية مطالبين بالإصلاح، ورفع الظلم، والتوازن في مؤسسات الدولة، وإطلاق سراح المعتقلين. فأرادت جهات معروفة إجهاض التظاهرات السلمية؛ فقامت بإدخال داعش والسماح لها باحتلال المحافظات السنية، فتضاعف الظلم والحيف على السنة، ونزح الملايين، وقتل الآلاف، ودمرت مؤسسات الدولة، وسرقت مقدراتها على يد عصابات داعش؛ مما زاد الفجوة بين السياسيين السنة وجمهورهم. بالإضافة إلى تشتت القيادات السنية والتصارع على السلطة والنفوذ بدون تنسيق مشترك، مما أضعف السياسيين السنة بشكل واضح. فالمستقبل السياسي للسنة غير واضح، ويتراجع دورهم بسبب غياب المشروع، وتشتت القيادات، وانعدام ثقة الجمهور بهم. بالإضافة إلى ضعف الدعم الدولي للسنة، وبالأخص الدول العربية مقارنةً بالدور الإيراني الداعم للأحزاب الشيعية؛ مما جعل السنة بين مطرقة داعش، وسندان المليشيات غير المنضبطة. وفي ظل غياب المرجعية السنية الموحدة، تشتت الجهود في تحقيق المصلحة ودرء المفسدة؛ مما جعل السيد نوري المالكي يقرب الممثلين السنة الضعفاء، والموالين له، ويقدمهم كممثلين عن السنة كما كان يفعل صدام حسين من اختيار رجالات شيعية وكردية موالية له وفرضها كممثل لهم، بالرغم من أنهم ليسوا هم الممثل الحقيقي للمكون الذي ينتمون له؛ مما يؤكد أن الفكر البعثي المتسلط موجود حتى عند معارضيه، وهم لا يشعرون. وهذا أدى إلى انقسام ممثلي السنة إلى قسمين: قسم ضد سياسة التحالف الوطني الشيعي الذي يقوده المالكي، وقسم معه. فأطلق عليهم تسمية سنة المالكي فجعل الكتلة السنية في مجلس النواب ضعيفة ومنقسمة لا تستطيع تحقيق مصالح أهل السنة، وكان هذا واضحًا جليًّا في موضوع الأقاليم المطروح بقوة في فترة الولاية الثانية للمالكي، من أجل التخلص من الظلم والتسلط الذي كان يمارسه على المحافظات السنية. فلم يستطع القيادات السنية من اتخاذ قرار موحد بهذا الخصوص. ما الذي يحتاجه السنة لمستقبل سياسي أفضل؟

  • الاتفاق على إطار عام لمشروع موحد في الكليات، ومختلف في التفصيلات كل حسب اجتهاده.
  • مركز دراسات متخصص يرفد السياسيين بالدراسات، والإستراتيجيات، والفرص، والحلول المركبة لمشاكلنا المعقدة التي لا يمكن حلها باجتهادات شخصية.
  • جلب دعم دولي إيجابي وبناء مع استقلالية في القرار قدر الإمكان.
  • زيادة التنسيق البناء بين القيادات السنية، وعدم التناحر، والالتقاء على المشتركات العامة لتحقيق المصلحة العليا.
  • حسم ملف الإقليم ضمن المشروع العام للسنة، وأقترح أن يكون لكل محافظة إقليم، وليس إقليم سني لتجاوز التقسيم الطائفي.

6 – بناء تحالفات وأحزاب جديدة ذات طابع تنظيمي لضمان الاستمرارية والنجاح.

هل يتحقق هذا؟

الجواب بصراحة لن يتحقق في المدى القريب إلا بضغط خارجي أو جماهيري.

وهنا لا بد من الإشارة إلى موضوع التحالفات الانتخابية بين القيادات السنية التي تنتج قبيل كل انتخابات وسرعان ما تتفكك بعد الانتخابات، ويرجع ذلك لعدة أسباب أهمها:

  • بناء التحالفات بدون نظام داخلي رصين يضعه أصحاب اختصاص لتنظيم العمل وآليات اتخاذ القرار.
  • أصل هذه التحالفات غالبًا مصلحي من أجل كسب الأصوات، وليس من أجل مشروع متفق عليه.

وأخيرًا لا بد من وصف بسيط للمجتمع العراقي بشكل عام، والسني بشكل خاص لتتضح الصورة أكثر،

حيث يمتاز مجتمعنا بكونه مجتمعًا عاطفيًّا يمكن كسبه بموقف، وخسارته بموقف آخر.

بالإضافة إلى أن المجتمع السني لا يتبع لمرجعية واحدة، فهو متنوع الولاء والتوجه.

بالإضافة إلى الازدواجية الشخصية التي تكلم عنها علي الوردي في كتاباته، فهي صفة موجودة بقوة في المجتمع العراقي. وكذلك أصبح هنالك تشوه في كثير من المفاهيم والقيم المجتمعية بسبب فترة حكم البعث وما بعده؛ فلقد اصبحت سرقة أموال الدولة شطارة، والمحسوبية الأقربون أولى بالمعروف، والكذب لباقة، وغيرها من المفاهيم المغلوطة والكثيرة والتي تنذر بالخطر، ولا بد من العمل على تغيرها وملاك ذلك كله العلم. فإذا أردنا مستقبل أفضل للسنة في العراق فلا بد من انتقاء الأفضل من الموجود، ودعمهم والعمل بنفس الوقت على تهيئة وإعداد دماء جديدة تتناسب مع المرحلة القادمة والمرسومة دوليًّا للعراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد