هناك إجماع لدى معظم العراقيين أن نظام حزب البعث الحاكم في العراق منذ السبعينات ولغاية احتلاله للكويت عام 1990 كان يتمتع بمزايا إيجابية كبيرة واستطاع بناء دولة مؤسسات، رغم أنه كان نظام الحزب الواحد وقمع كل الأحزاب المنافسة الأخرى سواء الشيعية أو السنية أو الكردية. وعلى الرغم من أن البلد دخل في حرب طاحنة مع إيران لنحو ثماني سنوات وسقط مئات الآلاف من القتلى من العراقيين في هذه الحرب التي نجهل للآن سببها ومن المتسبب فيها، إلا أن الدولة العراقية بقيت تتمتع باستقرار أمني كبير داخل المدن وكانت كل المؤسسات تعمل بشكل طبيعي وبضمنها الوزارات والجامعات والمدارس والأسواق وغيرها. وبرزت قيادات حكومية كبيرة يشار لها بالبناء في الوسط المحلي والدولي لما كان لهم من دور فاعل في بناء الدولة وتجاوز الأزمات.

وبعد انسحاب الجيش العراقي مهزومًا من الكويت عام 1991 وتعرضه إلى قصف شنيع من قوات التحالف، ثار المواطنون من أهل الجنوب ضد النظام والتي سميت فيما بعد بالثورة الشعبانية وحدثت معارك كبيرة واعتقالات راح ضحيتها الآلاف من البسطاء الذين ثاروا على دكتاتورية النظام واستبداده وإدخال البلد في حرب خاسرة إرضاءً لرغباته ونزواته الشخصية.

وبعد ذلك شعر النظام أنه مهدد من شعبه وقرر أن يعاقبهم وأن عليه الاعتماد على أولاده وأقاربه في إدارة الدولة. وعند ذلك ظهر على الساحة وبقوة عدي صدام حسين وشقيقه قصي، فضلًا عن عشرات الأسماء الأخرى من الأقارب والأفراد المقربين لهم. وتم تسليمهم إدارة العديد من مؤسسات الدولة المهمة. وخلال سنوات قليلة شعر الشعب العراقي بتدهور عمل الدولة العراقية وحدوث نخر في مؤسسات عريقة مثل الجيش العراقي، حيث قام قصي صدام ببناء مؤسسة الحرس الخاص والحرس الجمهوري على حساب مكانة وسمعة الجيش العراقي العريق الذي تأسس في كانون الثاني عام 1921، والذي كان يعد من أقوى جيوش المنطقة في ذلك الوقت. وأصبح أفراده وضباطه يتعرضون للإذلال ماديًّا برواتبهم الشحيحة، ومعنويًّا من خلال عملهم تحت إمرة أقارب صدام ممن لا خلفية عسكرية لديهم. فكنا نرى مثلًا عميدًا في الجيش يتدافع مع بقية الناس للصعود إلى باص ينقله من وحدته العسكرية إلى بيته وأن راتبه الشهري كان لا يكفيه لأكثر من أسبوع واحد فقط. ووصل هذا النخر إلى كل المؤسسات العراقية وانتشرت ظاهرة الرشاوى انتشارًا مشمئزًا. فمثلًا أول راتب تسلمته كأستاذ جامعي عام 1998 أنفقته بالكامل على دعوة غداء لثلاثة زملاء معي في العمل في مطعم متوسط المستوى في بغداد.

في فترة التسعينات ولحين سقوط النظام كان لعدي وشقيقه قصي الدور الأبرز في قيادة بعض مؤسسات الدولة المهمة وأعطى لهم صدام الكثير من صلاحياته ثقة منه في المحافظة على نظام حكمه بعد أن زعزعت أحداث الثورة الشعبانية الثقة بين الرئيس وشعبه، كونها أول ثورة جماهيرية يخرج الشعب عن صمته ويثور ضد الحاكم الطاغية، ولم تكن في السابق سوى محاولات اغتيال فاشلة من بعض المقربين منه وكان يتم تصفيتها بهدوء وحتى بدون أن يعلم أحد.

وكان في عام 2003 الغزو الأمريكي للعراق وحدث الذي كان متوقعًا من هزيمة الجيش العراقي المنخور من الداخل أمام القوات الأمريكية في أيام معدودات. والذي يقول أن انهيار الجيش كان مفاجئًا وغير متوقع وأن هناك مؤامرة داخلية وخارجية فذلك لأنه لا يعرف ما كان يجري على أرض الواقع خلال السنوات الماضية، وكان في مخيلته الجيش العراقي الذي حارب إيران في الثمانيات.

وعند حدوث التغير في نظام الحكم عام 2003 كان المتوقع أن يأتي نظام ديمقراطي شبيه بالنظام الأمريكي أو البريطاني وأن ننتقل إلى العمل المؤسسي ونبتعد عن شخصنة أو حزبنة (من الحزبية) مؤسسات الدولة كما يحدث في أي بلد ديمقراطي.

ولكن يبدو أن القادة الجدد لم يقرأوا التاريخ جيدًا ولم يتعلموا الدرس فتكررت الأخطاء التي كنا معظمنا ننتقدها في نظام صدام الديكتاتوري. ويبدو أنها سنة كونية أن يجعل الطغاة لا يلتفتون إلى الماضي وأن يجعل نهايتهم بأيديهم ولا يتعظون بمن سبقهم.

يقول أحد الزملاء في بعثة الأمم المتحدة في العراق أنه أثناء عودة وفد الأمم المتحدة من مدينة الحلة بمحافظة بابل (جنوب بغداد) عام 2003 طلب الممثل الخاص للأمين العام سيرجيو دي ميلو أن يتوقف قليلًا لزيارة آثار بابل قبل العودة إلى بغداد لشدة إعجابه بتاريخ العراق وحضارة وادي الرافدين. وكان في استقبالهم ضابط في الجيش الأمريكي الذي كان يحمي المنطقة ورافقهم إلى آثار بابل ومسرحها المشهور والأسد الرابض منذ آلاف السنين بالإضافة إلى صورتين عملاقتين لنبوخذ نصر وصدام حسين. كان يتكلم ذاك الضابط ويشرح تفاصيل لا يعرفها إلا متخصص في علم الآثار والحضارات القديمة. ومن جملة ما قال: “على هذا المسرح كتابات بابلية لو أحسن قراءتها صدام حسين لما كنا هنا الآن”. والتي تقول بما معناه “لو دام الحكم لغيرك لما وصل إليك”. فصدام لم يتعظ بمن قبله والقادة الجدد أيضًا لم يحسنوا قراءة التاريخ ويحاولوا عدم تكرار الأخطاء التي ارتكبها من سبقهم وكانت سببًا في نهايتهم وأهمها دور الأبناء في نهاية حكم آبائهم.

لو استعرضنا القادة الجدد بعد عام 2003 ودور أبنائهم وعوائلهم وتدخلهم في عملهم فسترى العجب العجاب، وسنصل إلى نفس النتيجة التي وصلنا لها بعد معرفة سبب هزيمة وانهيار نظام صدام.

انظر مثلًا رئيس الوزراء السابق، ففي دورته الأولى كانت الأمور شبه طبيعية وتسير بانسيابية وكان هناك نجاح إلى حد ما في إدارة مؤسسات الدولة ومحاربة الميليشيات وتعاون معظم قادة الكتل السياسية معه في إدارة الدولة ولم يكن هناك أي شيء يذكر بخصوص عائلته. ولكن عند توليه للدورة الثانية من رئاسة الحكومة ظهر إلى الساحة شخصيات مقربة منه وهم ابنه وابنته وزوج ابنته. هذه الشخصيات وخصوصًا الأول لعبت دورًا أساسيًّا في وضع نهاية حكم رئيس الوزراء بسبب الممارسات التي كانوا يمارسونها في مؤسسات الدولة وحتى مع شخصيات من داخل حزبه الحاكم الذين أعربوا مرات كثيرة سرًّا وجهرًا في وسائل الإعلام أن عديًا جديدًا (في إشارة إلى عدي صدام حسين) ظهر ويمارس نفس الأسلوب في الابتزاز وعقد الصفقات المشبوهة. فقد تولى ابنه الذي ليس لديه أي تحصيل دراسي إدارة مكتب والده الخاص وأنيطت له إدارة جميع أملاك الدولة في المنطقة الدولية من فلل رئاسية وأراضٍ وقصور الوزراء وغيرها. وترأس أيضًا دائرة إصدار “باجات” الدخول للمنطقة الدولية والتي أصبحت وسيلة للتضييق على معارضي رئيس الوزراء بالسحب أو التأخير أو المضايقة. بالإضافة إلى ذلك إدارة جميع المشاريع الاستثمارية في المجمع الحكومي (فنادق، محطات وقود، مطاعم، مواقف، أسواق، خدمات التنظيف وغيرها. وانتقل بعدها للعب مع الكبار في عقد صفقات كبيرة مع الوزراء في إحالة مشاريع إلى تجار فاسدين.

وبعد ظهور نتائج انتخابات عام 2014 وحصول رئيس الوزراء بجدارة على أعلى الأصوات التي تؤهله بسهولة لأن يكون رئيسًا للوزراء، حدث ما لم يكن متوقعًا له. فقد كانت هناك معارضة شديدة لتوليه رئاسة الوزراء من كل الأطراف بسبب عمليات الفساد التي شابت حكومته في الدورة الثانية. والمفاجأة الأكبر كانت باعتراض شخصيات سياسية وبرلمانية من داخل حزبه على توليه رئاسة الوزراء بسبب الممارسات السيئة لأقاربه وخصوصًا نجله وخوفهم من عودة البلد إلى نظام صدام الدكتاتوري بقيادة أبنائه.

الموضوع لم يتوقف على أولاد رئيس الوزراء السابق فقط فهناك قائمة طويلة ومن جميع الأحزاب ممن كانت نهايتهم السياسية أو نفور الآخرين منهم وعدم الثقة بتوليهم مناصب حساسة بسبب الممارسات السيئة التي كانوا يجدونها من الأشخاص المحيطين بهم من الأبناء أو الأصهار.

في المقالة القادمة سأتكلم عن أهم خمس شخصيات حكومية من أحزاب مختلفة كانت نهايتهم السياسية على أيدي أقاربهم وما قام به هؤلاء في داخل مؤسسات الدولة من فساد وممارسات لا يعرفها إلا من كان قريبًا من هذه الأحداث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد