أعادت الاحتجاجات التي شهدتها مدينة البصرة مؤخرًا، الأصوات المطالبة بتحويل البصرة إلى إقليم، على غرار إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1991، بحجة تهميش الحكومة الاتحادية للمحافظة وعدم إطلاق مستحقاتها المالية كاملة، رغم اعتماد اقتصاد العراق على واردات محافظة البصرة بنسبة تتعدى 80%. ولاقت تلك المطالب رواجًا واسعًا بين المجتمع البصري، وكأن تحويل البصرة إلى إقليم سوف ينهي محن البصريين ويعيد أعمار البنى التحتية ويوفر الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وتعليم، ويقضي على البطالة التي يعاني منها الشباب البصري!

ويبدو أن مشروع إقليم البصرة قد صار أحد أدوات الكسب السياسي وتضليل الرأي العام، وغدا طوق نجاة للحكومة المحلية تستخدمه للتملص من فشلها في إعمار المدينة وتقديم الخدمات الأساسية لأهل البصرة، فقد أثارت حكومة البصرة المحلية مشروع الإقليم في الوقت الذي تنطلق فيه التظاهرات الشعبية المطالبة بالقضاء على الفساد وتحسين واقع الخدمات، متذرعة بعدم إطلاق الحكومة الاتحادية مستحقات البصرة المالية، أو منحها الصلاحيات التي تمكنها من اتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة الأزمات التي تعصف بالمدينة، ورغم أن تلك المزاعم، كان يراد منها أمتصاص غضب الشارع البصري والالتفاف على مطالب المتظاهرين، إلا أنها كانت ومازالت جزءًا من المشكلة، وليست المشكلة الحقيقية، فقد صرف على هذه المحافظة، منذ عام 2003، وحتى اليوم العشرات من مليارات الدولارات، والتي كان يفترض أن تذهب إلى مشاريع البنى التحتية ورفع مستوى الخدمات الأساسية، لكنها تبخرت ما بين المشاريع الوهمية وعمليات الابتزاز التي تديرها جهات حزبية متنفذة.

وقد اعتادت الطبقة السياسية في العراق على تقاذف التهم فيما بينها، وإلقاء اللوم على الآخرين كمحاولة لإخلاء ساحتها من مسؤولية التقصير والفشل في إدارة شؤون الدولة وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ولعل المشادة الكلامية التي حدثت بين رئيس الوزراء، حيدر العبادي، ومحافظ البصرة، أسعد العيداني، خلال جلسة مجلس النواب الطارئة لمناقشة أزمة البصرة، والتي تحولت إلى مزايدات سياسية وتبادل الاتهامات، كانت خير برهان على عدم اعتراف تلك الجهات بفشلها في إدارة شؤون الدولة.

إن مطلب إقامة إقليم البصرة، هو مطلب دستوري وقانوني، لكنه في الوقت الراهن، لا يخدم المحافظة وأهلها؛ ذلك لأن أحزاب السلطة التي تدير العملية السياسية في بغداد هي ذاتها المسيطرة على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في البصرة، وإقامة الإقليم لن يحرر البصرة من سطوة تلك الأحزاب، ولا يُمكنها من الاستفادة من ثرواتها لخدمة المواطن البصري، ولا يمنحها الأمن والاستقرار، وربما يتحول إقليم البصرة، في حال إقامته في الوقت الراهن، إلى ساحة صراع بين أجنحة الأحزاب المسلحة، لبسط سيطرتها ونفوذها، والاستيلاء – دون رادع – على باقي مؤسسات الدولة بعد أن استولت على الجمارك والموانئ والمؤسسات الحكومية المدرة للدنانير العراقية، ومن جهة أخرى فإن الإقليم المنشود، سيواجه جملة من المشاكل الإدارية والفنية، لعدم وجود قوانين خاصة لإدارة شؤون الإقليم، كما أن الكوادر الإدارية لا تمتلك الخبرة اللازمة لإدارة إقليم بحجم البصرة.

ما جعل البصرة مدينة خربة، تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة وتنتشر فيها أمراض السرطان والأوبئة الجرثومية والبكتيرية وتعاني من شح وتلوث مياه الشرب وانتشار البطالة بين شبابها، ليس فقط النظام البيروقراطي أو إهمال الحكومة الاتحادية لهذه المحافظة، بل لأنها كباقي المحافظات الأخرى مصابة بمتلازمة الفساد السياسي والإداري، الذي ينخر مؤسسات الدولة العراقية كافة، والناجم عن المحاصصة الحزبية وتقاسم منابع إيرادات الدولة بين الأحزاب السياسية، وإن لم تنته هذه الظاهرة فلن ينال العراقيون من هذه الطبقة السياسية الحاكمة، مهما تعددت وتنوعت أنظمة الحكم، غير المزيد من الويلات والمآسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد