عبّر الكرد عن رغبتهم وإرادتهم في الاستقلال بأرضهم منذ أكثر من قرن من الزمان، ومع ذلك لا يزال هذا حلمًا بعيد المنال؛ نظرًا لتعقيدات الوضع الجيوسياسي، ولأمورٍ أخرى كثيرة، ليس أهونها الصـراعات والشقاقات المزمنة بينهم، والتي تسهّل للآخرين – على الدوام – الدخول من خلالها.

ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية في كردستان العراق، هو مشهد جديد – قديم في فصول مأساة الكرد في العصر الحديث، وهو باختصار يؤكد ما نذهب إليه من أن الحكومات المتعاقبة في العراق – وفي غير العراق، بالطبع لا ترى حلًا لمشاكلها إلا عن طريق القوة والسلاح، ومن هنا فهي تفضل دائمًا (مسك) الأرض على فتح القلوب!

إن (مسك الأرض) قد يعطيك القوة لبعض الوقت، وقد يحلّ لك المشكلة آنيًا، ولكنه لا يقدّم حلًا على المدى البعيد، ولا يخدم استراتيجية التعايش بين الشعوب، بل على العكس، فهو يغذّي عوامل الفرقة والاختلاف، ويزرع الأحقاد والضغائن بينها.

إن العقلية التي تستخدم القوة والإكراه في معالجة مشاكل الشعوب، هي عقلية ماضوية لا زالت تعيش على أحلام الإمبراطوريات، ولم ترتق بعد إلى عصر الحداثة، وحقوق الإنسان.

ذلك أن الشعوب لا تنام عن حقوقها، نعم، إنها قد تسكت لبعض الوقت، أو ربما معظم الوقت، ولكنها لا تنسى، وستحاول – في أول فرصة – أن تصل إلى ما تبتغيه، وهذا على افتراض سكوتها! فإنْ لم تسكت، فإن المسؤول عن كل ما يجري، سيكون أولئك الذين لا يسلكون الطريق السليم في التعامل مع الشعوب وحقوقها، والطريق السليم ليس إلا كسب القلوب، لا استعباد الأجسام!

إن السياسة التي تتبعها الحكومة العراقية الحالية في التعامل مع الشعب الكردي في العراق، هي صورة أخرى مما كانت تنتهجه الحكومات السابقة، نعم، صحيح أن الكرد في العراق الجديد، يعيشون في ظل دولة فدرالية، ويتمتعون بحقوق لم يتمتعوا بها من قبل، ولكنهم كانوا – ولا يزالون – خائفين على الدوام من فقدان كل ذلك في أية لحظة، لأن الدولة العراقية ليست دولة مؤسسات ديمقراطية متينة، بل هي في سبيلها لأن تصبح دولة تحكم عن طريق أغلبية مذهبية، تتنازعها ميليشيات طائفية، ولذلك فلا عجب أن حاول الكرد تثبيت حقوقهم هذه، أو تطويرها، خوفًا من مستقبل مجهول! وما يجري اليوم من أساليب التعاطي مع المطالب الكردية، سواء من قبل مجلس النواب العراقي، أو المؤسسة القضائية العراقية، أو على المستوى العسكري، لتؤكد جميعها أن المخاوف الكردية كانت في محلها، فالعقلية التي تحكم العراق اليوم لا زالت كأخواتها السابقات تؤكد على الحل العسكري، واستخدام القوة، وكسر إرادة الشعب الكردي.

ومع أن الدستور العراقي الجديد يحرّم استخدام الجيش في النزاعات الداخلية، ولكن عقلية مسك الأرض على حساب كسب القلوب، لا تزال هي التي تسيطر وتوجه القادة الحاكمين في العراق، ولذلك رأينا أن الدستور يتم تجاوزه بكل بساطة، وهذا بالضبط ما كان يتخوف منه الكرد، ويحسبون له ألف حساب!

إن سياسة كسب القلوب هي أولى بالاتباع من أحلام مسك الأرض، لمن اتقى، واتعظ من تجارب التاريخ! وكسب القلوب لا يجيء جزافًا، بل يأتي كنتيجةٍ طبيعية لسياسةٍ تعرف كيف تستولي على القلوب، بأفعالها قبل أقوالها، وبقوانينها واستراتيجياتها التي تعطي كل ذي حق حقه، ولا تكتفي بالادعاءات والاعتماد على النوايا الحسنة، هو فنّ أداء الأمانات إلى أهلها، وهو ثمرة الإرادات الحرة، أما قهر الشعوب، وحكمها بالقوة، وكسر إرادتها، فهو لا يأتي سوى بالنزاعات والحروب والأحقاد والاضطرابات والفتن.

إن مسك الأرض سهل لمن امتلك القوة، ولكنه غير دائم ولا مثمر، وفي المقابل، فإن كسب القلوب صعب، ولكنه دائم ومثمر، وفي التاريخ البعيد والقريب عبرة لمن اعتبر!

وانظر إلى السياسات المتبعة في العراق، منذ عقود، هل كانت قادرة على كسب ودّ الشعب الكردي؟! وقد يشار في هذا المجال إلى المكاسب والامتيازات والمناصب، والمشاركة في صنع القرار السياسي – نوعًا ما -، والتي كان الكرد يتمتعون بها في العراق الجديد ما بعد (صدام حسين)، ليقال: وماذا يريد الكرد أكثر من هذا؟ وهل يمكن أن يصار إلى تقديم تنازلات أبعد من ذلك؟!

وفي الحقيقة، فإن الكرد كانت لهم مخاوفهم وشكوكهم ومشكلاتهم مع النظام السياسي الجديد، الذي ما إنْ أحسّ بقوته حتى بدأ يهدد ويعمل على تقليص صلاحيات وحقوق الكرد، وقراءة سريعة لمسار الأحداث السياسية منذ 2003 كافية لتوضيح ذلك!

واليوم، وبعد ما حصل في 16 أكتوبر 2017: هل ستستمر الحكومة العراقية في محاولة حل المشاكل عن طريق الإكراه، وفرض الإرادات؟ أم ستحاول الاستماع إلى حكمة التاريخ، التي تؤكد أن مسك الأرض لا ينفع، حين يغيب كسب القلوب؟!

لقد جربنا طويلًا سياسة مسك الأرض، فلنعرّج قليلًا على الطريق الآخر، نعم، ربما بدا طويلًا، ولكنه يصل إلى المطلوب بكل تأكيد!

قد يرى البعض أن سياسة مسك الأرض حاسمة، ومردودها سريع وآني، وهذا صحيح، ولكن هؤلاء يغفلون عن الوجه الآخر للقضية: أن هذا المردود السريع والحاسم، سرعان ما ينقلب إلى لعنة أبدية تطارد الإنسان والأوطان، واسألوا التاريخ؛ فلديه الخبر اليقين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد