– المكان: العراق

– الزمان: سبتمبر (أيلول) 2018

– الحدث: محاولات تشكيل الحكومة العراقية

– المشكلة: ؟!

لقد أصابنا القوم بالدوار، فلم نعد نعرف من هم الأصدقاء ومن هم الخصماء! الذين كانوا يتهمون بعضهم بالسرقة والفساد توحدوا اليوم، ضد من؟ لا أدري. الذين كانوا يتهمون بعضهم بتسليم المحافظات السنية لداعش تصافحوا وأعادوا العلاقات الودية، ضد من؟ لا أدري. الذين كانوا يتهمون بعضهم بتمويل داعش يجلسون جنبًا إلى جنب ضاحكين، على من؟ لا أدري.

وأسئلة أخرى كثيرة تدخلنا في دوامة لا نهاية لها، ولكي نعرف من أين أُتينا لا بد من العودة للبدايات، فالبداية أن انحرفت عن الهدف مليمًا واحدًا ستنتهي مع مرور الزمن إلى افتراق عنه بآلاف الأميال.

قبل 15 عامًا وبعد أن دخل – الزعماء والقادة أصحاب المبادئ والدين والأمانة – كما كانوا يقولون – العملية السياسية، بدأنا نسمع عبارات يكررونها كثيرًا، بعضها معروف، لكن تفسيرها عند القوم اختلف جذريًا، والبعض الآخر جديد على ثقافتنا ومجتمعنا، مثلًا:

لا يوجد صديق دائم وعدو دائم في السياسة بل مصلحة دائمة. قلنا لا بأس فأحيانا تُفرض عليك الصداقة فتقبلها على مضض، لكن لن تؤثر على مواقفك، لأن الصديق لا يفرض على صديقه شيئًا. لكن الصديق بدأ يفرض ويتعسف ويخون ويقتل، فأين المصلحة في هذه الصداقة البائسة؟ ثم تبين أن «الصداقات» التي عقدت بين القوم إنما هي لمصلحة أحزابهم.

ولم نر باتفاق الغالب الأعم من الشعب العراقي طيلة 15 عامًا من يعمل لمصلحة البلد أكثر من مصلحة حزبه وجماعته وقبيلته ونفسه. فهذه العبارة قديمة لكن تفسير المصلحة اختلف عند القوم.

إذا دخلت اللعبة السياسية فاحتفظ لنفسك بمبادئك حتى تصل إلى الحكم. قلنا لا بأس فالسياسة كياسة وفطانة، لكن القوم بتفسيرهم الجديد تفرقوا، فبعضهم ترك المبادئ عند الباب الخارجي ودخل، وبعضهم نسيها في الزحمة ولم يعد يتذكرها أصلًا، وبعضهم ممن بقي عنده شيء من الحياء وضعها في صندوق وأقفل عليها، حتى إذا سألته عنها يومًا قال لك: إنها موجودة بالحفظ والصون ولا زالت عندنا لم نتخل عنها!

لا علاقة للدين بالسياسة فالدين لله والوطن للجميع. وهذه المقولة تخص الأحزاب الدينية حصرًا، لأن الأحزاب الدينية (سنية وشيعية) كانوا يعدونها من الكفر الذي نشره القوميون والعلمانيون، أما اليوم وبعد «مسلسل داعش» المخزي فهذه المقولة لا بأس بها عند الجميع، لكن الغرابة ليست هنا بل الغرابة أن بعضًا من الدين تركه هؤلاء القوم أو تلاعبوا به، سواء ما كان له علاقة بالسياسة أم بغيرها، وبدون تفصيل فالقارئ ذكي ويفهم ما أعني ولا يحتاج إلى شواهد عن طرق الفساد وانعدام الضمير عند بعض هؤلاء السياسيين المتأسلمين سنة وشيعة.

لا علاقة للأخلاق بالسياسة. فالصدق والكذب، الأمانة والخيانة، النزاهة والتزوير. كلها مصطلحات نسبية ومتلونة بألوان الطيف، والحرب خدعة، فما تعده أنت كذبًا يعده السياسي تكتيكًا وبعد نظر، وما تعتبره خيانة يعده السياسي شطارة وكسبًا! وما تعتبره تزويرًا يعده السياسي تدافعًا للمصلحة العامة!

هذه أمثلة بسيطة على القواعد الفكرية التي باتت تحكم عقول السياسيين في العراق، وغيرها كثير إن دققت وأحصيت. فهل تعجب بعد هذا من قفزهم يمينًا وشمالًا كالقرود التائهة في الغابة؟ وهل تعجب أن أصبنا بدوار البحر في هذه السفينة المتهالكة؟

وأخيرًا همسة في أذن من بقي من العقلاء ممن كانوا يحلمون أيام زمان بنشر الحق والعدل والنور والحرية في العراق ولا زالوا يحلمون ويصدِّقون قياداتهم البائسة التي تخوض بهم في هذا التيه:

ماذا بقي لكم من الدين والدنيا أيها المساكين؟ وتعجبون حين نقول أن (الفهم هو الحل).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!