تعدُّ هذه الرواية سردًا تاريخيًّا لتراجيديا العراق الحديث منذ سقوط الملكية سنة 1958 إلى ما بعد احتلال بغداد 2003، رحلة من عذابات ملايين العراقيين تبدأ بالتشرد والاغتراب، ولا تنتهي بالغرق في أعالي البحار أملًا بحياة جديدة لم ترَ النور.

أبطال الرواية الثلاثة (صالح المنسي، وجمعة العلي، وسلمان الجن) وما يدور حولهما من شخصيات ساعدت في بناء الأحداث وتطورها، واختيار الكاتب لهذه الأسماء ليس مصادفة فكلّ اسمٍ يحمل دلالة رمزية عميقة، بل نستطيع القول إنَّ الكاتب قد خطط لاستخدام هذه الأسماء تخطيطًا فنيًّا غاية بالإحكام.

فصالح المنسي: وهو محور الأحداث في هذه الرواية قد استخدمه الكاتب مركَّبًا من (صالح) للدلالة على المواطن العراقي الصالح المحب لوطنه الحريص على رؤية وطنه في القمة، ومن (المنسي) وكأنّ الكاتب أراد أن يُعبِّر عن المواطن الصالح والمحب لوطنه منسيٌّ ولا قيمة له في وطنٍ يعجُّ بالأحداث والانقلابات والعذابات.

جمعة العلي: هذه الشخصية التي لازمت صالح المنسي في حلِّه وترحالهِ، بل توحدت الشخصيتان في روح واحدة وعاشا عذاب الاعتقال والسجن ومرارة الاغتراب والذكريات في كلِّ شبر من بغداد.

سلمان الجن: بخطواته المتثاقلة بسبب عرج أصابه في الصغر، فقد جعله الكاتب رمزًا للمواطن العراقي الكادح الذي يكسب قوت يومه في شوارع وأزقة بغداد حاملًا القماش على ظهره ومعه سنين من الأحلام والأمنيات بغدٍ أفضل.

وباقي الشخصيات التي استخدمها الكاتب لها دلالات غاية بالدقة والرمزية يمكن اكتشافها من خلال الإبحار في أمواج الراوية.

أحداث الرواية:

تبدأ أحداث الرواية من مدينة إسطنبول حيث يتلقى صالح المنسي علاجًا نفسيًا بسبب متلازمة نفسية سماها طبيبه (اضطراب ما بعد الصدمة)، ليعود إلى هذا الحدث في النهاية؛ ليكون للأحداث دور في حصول هذه المتلازمة.

لينطلق بعدها الكاتب من جذور الحكاية التي بدأت قبل خمسة عقود تحديدًا عندما كانت عائلة المنسي تسكن في حي بغدادي (محلة باب الشيخ) حيث يميل أبناء هذا الحي إلى المهن اليدوية، لينطلق بعدها الكاتب بالتعريف بأبطال الرواية باعتبارهم مثقفين عضويين كابدوا ثقافة الوعي وتمرسوا أوجاع الوطن بشجاعة، حيث استخدم الكاتب المنولوج الداخلي في كثير من زوايا روايته ليرسم صورة لشخصياته النفسية والاجتماعية، في حين لم يكن الكاتب معنيًّا برسم ملامح أبطاله من الخارج ربما لتكون ذات دلالة مفتوحة تعبِّر عن حالة اجتماعية معينة (البناء المورفولوجي)، ولكنه برعَ في الوصف الخارجي لبعض الشخصيات الثانوية، فهو مثلًا يرسم صورة نمطية للسجّان في مختلف الحقب التي مرت بالعراق فهو: (ذو شاربين منسدلين كأنهما على وجه هرّ منتفخ…) وفي موقف آخر (ينزل رجل بدين بشاربين على كتفه نجمتان…)، كما برع في وصف المواقف الحزينة التي تكثر في الرواية، بالإضافة إلى مواقف الفرح على قلتها.

وقد تنقل الكاتب بين ضميري المتكلم والغائب فكان يسرد الأحداث ويرويها تارة، وتارة أخرى يترك للشخصيات رواية الأحداث وتطورها بحسب طبيعة الحدث ودوره.

الزمان:

أولى أحداث الرواية الكبيرة الانقلاب العسكري على الملكية سنة 1958 فيما يعرف بثورة الضباط الأحرار لتتسلسل الأحداث السياسية والانقلابات العسكرية لتمتد إلى ما بعد احتلال بغداد سنة 2003، حيث بدأت مرحلة جديدة من حكم المليشيات والحرب على الهوية… فقد امتد زمن الرواية خمسة عقود عجاف لم يعرف بها العراق استقرارًا حقيقيًّا، بالرغم من تغير الحاكم أكثر من مرة.

المكان:

تنقَّل الكاتب في روايته بين (بغداد وإسطنبول وأربيل وعمّان وأبوظبي ليكون آخر فصول الرواية في جزيرة ساموس اليونانية)، غير أنَّ جلَّ الأحداث كانت تدور في بغداد (المدينة المخملية) كما وصفها الكاتب، بحكم ما تمثله المدينة من رمزية تختزل تاريخ أمة، يقول: (ربيع بغداد الساحر يتقدم بثقة نحو المدينة المخملية، أصوات العابرين ممزوجة بالدعة… وأسواقها، ورجالها، ونسائها، والعلاقات الاجتماعية فيها…).

وقد تفنن الكاتب في وصف أماكن محددة مثل أحياء بغداد ونهر دجلة والسجن، فقد كان السجن رفيقًا لأبطال الرواية بالرغم من تغير وجوه الحكام، إلا أن أدواتهم واحدة، في دلالة رمزية واضحة على أنّ آلة الظلم والعذاب التي تأتي بها الوجوه الجديدة في كل مرة لم تتغير، بل إنها تزداد شراسة مع تقدم الزمن.

الحوار:

يُعدُّ الحوار من العوامل الرئيسة في رواية أحداث القصة إلى جانب السرد، كما يساعد على تطور الأحداث وتقدمها.

وقد تميز الحوار في الرواية:

1- استخدام العامية العراقية، تعدُّ اللهجة العامية موصلًا جيدًا للانفعالات وردود فعل الشخصيات، فقد استخدم الكاتب اللهجة العراقية الدارجة الأمر الذي جعل الكاتب يستخدم الهوامش لتوضيح بعض الكلمات أو العبارات أو حتى للتعريف ببعض الشخصيات وأهم الأحداث التي كانت تجري في ذلك البلد… وكان استخدام العامية في الرواية مناسبًا ومعتدلًا مما جعلها تلعب دورًا مهما في سير الأحداث دون إخلال أو فساد للنص، حيث وثق الكاتب في روايته الكثير من أسماء الأماكن والشوارع والساحات التي لم تعد موجودة الآن، بالإضافة إلى استخدام مفردات وأطعمة ونكات كانت دراجة في الشارع العراقي.

2- الرتابة: تعدُّ الرتابة في الحوار طريقة مهمة لنقل الأفكار والرسائل التي يبثها الكاتب بين ثنايا روايته سواء أكانت سياسية أو اجتماعية، فكثيرًا ما نجده بين صفحات الرواية، فمثلًا نجده في حوار صالح وجمعة مع ولديهما:

– صالح: «التعليم» أخطر أداة في المجتمع.

-إذا دُمِّر التعليم وتحول إلى مصير استهلاكي.. والإعلام، والاقتصاد، والصحة، من أدوات المؤامرة.

– عمر: هل تقصد أن التعليم أخطر من الإعلام؟

– صالح: نعم؛ لأن سوءَ التعليم مصيره الجهل عند المتلقي.

كانت مثل هذه الرتابة في الحوار في كثير من مشاهد الرواية، حيث أراد الكاتب أن يبث رسائل سياسية وثقافية واجتماعية من خلال هذه الحوارات التي كانت تدور بين شخصيات الرواية.

وفي الختام، استطاع الكاتب أن يخلق عملًا روائيًّا متكاملًا، ربط فيه بين الحالة النفسية والاجتماعية لأبطال الرواية مع الحالة السياسية، فقد بدا موقف أبطال الرواية واضحًا في رفض الظلم ومقاومة الواقع المرير للوصول إلى وطن أكثر أمنًا وازدهارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحليل, رواية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد