من لم يستطع أن يجاري الرأسمالية فعليه أن ينقرض

تشهد الساحة العراقية أزمة اقتصادية، ألقت بظلالها على مختلف مفاصل الحياة في العراق، فالمواطن في هذا البلد الغني بالثروات الطبيعية يرى أن هذه الأزمة مفتعلة، ويوجه أصابع الاتهام إلى الجهات الحكومية، والسؤال الذي يطرح: لماذا خلق هكذا أزمات وتهديد قوت المواطن البسيط وحياته؟

والجواب يكمن في عدة أمور: أولها أن العراق يمر الآن بمرحلة تحول من نظام كان يتبع الشمولية الاشتراكية في الاقتصاد وإدارة الدولة إلى نظام يعتمد الرأسمالية، والتي ترى الانفتاح هو السبيل الأمثل في إدارة البلاد وتأمين اقتصادياتها، الأمر الآخر هو أنه على الرغم من الحروب المفتعلة بعد عام 2003، سواء الأهلية منها، أو التي كانت ضد الإرهابيين، ما هي إلا عوامل ترسيخ الرأسمالية، عبر تفتيت لحمة الشعب الواحد الذي كان يتبع عقلية واحدة في التفكير والنظرة إلى الأمور داخليًّا وخارجيًّا.

وحسبك مثالًا؛ الحرب على داعش التي أجبرت العراق على الاقتراض وتحمل ديون إضافية، على الرغم من أنه مكبل بالديون أصلًا من زمن النظام السابق، والمعروف أن صندوق النقد الدولي يمنح القروض وفق نظام القروض المقيدة، ويتلخص هذا النظام في الآتي، فمثلًا إن صاحب محل يقول لك أنا سأقرضك مبلغًا من المال على أن تشتري بالمال نفسه بضاعة مني حصرًا، وهذا أسلوب القتل الاقتصادي للسيطرة اقتصاديًّا، ومن ثم سياسيًّا على البلدان المقترضة.

وهناك أمر آخر مهم يكمن في عقلية المواطن العراقي، فهي عقلية تربت عقودًا من الزمن تحت نظام يتخذ من النظرية الاشتراكية مسارًا لتطور الاقتصاد والفرد ونموهما، إذ كانت الخدمات التي تقدم لأفراد المجتمع مجانية في أغلبها، والدولة تتبنى على الأغلب توفير كل الاحتياجات الضرورية للمواطن، وكانت أسعار البضائع والسلع مدعومة كليًّا أو جزئيًّا، ونعرف أو نشاهد ما تسمى بالأسواق المركزية التي بقي بنيان بعضها عامرًا لحد الآن، هذه العقلية للفرد العراقي لا تفهم التحول الذي يطرق أسماع الشعب عبر وسائل الإعلام من سياسيين ومسؤولين يصدحون به على الدوام، فالفرد العراقي ينظر إلى الأمر بكل نفس راضية انطلاقًا من فطرته، ويفسر الأمر على أنه تطور ونقلة نحو الأفضل، إلا أن الأمر مختلف تمامًا، فإن كلمة تحول تحمل في طياتها الكثير، فهنالك أمور وقوانين يراد تطبيقها على مجتمع يختلف في عاداته وتقاليده وموروثه الاجتماعي عن بلدان الغرب، فهو يتخذ من الكرم والحمية عناوين يصدح بها في كل مناسبة.

خلاصة القول، أرى أن الأمور تسير وفق العبارة الآتية «من لم يستطع أن يجاري الرأسمالية فعليه أن ينقرض». وهذا مبدأ الرأسمالية المتوحشة، وأعتقد أن الغرب يتعامل معنا وفق هذا المنظور، وأن على المجتمع العراقي أن يفهم أن البلد في حالة تحول نحو الرأسمالية والمادية، وما تقوم به وزارات في العراق كوزارة التعليم العالي مثلًا من فتح الباب على مصراعيه للكليات والمدارس الأهلية على نحو غير مسبوق، ما هو إلا طريق للهروب من الالتزامات الحكومية إزاء المجتمع، ومن هذه الالتزامات مسألة التعيينات التي تعد الشغل الشاغل، والحديث اليومي لمعظم أبناء المجتمع الذي تحول اقتصاد بلاده إلى ريعي، يعتمد أساسًا على النفط، إذ تم إلزام الكليات الأهلية بتعيين جزء من الخريجين، وهم فئة الأوائل؛ وبالتالي تُخلي الدولة سبيلها والتزامها من فئة مجتمعية معينة، وهنالك أمثلة كثيرة لتنصل الدولة من الالتزامات نحو شعبها، كتقليص الدعم لقطاع الصحة، وتوجيه الاعتماد على القطاع الأهلي في بعض الحالات، والأمر مماثل في قطاع النفط والصناعة… وهلم جرا، فهي بالتالي إرهاصات التحول المزعوم، فالواجب علينا ما دمنا رضينا بهذا الواقع وصوتنا على الدستور الجديد، أن نقولب أنفسنا على المعيشة في ظل هذا النظام الرأسمالي، ولو كنا مكرهين، وإلا سنواجه الانقراض وفق العبارة «من لم يستطع أن يجاري الرأسمالية فعليه أن ينقرض».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

المثلجات الذهبية
اقتصاد الناس
منذ 3 شهور
صنع في مصر
اقتصاد الناس
منذ 4 شهور