تعقيدات الحالة العراقية بكل تناقضاتها لا يمكن أن تمر من باب الحل بعد اتساعها الطردي واتسامه بالضيق المعهود للتدخل الخارجي المعتاد. فعندما تكون الأحزاب السياسية البيروقراطية في العراق براغماتية السلوك في وقت تتجه فيه تيارات يسارية نحو الديماغوجية الكاذبة لنيل نوع من الصبغة الظاهرية البراقة مخفية العمق المظلم الذي تخفيه عن الطبقة البروليتارية فإن النتيجة ستكون حركة دادائية لامحالة، ولن تميز بين المتوازيات والمتقاطعات مع الصالح العام، وذلك سيشكل أول صدع في قمقم المارد المعنوي، فالحذر الحذر.

أضف إلى ذلك انقسام البيوتات السياسية على نفسها وتأثيرها على العقل الجمعي للجماهير، حيث إن خطورة ذلك تكمن في إيجاد وسط مختلف بكثافته عن كثافة الواقع الحقيقي لوحدة الشعب ما يشكل زاوية حرجة تنحرف بشكل واضح للعيان عن المسار المستقيم للوحدة الوطنية وإن كانت عينية فقط إلا أنها مؤثرة بشكل مباشر على الفسيفساء السوسيولوجية وإمكانية زوال ألوان معينة وطغيان أخرى.

هذه الشوفينية التي نشرتها الأحزاب في المجتمع كالنار في الهشيم تعد الأخطر على الديموغرافية التي باتت الأكثر عرضة للتغيير القسري في ظل سيطرة المجهول على المعلوم وسياسة تحريك المختلف وتجميد المتفق التي تهدد بإعادة النظام المجتمعي إلى مُشاعية بدائية بعد ضياع جميع الحقوق، فالخوف من الآخر في جو سوداوية انعدام الثقة المتبادل جعل كل المكونات الأصيلة تنظر إلى الضفة الأخرى بعين الريبة في الوقت ذاته الذي تكون فيه مستعدة لقبول أي طيف خارجي سواء جاء من المجتمعات الأوربية أو اللاتينية أو حتى الكونفوشيوسية.

كما أن العقدتين الآنفتي الذكر لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، بل تتركبان معا لتنتجا عقدة أكبر حجمًا وأصعب حلًا، فالوسط السياسي متخم بشخصيات ميكافيلية مستفيدة من الوضع الراهن بشكل شخصي، ولا تعير اهتمامًا لمعدل الهبوط الحاد في الأداء العام، ولا تلقي بالا لديناميكية عوامل تحلل وتفكك البناء المشترك للعملية السياسية، ما يهدد جميع الموجودين فيها أحزابًا وشخصيات، من خلال الجو المشحون بالسلبية المطلقة، فعمليات التمحور نحو أقطاب يشحن كل محيطه بما يملك من سلبية تتنافر مع سلبية الآخر بالطبيعة ربما هي الحالة الأعقد إذا ما تبين جليّا أن السعي نحو المصالح المتعددة بالاعتماد على الورقة الأربح بنظر الساعين، هو الدافع نحو تسابق السياسيين في مضمار بلا خط للشروع ولا للنهاية ولا قوانين للتنافس النزيه.

إن العقلية الشمولية في السياسة العراقية لا تتصف بالدكتاتورية فحسب، ولكنها باتت تأكل ذاتها ولم تعد تملك القناعة بمكوناتها حتى وإن جاءت بعناصر ملائكية التكوين، بعدما خرجت مسارات الإصلاح عن الجادة المرسومة بين نقطة الواقع باعتباره منطلقًا وصولا إلى نقطة سينيّة لا يمكن تحديدها نظرًا للضبابية المخيمة على غايات الاصلاح وسياقاته، فبالرغم من التوجه نحو الغاية المجهول لتحقيق تغيير فحسب إلا أن كل ذلك خرج عن المسار المفترض للحالة الإصلاحية.

هذه الحالة من التخبط بين شرعنة الباطل وبطلنة التشريع، لم تأت مطلقًا من العدم إلى الوجود دون تخطيط لنظرية الخلق من خلال الفوضى اللامعيارية، فإذا ما تركنا منظارنا الضيق وأمعنا النظر في آلية السبب والنتيجة وأخذ تعاقب الأحداث بعين الاعتبار، سيتجلى عند إذ كيفية تفكك الدولة وتساقط مراكز القوة فيها بيد أطراف متناحرة أو متنافرة بل وغارقة في الاشتباكات الفكرية إن صح التعبير، ولكن النقطة التي ستكون أشد وضوحًا هي أن الأقطاب التي تنجذب نحوها تلك الأطراف هي أقطاب كولونيالية، وبعبارة أخرى فإن مراكز القوى العراقية ليست عراقية الانتماء ولا المصالح.

لقد بات من الواضح تمامًا أن هنالك أطرافًا تحاول إعادة المسار نحو المربع الأول، بعد أن ضاقت دائرة تأثيرها الجماهيري وتقاطعت مع رؤوس مثلث القوى السياسية، مدركة أنها لن تكون أكثر من صفر في أقصى شمال المعادلة في الوقت الذي لم يعد فيه وقت أصلا لمثل هذه الحسابات الضيقة.

من المؤكد أن الماضين في المسار السياسي بالمجموع غير مدركين للأينية والكيفية التي تتجه نحوها العربة المزدحمة بكل إراداتهم وأفكارهم وأوزارهم، إلا أنهم جميعًا يدركون أنه لا يمكن تحقيق انتقالة فعلية عبر تشابك كمي من الحال إلى الغاية دون الولوج في مرحلة محاسبة الذات لتحقيق رفع الفاعل بالرغم من كل أدوات النصب السياسي وعوامل الجر نحو المجهول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد