لا شيء ثابت حقًّا في العلاقات والنظم الدولية، حتى ما يمكن أن يوصف مجازًا بالحميمية منها، فلا أثر يذكر للود الأسطوري بين مؤسسات تحكمها النفعية المحضة، وتدحض كل ما يعكر الصورة العامة لها. إن النظام الدولي يعرف باطنيًّا ارتجاجات صاخبة مستمرة لا تنعكس عبر الجدار المرئي للعامة من خلال السلطة الرابعة حيث تبقى الإمبريالية الإعلامية تحتفظ بمفهومها التوسعي السلبي والأجوف. هذا التداخل الساحق بين الواقع السياسي والطبق الإعلامي يعد مؤيدًا لغياب تصور عام كفيل بإقامة جسر معرفي نحو إدراك شامل للواقع. فالحصيلة البديهية لمجموع عددين لا يعني في مسرح الأحداث نتيجة محددة بعينها؛ ومرد الأمر إلى تعدد العناصر المجهولة والفجائية في مدخلات الموضوع ما يجعل المخرجات دون قيمة مطلقة.

على هذا النسق تسري مسارات الأحداث السريالية في العراق، التي لا يمكن التكهن بمستقبلها إلا في تقدير عدد الضحايا فقط؛ شأنها في ذلك كباقي البلدان التي لم تُحدد سلطتها السياسية بشكل متفق حوله. فالأمر ببساطة لا يتعلق بجملوكية أو ستراتوقراطية أو غيرها من نظم الحكم المألوفة، في شأن العراق أنحو منحى تسيُّد باكورة مصطلح أؤمن بقدسيته في تظهير الأمور ورفع اللبس وهو «الاستعموقراطية» الذي يتداخل فيه مصطلحا «الاستعمار» و«الديمقراطية»، ويعني نظام حكم يمكِّن الشعب من ممارسة الديمقراطية لكن على مستويات متدنية، بحيث يمكن للمواطن أن يدلي بصوته في الانتخابات لكن دون الإذعان في ممارسة الاستقلالية والحرية التي تتجاسر على الحقوق الاستعمارية للطرف الآخر الذي يبقى له الحق في تحديد مَن الواحد ضمن المجموع.

بلاد الرافدين تُحكم منذ سقوط الرئيس صدام حسين وتبعثر أوراق حزب البعث العراقي بالاستعموقراطية، فتارة تقع تحت حكم طهران، وتارة أخرى تحت سلطة واشنطن وتل أبيب وهكذا دواليك.

في الأيام القليلة الماضية ظهر تنظيم مسلح جديد في العراق يكنَّى بعصبة الثائرين، ويرجح ارتباطه بإيران التي أضحت أخطبوطًا متعدد الأذرع، في محاولة منها لإقامة هلال شيعي يمتد حتى لبنان، مما يجعل خشية الملك عبد الله الثاني بن الحسين من إيجاد حكومة عراقية متعاونة – بمصطلح دقيق عميلة – لجمهورية إيران حقيقة واقعة.

عصبة الثائرين بدأت نشاطها العسكري باستهداف معسكري التاجي وبسمايه، كما أصدر التنظيم المسلح شريطًا مرئيًّا يرصد فيه منشآت السفارة الأمريكية وسط بغداد، وقاعدة الأسد التي توجد فيها قوات أمريكية بمحافظة الأنبار، كما أظهرت ذلك جملة من الأخبار الصحفية والإخبارية. هذه التوطئة العملياتية تؤكد أن العناصر والكوادر تمتلك الخبرة الميدانية المسبقة كجزء ضمن الجيل الخامس من الحروب التي تباشرها الجماعات بالوكالة في المنطقة.

الهدف من وراء إنشاء هذا الفصيل العسكري لا يمكن أن تتحدد دوافعه الاستراتيجية والتكتيكية إلا من خلال المحددات العملياتية التي سيظطلع بها في المستقبل، وإن كانت بعض الآراء ذهبت إلى أن ماهية الفصيل تهم التغطية عن تحميل المسؤولية لفصائل أخرى ترتبط عضويًّا بالحرس الثوري الإيراني، وتبعًا لذلك تجنب الغضب الأميركي المباشر على إيران.

مناسبة الحديث عن عصبة الثائرين لا تخصه ككل، بل كجزء ضمن المجموع. والإطار الذي تبلور فيه هذا الفصيل لا يختلف عن العشرات من المجموعات العسكرية المشكِّلة للذراع الحديدية الإيرانية الخمينية الشيعية في المنطقة. هذه المجموعات على اختلاف بِرْوازها التنظيمي سواء أكانت لواء أو حركة أو سرية أو كتائب أو غيرها، فهي بالمحصلة النهائية تملك الأيديولوجيا نفسها، وتخدم الأهداف نفسها المملاة. وفي هذا المقام لا مناص من طرح تساؤل حول المرامي الحقيقة للصراع الأمريكي– الإيراني في العراق، وهل هذا الصراع حقيقي أم لعبة شطرنج مخابراتية؟

العلاقة بين طهران وواشنطن مرت بتداخلات وصدمات عدة، واختلفت حسب الشروط الظرفية التي تقتضيها المصالح. فإبان حكم محمد رضا بهلوي تأسس جهاز الاستخبارات الإيراني الذي كان يحمل اسم «السفاك» وذلك بمساعدة من المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، والحكم الإيراني قبل الثورة الخمينية كان خاضعًا للإملاءات الغربية.

بعد الثورة الإسلامية الخمينية عام 1979، تغيرت مسارات الأحداث والعلاقات الدولية فأضحت أمريكا تُوسم في القاموس السياسي الإيراني بالشيطان الأكبر. ومنذ ذلك الحين وهي تعمل على تثبيت الفقه الشيعي في مناطق عدة، لاسيما المجاورة لها مثل العراق. هذا الأخير كان تحت حكم صدام حسين فدعمت إيران فيلق بدر الذي كان له دور كبير في إسقاط حكم صدام حسين، الذي كان هدفًا معلنًا لمقصلة طهران وواشنطن في الآن نفسه.

بعد السقوط المدوي ودخول بغداد في دوامة لا متناهية من الصراع، احتدم معها السباق للتمركز والسيطرة على البلد. هكذا بدأت أمريكا في إقامة قواعدها العسكرية ودعم بعض الجماعات المسلحة، وبالمقابل باشرت طهران تأسيس حلفائها ذوي المرجعية الدينية الموحدة. فأنشأ مقتدى الصدر جيش المهدي في أواخر سنة 2003 لمواجهة الجيش الأمريكي وحماية المناطق والمزارات الشيعية.

فتوالت التنظيمات الموالية لطهران واستمرت المواجهة مع واشنطن وحلفائها، إلى وقت ظهور تنظيم الدولة المسلح «داعش»، حيث اجتمعت مرة أخرى أهداف البلدين كسابقتها إبان مرحلة الكيد لنظام صدام حسين. فأعلنت واشنطن تحالفًا دوليًّا لمواجهة داعش؛ وأصدر المرجع الشيعي في العراق علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي التي بموجبها اجتمعت جماعات مسلحة موالية لطهران ضمن ما يسمى الحشد الشعبي، الذي يعد قوات نظامية في الجيش العراقي، هذا الحشد تأسس بأمر من الرئيس العراقي نوري المالكي، ذي المذهب الشيعي.

رغم دخول إيران في حلف مواجهة الإرهاب، فإن واشنطن لم تخفف من حصارها الاقتصادي عليها أو إيجاد صيغة تفاهم حول برنامج طهران النووي. فلعل الثناء الأمريكى على الحشد الشعبي في حربه ضد داعش، يجد مبرره في الرغبة الأمريكية في إنهاك إيران في حروب على عدة جبهات، أو على النقيض تمامًا من ذلك الرغبة في جعلها جدارًا ناريًّا لتدمير البلدان ذات المذهب السني وتمكين الشيعة من السيطرة على زمام الأمور.

هذا ما تحقق تمامًا، فعدد من رؤساء العراق وكبار مسؤوليها لهم ولاء لطهران. إما بسبب العقيدة الدينية والفقهية، وإما لكونهم عملاء لها في البلد. و هذا ما كشفت عنه أزيد من 700 وثيقة استخباراتية مسربة، كشفت عنها جريدة نيويورك تايمز وموقع إنترسيبت؛ ترصد جملة من الوقائع والتفاصيل التي جرت بين سنتي 2014 و2015، منها زرع طهران لعملاء لها في الحكومة العراقية لرئيس الوزراء حيدر العبادي كبطانة غير رسمية، والكشف عن آلاف من العناصر الأخرى في شتى المواقع والمناصب داخل العراق.

التفكير النمطي التقليدي الذي يمكننا من استقراء التفاصيل واستنباط آثارها أو الانحياز للإدراك المتأخر، يحيلنا إلى أن الهدف الأثيل لتغيير النسيج الاجتماعي والسياسي في البلاد العربية، يعزى إلى اتفاقية بريطانية –فرنسية «سايكس بيكو»، إلا أن الواقع اليوم يُوجد طرفًا آخر وهو الجمهورية الإيرانية الإسلامية. فهل تعد طهران وواشنطن أعداء أم حلفاء في الظل؟

إنما المواجهة التي تقودها طهران ضد أمريكا وحلفائها هي معركة صادقة وواقعية، تريد من خلالها تملك الأسلحة الدفاعية، والمحافظة على حدودها. وهذا النجاح تكلل على أكثر من نقطة في سوريا والعراق واليمن. وهو الانتصار نفسه الذي تُحققه كوريا الشمالية، وكوبا، وحزب الله، وحركة المقاومة الإسلامية حماس، وحركة طالبان وغيرهم. فإيران تحقق إنجازات عسكرية واستخباراتية كبيرة جدًّا، وهي تحاول تملك قواعد وحلفاء لها في المنطقة درءّا لأي تقدم إسرائلي– غربي.

فالعراق اليوم لا يمكن عدُّها شعبيًّا ومؤسساتيًّا متمتعة بالاستقلالية الكاملة حتى نعتبر جزافا أن انتفاضة بريئة يُراد لها التحقق. فالشيعة والأكراد يتقدمون في البلد على حساب السُنَّة، وهذا هدف تسعى إليه إيران حقيقة، ولعل في نَفَس واشنطن شيئًا من هذا البرنامج التغييري للنسيج العربي الإسلامي، ولذلك تترك متعمدة فراغًا لتُفعمه إيران، وهذا ما يُدرك مبدئيًّا من خلال الخطاب الغربي المناهض للإسلام الذي يشير بالبنان إلى الإسلام السني دون الشيعي، وإلى السعودية دون إيران في الجانب الديني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد