ليس خافيًا على أحد أن العراق كان بلا منازع أكثر دولة عربية مساهمة في حرب أكتوبر عام 1973 بجانب إخوانه العرب ضد الكيان الإسرائيلي، وأن المساهمة العراقية كانت بلا شك مساهمة غيرت موازين القوى بشكل لا غبار عليه مجهضة
خطر النكسة، التي كانت طور الوقوع، مانعًا تلك الحرب من التحول إلى كارثة عسكرية بكل المقاييس. بعد دخول القوات البرية العراقية السريع أمام الجيش الإسرائيلي على جبهة الجولان لوقف زحف الجيش الإسرائيلي شبه المنتصر، وبعد
المعارك الضارية التي جرت في تل عنت بين اللواء المدرع 12 العراقي والقوات المدرعة الإسرائيلية، والتي كانت اندفاعًا عراقيًّا غير متوقع نحو القوات الإسرائيلية المتقدمة، أنقذ فيها اللواء 12 ما تبقى من القوات السورية المنسحبة من الجولان من
الإبادة شبة المحتومة آنذاك، وأوقف التقدم الإسرائيلي نحو دمشق. إذ توقفت القوات الإسرائيلية بشكل كامل عن محاولة التقدم وانتقلت لوضع الدفاع وبناء التحصينات بعد استحواذها على التل، ذلك أن اندفاع القوات العراقية كان مباغتًا للقوات الإسرائيلية التي لم تتوقع وصول التعزيزات العراقية بعد.

مع انجلاء المعركة الأولى بدأت القيادة العسكرية العراقية بالتخطيط لشن هجمات مضادة على القوات الإسرائيلية في تل عنتر، بغية استعادة التل الذي يحميه العدو بالاستعانة بلواء مدرع معزز بمشاة آلي. كانت العملية تعتمد على 120 جنديًّا وأربع ضباط من القوات الخاصة العراقية، مقسمين على ثلاث مجموعات: المجموعة الرئيسية من 60 جنديًّا وضابطين ومجموعتين صغيرتين لكل واحدة 30 جنديًّا وضابط من القوات الخاصة، يقومون بغارة ليلية على القوات الإسرائيلية المتحصنة، موقعين أكبر خسائر ممكنة ومنسحبين بسرعة، وسيكونون مدعومين من:
• كتائب مدفعية عراقية لقصف التلال المحيطة؛ لمنع قدوم الإسناد الإسرائيلي للقوات المرابطة على وحول التل.
• كتيبة مدفعية عراقية، تمثل دورها في قصف ورمي قذائف دخانية بعد الهجوم وأثناء انسحاب الجنود لمنع مطاردتهم ورصدهم.
• ثلاث كتائب مدفعية سورية لقصف تل أحمد، الذي يقع خلف التل المستهدف والقوات الموجودة فيه؛ لمنعها من التدخل لنصرة قواتها في تل عنتر والوادي.
• كتيبة صواريخ سورية لقصف المدفعية الإسرائيلية لمنعها من التدخل.
عند حلول الليل باشر كواسر القوات الخاصة التسلل نحو التلال للاقتراب من الأهداف المقرر مهاجمتها، وعلى رأسها تل عنتر. كانت في مقدمة التل نقطتا رصد وحراسة: الأولى مكونة من دبابة و40 جنديًّا، والثانية مكونة من دبابة و15 جنديًّا، بينهما مسافة غير كبيرة. استقرت مجموعة صغيرة من القوات الخاصة العراقية أمام كل نقطة، وعلى بعد بضعة أمتار، دون أن تكتشف، أما المجموعة الأساسية «60 جنديًّا وضابطان» فقد تسللت وتجاوزت النقطتين، واصلة إلى الوادي الواقع خلف التل الذي كان يحوي أكداسًا من الأعتدة، وأعداد كبيرة من الدبابات، والمدرعات، والعجلات المركونة، إضافة إلى الجنود المنشغلين في الصيانة، والتذخير.. إلخ، فتموضع القوة العراقية منتظرة ساعة الصفر أمام قطعان العدو الغافلة بما هو آت.

مع حلول الساعة الواحدة والنصف مساء، أوعز الأمر للجنود للصولة على العدو، وفورًا خرج مقاتلو القوات الخاصة العراقية من مواضعهم، مهاجمين النقاط المقابلة لهم، صارخين «الله أكبر» التي دبت الرعب في قلوب الجنود الإسرائيليين المصعوقين والمتفاجئين كليًّا من الهجوم، فأحرقت الدبابتين في المرصد الأمامي فورًا، وتبعثر الجنود المرافقون لهما وهم يصرخون بذعر تحت رصاص القوات الخاصة العراقية، التي أبادتهم جميعًا وانقضت المجموعة الرئيسية في الوادي على الآليات والجنود فيه بزخات من الرصاص وقذائف آر بي جي؛ فكبدتهم خسائر عظيمة بالأرواح والمعدات، حتى اشتعل الوادي بأكمله، وتحول الليل إلى نهار، وكانت أصوات انفجارات واحتراق الدروع تسمع من الجانب السوري العراقي من الجبهة. وأثناء ذلك كانت المدفعية السورية والصواريخ تقوم بما خطط له، مانعة أي تدخل من باقي القوات لإنقاذ
قواتهم من المجزرة التي سببتها القوات الخاصة العراقية لها. بعد تمام العملية انسحبت القوة، وقامت المدفعية العراقية بعمل ستائر من الغاز لحمايتها، وعادت القوة بكامل عناصرها بدون أي خسائر إلا جريح واحد فقط بجروح خفيفة، بعد أن خلفوا في العدو 120- 200 قتيل وأحرقوا 11- 24 دبابة، وعددًا مجهولًا من المدرعات والعجلات!

كانت العملية صدمة تامة للجيش الإسرائيلي، وحتى للجانب السوري التي راقبت شراسة القوات الخاصة العراقية وحرفيتها. لا يهدف المقال أعلاه إلى ترويج الفخر بالحروب والنزاعات التي تسفك فيها الدماء وتهدر فيها الأنفس أيًّا كانت، ولا يبتغي تنكيلًا بالضحايا الإسرائيليين الذين قضوا بأيادي مقاتلي القوات الخاصة العراقية، وإنما هو لمحة تاريخية من أحداث حصلت، وبين جانبًا من خصال المقاتل العراقي من جهة، وسجل تخليدًا وتكريمًا لمن استشهد خلال تلك المعارك الدفاعية من جهة أخرى، ورحم الله الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب مذكرات مقاتل للفريق اول ركن نزار الخزرجي
مقابلة تلفزيونية بين قناة RT العربية مع الفريق الركن رعد الحمداني
عرض التعليقات
تحميل المزيد