خارطة الأحزاب الدينية العراقية

تحتوي الخريطة السياسية الحزبية على حوالي 200 حزب سياسي، ما بين ديني، وعلماني، وشيوعي، وقوى تتبع الأثرياء ورجال قبائل، أحزاب طائفية، وقومية، سنية، وشيعية، وكردية، وتركمانية وآشورية، كثير منها تشكل عقب الغزو الأمريكي، هناك أحزاب تقليدية تاريخية، مثل الحزب الشيوعي الذي يكاد ينقرض في العراق أو في غرفة الانعاش، أبرز هذه الأحزاب حوالي 14 حزبًا دينيًّا شيعيًّا ستهيمن على الإدارة العامة العراقية وقواتها الشرطية والأمنية والعسكرية، ستصبح الآمر الناهي والمقرر والمشرع، جميعها على علاقة بإيران، إيران كانت ملجأ لهذه الأحزاب زمن النظام السابق، بعضها أُسسته ومولته إيران بالكامل، أبرز هذه القوى هي حزب الدعوة بزعامة الجعفري الذي تأسس عام 1957، حزب الفضيلة 2003، حزب الوفاق الإسلامي 1980، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة آل الحكيم ويترأسه اليوم القيادي الشاب عمار الحكيم أسس عام 1982 إبان الحرب العراقية- الإيرانية، حزب الله العراقي 1992، التيار الصدري وهو الذراع السياسية لجيش المهدي الذي يترأسه الزعيم مقتدى الصدر الذي كثيرًا ما تثير مواقفه الجدل في الساحة العراقية، كثيرًا ما أربك باقي القوى الشيعية، تعرض جيشه لحملة عسكرية قوية من حكومة المالكي، قتل الآلاف من أنصاره، دائمًا ما يؤكد نوري المالكي على أنه لم يميز طائفيًا والدليل ما جرى مع جيش المهدي، لكن يبدو أن الأمر مرتبط بإيران أيضًا، كثيرًا ما يطلق أنصار الصدر شعارات مناوئة لإيران وهو الحزب الشيعي العراقي الوحيد الذي انتقد هيمنة إيران في العراق، كثيرًا ما تظاهر أنصار الصدر ضد الفساد في الحكومات العراقية المتعاقبة منادين بالإصلاح.

تختلف توازنات هذه الأحزاب بحسب الجغرافيا الشيعية، لا يوجد حزب شيعي عراقي لم يشهد خلافات داخلية تمخضت عنها انشقاقات، بطبيعة الحال كان تأسيس أي حزب أو الانشقاق منه برعاية إيرانية دائمًا سواء قبل الانشقاق أو بعده، معظم هذه الأحزاب لها أجنحة عسكرية، بعضها أُسس بالأصل كمنظمةً عسكريةً ثم أُنشئ جناح سياسي لها في وقت لاحق، غير طهران اتخذت بعض الشخصيات الحزبية الشيعية العراقية من دمشق مكانًا للإقامة، منهم نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق والقيادي في حزب الدعوة، كان الصراع مريرًا بين جناحي البعث في سوريا والعراق واستقبل كل منهما معارضي الأخر، لم يشترك البعثيين في كل من سوريا و العراق سوى في العداء سوى لحركة الإخوان المسلمين التي شكلت على مدار تاريخ نشأتها هاجسًا لكل الأنظمة العربية المختلفة، حتى المتصالحة معها كانت حذرة ودقيقة بالتعامل معها.

الأحزاب العراقية المرتبطة بالولي الفقيه في إيران

لا يمكن عزل كثرة الأحزاب الشيعية العراقية واختلافاتها وانشقاقاتها وتأسيس أجنحتها العسكرية عن عاملين مهمين، يتمثل العامل الأول بالثورة الخمينية 1979 ونظرية الولي الفقيه، والحرب العراقية- الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات، معظم الأحزاب الشيعية العراقية وغيرها من الأحزاب الشيعية في لبنان والبحرين والكويت يلتزمون بولاية الولي الفقيه، المتمثلة في المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، نشأت هذه النظرية؛ أي نظرية ولاية الفقيه، على يد الشيخ أحمد النراقي في إيران، أوائل القرن التاسع عشر، وطبقها الإمام الخميني أول مرة عام 1979، بعد انتصار ثورته.

يمكن تعريف الولاية في الاصطلاح الفقهي الشيعي بأنها: «القيومية وحق التصرف للمعصومين في حق الخلق بتخويل من الله تعالى» وستتطور هذه النظرية على يد عالم إيراني لتصبح نظرية الولي الفقيه، بموجب ولاية الفقيه صارت المرجعية الدينية مصدر الإفتاء والأحكام، ولم تعد المرجعية تقتصر مهامها في الإرشاد الروحي، بل أصبحت ذات صلاحيات سياسية وإدارية ودستورية واسعة، فالولي الفقيه بالنسبة للخميني هي ولاية الرسول محمد؛ أي ولاية ربانية، فالولي الفقيه معين من قبل الإمام المهدي الغائب، لذلك لا يجوز الاعتراض على قراراته بناء على ما هو منسوب قولاً للمهدي: «إن الراد على الفقهاء كالراد علينا وكالراد على الله»، ينتخب مجلس الخبراء الذي ينتخبه الشعب، المرشد الأعلى، أي بالانتخاب غير المباشر وفق مفاهيم القوانين الدستورية العالمية، يحتفظ المرشد بمنصبه مدى الحياة، لكن يستطيع مجلس الخبراء إزاحته إذا ما تبين لهم عدم أهليته أو عجزه عن القيام بواجباته وصلاحياته حسب مواد الدستور الإيراني، يتكون مجلس الخبراء الإيراني من 88 رجل دين من فقهاء الشريعة الإسلامية، ينتخبون انتخابًا مباشرًا في المحافظات الإيرانية المختلفة لمدة ثمان سنوات ويتوجب عليهم بموجب القانون الاجتماع مرة واحدة في السنة على الأقل لمدة يومين، للمرشد 2000 ممثل برتبة «حجة الإسلام» ينتشرون في الوزارات والإدارات الإيرانية المختلفة داخل إيران وخارجها.

الولاية العامة والولي الفقيه والولاية الخاصة
والسيستاني

يمكن القول إن هناك ولايتان في الفقه الشيعي تتمثل الأولى في الولاية العامة، والتي أنجبت ولاية الفقيه السياسية المتمثلة في الخميني وطهران، فيما هناك الولاية الخاصة التي يتبناها السيستاني في العراق والتي لا تتدخل في السياسية إنما تقتصر وفق الفقه الشيعي بالأمور الحسبية ولا تتعدى سواها؛ أي الأمور الواجب القيام بها سواء، وجدت حكومة أم لم توجد، لكن تشترك كلا الولايتين بالسلطة الروحية والدينية، لكن الظروف ستجبر السيستاني بعد الغزو على إبداء الرأي والنصح فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية والقضايا السياسية العراقية الملحة ولم تتعدى آراء السيستاني خارج العراق، بعكس الولي الفقيه، وللمرجعية الدينية في العراق احترام واسع واعتبارات سياسية معنوية مهمة، لكن أبرز ما صدر عن السيستاني فيما يخص الشأن السياسي العراقي هو فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها عام 2014 بعد سقوط الموصل واجتياح داعش للأنبار، حيث لعبت دورًا كبيرًا في تأسيس ما عرف بالحشد الشعبي العراقي الذي ضم ملايين الشيعة العراقيين وغير العراقيين في صفوفه لقتال داعش، وأصبح هذا الحشد الجيش الموازي لجيش الدولة الرسمي على غرار قوات الباسيج في إيران.

الثالوث السياسي العراقي والصراع داخل البيت
الشيعي

أهم ثلاثة أحزاب شيعية دينية عراقية هي: حزب الدعوة الخمسيني أحد أقدم الأحزاب الشيعية العراقية وأعرقها، والمفرط في نخبويته ونرجسيته باعتباره المرجعية العقدية والتقليدية للأحزاب والتيارات الأخرى، وهو الممثل التقليدي للإسلام الواعي الذي يركز على علو الإسلام السياسي، ونبذ رجل الدين والتقليل من نفوذ المرجعيات، فيما يمثل المجلس الأعلى الذي بات رسومًا في الوعي العراقي بآل الحكيم ومن يمثلون من طبقة متوسطة، وفوق متوسطة وغنية، مع إحياء المرجعيات الدينية التقليدية، فيما يمثل الصدر وتياره الطبقة الشيعية الفقيرة المسحوقة والمعدومة، من المحزن أنه كثيرًا ما تعرضت هذه الطبقة لهجمات في التفجيرات الطائفية في العراق ومات الألاف منها.

من هنا يصف بعضهم الصراع الصدري الشرس مع آل الحكيم بأنه يأخذ بعدًا طبقيًّا، إذ وصف أحد كوادر المجلس الأعلى، التظاهرات الكثيرة للتيار الصدري في بغداد، المطالِبة بتحسين المعيشة ومكافحة الفساد، بأنها تنبع من حقد طبقي، كثيرًا ما يشار في الشارع العراقي إلى عمار الحكيم، الذي ورث رئاسة المجلس الأعلى عقب وفاة والده عبد العزيز في طهران وما قبل موته إلى تورطه في عمليات فساد كبيرة، ويمكن وصف عمار بأنه أحد مليارديرات العراق الكبار، تحدث الأمريكيون عن ذلك أيضًا، حيث أوقف في أحد المرات أثناء محاولة تهريبه أموالاً كبيرة من ايران، وأوقفه الأمريكان، لكنهم تراجعوا وأطلقوا سراحه لما يمثله من نفوذ ديني واسع في العراق تحديدًا في البصرة أقصى الجنوب العراقي، التي يسيطر على مقدراتها وخيراتها ميليشياته ورجاله، يمكن إسقاط نظرية أن الدين أفيون الشعوب في مثل هذه الحالات، حتى إن جماعة عمار قمعوا مظاهرة في البصرة مطالبة بالإصلاح حيث تعاملوا كدولة موازية، يتمتع عمار بدماثة عالية وابتسامة لا تفارق محياه تنم عن دهاء عالٍ، فيما يسيطر الغضب والحدة على ملامح خصمه الصدر،كلا العائلتين تمثلان ثقلا في الوسط الشيعي و كليهما دفعا اثمانا في مواجهة النظام البعثي السابق،عديد من ال الحكيم اغتيلوا سياسيا داخل و خارج العراق،عائلة الصدر كذلك فقد اعدم صدام محمد باق الصدر عام 1980 مع شقيقته بنت الهدى.

حزب الدعوة وحزب البعث وجهان لعملة واحدة

بكل الأحوال، يمكن اعتبار أن حزب الدعوة حزب السلطة وصاحب النفوذ الأوسع في الدوائر العراقية المختلفة، وهو صاحب اليد الطولى، ولا يمكن لقرار سياسي عراقي داخلي أن يمر دون بساط حزب الدعوة، ومن الناحية الديناميكية بات هذا الحزب يمثل السلطة التي كان يمثلها حزب البعث في المؤسسات العراقية حتى التعليمية، حيث يلعب كوادر حزب الدعوة الدور الذي كان يلعبه حزب البعث تمامًا، كثيرًا ما يسمع عن عمليات قمع أكاديميين واعتقالهم والتنكيل بهم وفصلهم وهروبهم إلى الخارج بناء على تقارير من حزب الدعوة، إن تحدث أي شخص وازن أكاديميًّا بما لا يرضي حزب الدعوة والسياسة الحكومية العامة، التي يمثلها حزب الدعوة، يمكننا أن نسميه استبدادًا علمانيًّا مارسه البعث ضد الأكاديميين الإسلاميين سنة وشيعة، فيما يمارس حزب الدعوة استبدادًا دينيًا ضد الأكاديميين العلمانيين.

الميليشيات العسكرية فرع أم أصل؟

تفيد التقارير الإعلامية وغير الإعلامية عن 40 ميليشيا شيعية مسلحة تعمل في العراق قبل الغزو وبعده، أولى هذه المنظمات وأكثرها شهرة هي منظمة بدر التي أسست بأمر وفتوى من الخميني عام 1982 بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بعامين، كان محمد باقر الصدر قد أصدر فتوى عام 1979 لشيعة العراق بضرورة مواجهة صدام حسين، أُعدم الصدر على يد النظام العراقي بدايات الثمانينات رميًا بالرصاص، تم اغتيال عديد من كوادر بدر وحزب الدعوة واعتقل كثيرون، فر كثيرون إلى إيران أيضًا، أُسس لواء بدر وقوامه 100 ألف مقاتل في إيران لهذا الغرض، وسيتبع في البداية حزب الدعوة الإسلامي، سرعان ما ينسلخ عن حزب الدعوة، ويتغير اسمه لفيلق بدر، وشكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والذي سيكون جناحًا سياسيًا للفيلق، سيترأس المجلس محمد باقر الحكيم الذي قتل بتفجير كبير في النجف عام 2003 بعد الغزو بخمسة شهور، قامت منظمة بدر بعديد من العمليات العسكرية ضد نظام بلده، حيث قاتل مع إيران وقام بعمليات أمنية في الداخل العراقي، منها عمليات تفجير واغتيالات، وشاركت في الانتفاضة الشيعية في الجنوب عام 1991، وأخيرًا شاركت القوات الأمريكية في غزوها العراق عام 2003، في 2004 تحولت المنظمة إلى حزب سياسي وفي 2012 وقع الطلاق مع المجلس الأعلى، وتحولت المنظمة إلى حزب سياسي مستقل، بعد دخول داعش الموصل والأنبار قاد زعيم المنظمة هادي العامري ما يعرف بالحشد الشعبي العراقي لمقاتلة داعش، قاتلت أيضًا في سوريا مع النظام .

هناك ثلاث ميليشيات بارزة هي عصائب أهل الحق التي يترأسها قيس الخزعلي، التي انشقت عن جيش المهدي الذي أسسه مقتدى الصدر وخاض معارك عديدة مع القوات الأمريكية والعراقية بعد الغزو، إلى أن جمده الصدر عام 2009، ليعود الصدر باسم جديد أسماه سرايا السلام عام 2014 لمقاتلة داعش، وأخيرًا ميليشيا أبي الفضل العباس التي أسست عقب الثورة السورية، وأُسست خصيصًا للقتال إلى جانب النظام السوري بفتوى دينية، جميع هذه الميليشيات ارتكبت انتهاكات خطيرة وتجاوزات طائفية بحق سنة العراق وأعمال خطف وتهجير وتعذيب على الهوية وحرق مساجد سنية وتفجيرها، واغتيال قيادات وكوادر أمنية وسياسية وعلمية عراقية بشكل عابر للطوائف، الاغتيالات المركزة للعلماء والكوادر العسكرية والأمنية لم تطل طائفة بعينها بل طالت الجميع وكأن هذه الميليشيات تحولت إلى قتلة مأجورين لصالح قوى أجنبية، وحتى لصالح إسرائيل المعنية بقتل الطاقات العلمية العراقية، والتي بذلت جهودًا استخباراتية ومالية كبيرة للوصول إليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد