لم تكن المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي بعد عام 2003 مجرد حدث عابر طواه النسيان، بل هو تاريخ مشرِّف سيبقى شاهدًا بين طيّات كتب النضال الوطني التي عرفت قيمة التضحية والثبات.

تركزت المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي في الأنبار وحزام بغداد ونينوى وبعض المحافظات الشرقية والجنوبية، وسجّلت مقاومة مدينة الفلوجة أحداثًا تاريخية هزَّت أركان العالم؛ لما شهدته من شراسة سكان هذه المدينة ضد أقوى جيوش العالم، حتى أجبرت الاحتلال على إيقاف عملية اقتحام المدينة لإعادة الحسابات وعمل دراسة تناسب قوة المقاومة الوطنية لإنهائها.

تعايش موجز مع المقاومة

كانت الأيام الأولى للهجوم الأمريكي عام 2004 على مدينة الفلوجة، كأنه «فيلم قتالي»، حينها كنت ترى الأخبار تتناقل بين سكان المدينة بأن العدو يعزز قواته على حدود المدينة ويغلق الطرق بالسواتر الترابية، وسط أجواء حرب ودويّ أصوات الطائرات الحربية الأمريكية، في حين أن الشوارع بدأت تكتظّ بالشباب والشيوخ والصبية، الذين يحملون أسلحة بدائية أو متهالكة، وثمة عائلات تجهّز الطعامَ والشراب لهم، وعائلات أخرى قرب السواتر بمحيط المدن تفرّغ منازلها وتفتحه أمام المقاومين، في صورة عكست حقيقة الثبات والتكاتف الوطني الذي كان القوة الأكبر في مواجهة الاحتلال.

الحديث عن المقاومة متشعّب واسع، وقد لا يتصورها كثيرون، إلا أنني عشت أحداثها وأحببت أن أطلعكم على بعض حقائقها، وهي تحتاج إلى مجلد كبير لسرد تلك البطولات التي ميّزتها وأذاعت صيتها.

كنت صغيرًا أفكر كيف سيواجه ذلك العم، الذي يحمل بندقية قديمة، طائرة «F16» التي كانت ترعبنا بالقنابل العنقودية التي تهزّ بها المدينة، في حين أشاهد في الجهة الأخرى -في أثناء محاولة خروجي من المدينة مع عائلتي- شبابًا صغارًا يهرولون نحو الشارع العام للمدينة، الذي يغص بالمدرعات والدبابات الأمريكية، وكنت قلقًا في تلك اللحظات كيف سيواجه أشباه العزّل هؤلاء هذا الجيش الجرار، وبعد أن اشتعلت شرارة الاشتباكات، أيقنت أنه لا نجاة إلا بإرادة السماء.

خرجت وأنا صغير متحمس للبقاء لأعرف ماذا يفعل من بقي داخل المدينة؟ وبعد نحو 20 يومًا وصلت الأخبار بأن الاحتلال قد عجز عن اقتحام المدينة وانسحب. هرعنا إلى العودة، وعند مرورنا في أحد الشوارع الرئيسة جنوبي الفلوجة، وإذا بشارع تحول إلى رماد وإطارات محروقة ودبابات متفحمة لم أحصِ عددها إلا أنها كانت بالعشرات، بدأت أسأل عن حقيقة هذه، فقالوا إنها إحدى ضربات المقاومة التي تعرض لها الجيش الأمريكي.

جرائم الاحتلال في المدينة

كان الاحتلال يراجع حساباته ويفكر في تعزيز قواته العسكرية حول المدينة، بقوة تناسب قوة المقاومة، بجانب زجِّ مقاومين عرب، معظمهم كان مشكوك في أمرهم، فقد أجبروا المقاومة على إدخال السلاح والأشخاص إلى داخل المدينة لسهولة الانقضاض عليهم واستنزاف قوتهم، بعكس ما كانت عليه المعركة الأولى.

وفي السابع من نوفمبر عام 2004، بدأ الاحتلال هجومه الثاني على المدينة، مستخدمًا الأسلحة المحرمة دوليًا من الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، التي لا يزال سكان المدينة يعانون من تبعاتها بارتفاع نسب الإصابات بالسرطان والتشوهات الخلقية البشعة، وشاهدت بأم عيني في منزلنا المدمر بالصواريخ الأمريكية كيف أن الزجاج قد ذاب بفعل تأثير الصواريخ الحرارية المستخدمة في هذا الهجوم.

دخلت القوات الأمريكية إلى المدينة بجيش مدجج بالسلاح، بدا كأنه مستعد لدخول إحدى معارك الحرب العالمية، وأحاط بالأحياء السكنية ليدمر الشوارع الواحد تلو الآخر بالدبابات، في حين كانت طائرات «F16» تستهدف أيّ حركة تشهدها داخل المدينة، وسط استمرار القصف الوحشي الذي لم يسلم منه إنسان ولا حيوان ولا حتى جماد، لتنتهي العملية نهاية ديسمبر من العام ذاته، بتحويل المدينة إلى ركام فوق المقاومين والسكان المحاصرين.

في ظل التكتم الإعلامي والتضليل أمام الرأي العام الدولي، ولا سيما بسبب الخجل الذي ضرب أمريكا لعجزها عن دخول المدينة في أول عملية، لم يكتشف أحد الإحصاءات الحقيقية للضحايا من المقاومين والسكان، والخسائر البشرية التي تكبدها الاحتلال، إلا أن الإحصائيات الرسمية الأمريكية تحدثت عن مقتل 82 جنديًّا أمريكيًّا في معركة الفلوجة الثانية فقط.

وبهذه العملية أنهى الاحتلال القوة الوطنية المقاومة، واستمر في حملته عبر زجِّ مجاميع متطرّفة تدّعي المقاومة لحرف مسار الوطنية منها وتضليل الرأي وتخريب سمعتها، لتستنزف بعد ذلك الطاقات الوطنية وزجِّ عشرات آلاف العراقيين في السجون، وتسليمهم إلى السلطات الحكومية العراقية التي تشكّلت طائفيًا بمباركة أمريكية إيرانية، ولتكون المقاومة العراقية قد سكتت تحت أنقاض المدن المنكوبة وخلف قضبان السجون الطائفية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد