غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003، وجاءت معها مجموعات كبيرة وكثيرة من المتعطشين لسفك الدماء والتواقين لتدمير كل ما هو قائم، وأنا هنا أتحدث عن العراقيين الذين خانوا بلدهم ووقفوا بجانب الغزاة، فانتشرت فرق الموت وحاملو السلاح الذين أثبتوا على مر السنين التي تلت الغزو انهيار المنظومة الأمنية في العراق بكافة صنوفها وتشكيلاتها ومسمياتها، ومن بينهم بل على رأسهم مقتدى الصدر زعيم ميليشيا جيش المهدي سابقًا وسرايا السلام حاليًا، حيث يعتبر مقتدى الصدر هو أول زعيم ميليشيا في العراق ومنه خرجت عشرات التشكيلات من أتباعه السابقين الذين انفصلوا عنه وشكلوا ميليشيات وفرق موت أخرى بأسماء وأفكار طائفية دموية لم يكن الهدف منها سوى تدمير البلد وقتل الناس وسرقة ما يمكن سرقته من البلد الغني.

ولو عدنا بتسلسل الأحداث إلى الوراء وتحديدًا بين عامي 2005 وحتى 2007 لوجدنا أن صاحب أول رصاصة تطلق في سبيل إشعال الحرب الأهلية الطائفية في العراق هو مقتدى الصدر، حيث كان الأداة التي نفذت بها إيران والولايات المتحدة الأمريكية مشروعهما في تفكيك العراق اجتماعيًا بعدما قامتا بتفجير المرقدين العسكريين (علي الهادي – الحسن العسكري) في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين، حيث قتلت هذه الحرب الكثيرين ودمرت بلدًا عاش شعبه مترابطًا لفترة طويلة من الزمن.

كل ما ذكرته سابقًا عن مقتدى الصدر هو غيض من فيض ما شهده العراقيون من زعيم الميليشيا، فهناك ملفات أخرى كثيرة لو فتحت فلن يكفيها عشرات المقالات التي قد تعطيها حقها في التغطية، ولكن سأكتفي بما ذكرت لكي أربطه بأزمة التصريحات التي حدثت بين العراق والبحرين مؤخرًا والتي كانت بسبب تصريحات مقتدى الصدر والتي تدخل فيها بالشأن البحريني ليطالب برحيل حكام البحرين وإجراء انتخابات نزيهة، وكأن الصدر يعلم ما هي الانتخابات النزيهة، فلو نظرنا إلى العراق لوجدنا قمة الفوضى والمهزلة السياسية الحقيقية، في بلد فيه انتخابات اسمية فقط والفائز هو من تختاره واشنطن وطهران، وهذه حقيقة أكدها السياسي المعروف إياد علاوي.

تصريحات الصدر عن البحرين وغيرها من النقاط التي ذكرها في بيانه، لو تمعنت فيها عزيزي القارئ وقارنتها بما يحدث من مشاحنات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لوجدت أن الصدر لم يخدم أحدًا في بيانه سوى إيران ومصالحها، وهنا يأتي تأكيد كلامي حيث طالب الصدر بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد إذا أصبح العراق عالقًا بين صراع الولايات المتحدة مع إيران، في حين لم يطلب غلق السفارة الإيرانية في بغداد رغم أن الطرفين قد يسببان نفس حجم الضرر على العراق، ثم نأتي لننظر إلى أسباب التدخل في شؤون الدول الأخرى في الوقت الذي صدع به المسؤولون في العراق رؤوسنا بالسيادة والاستقلال و رفض تدخل الغير بشؤون العراق.

الرد البحريني هو رد مناسب لزعيم ميليشيا جُعل رمزًا رغم أن يديه ملطختان بدماء العراقيين، ولولا أن العراق بلد فاسد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لما خرجت ألسنة الساقطين وأقلام المنحرفين في الدفاع عن زعيم عصابة وفرق موت يثير البلبلة والفوضى في العراق والمنطقة.

العلاقة العراقية الخليجية شابها التوتر منذ قدوم حكومات ما بعد الاحتلال، فدخل العراق باختلافات مع أشقائه العرب وتحديدًا الخليجيين بسبب مصالح إيران وأجندتها، فمن السعودية مرورًا بقطر ثم الإمارات ثم البحرين دول اختلفت مصالحها مع إيران، فوظفت الأخيرة عملاءها في العراق ليثيروا الفوضى في المنطقة عبر وسائل متعددة منها ما هو رسمي ومنها ما هو ميليشياوي، واستطاعت هذه الخلافات أن تبعد العراق عن حاضنته العربية لفترة ليست بقصيرة، وذلك بسبب الولاء المطلق الذي يوليه المسؤولون في العراق وزعماء الميليشيات لإيران، والذين بسببها هم باقون ولأجلها هم مستمرون.

ويبقى السؤال هنا إلى متى يستمر الحكام العرب بالتعامل مع العراق على أنه بلد ذو سيادة رغم التهديدات والمشاكل التي سببها لهم بسبب زعماء الميليشيات وفرق الموت المتواجدين فيه؟، ولماذا لم تقاطع الحكومة في العراق كما تمت مقاطعة قطر؟ رغم أن السبب واحد من الناحية النظرية، بل أن العراق أخطر من قطر على العرب بكثير نظرًا لوجود إيران فاعلة فيه ومحركة لكل قرارته وتصرفاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

bbc
عرض التعليقات
s