رواية الحرب العراقية

عندما وضعت الحرب أولى الخطوات على أرض العراق، ثم استقرت وعشعشت في كلّ ثنية فيه، وتغلغلت من الشوارع إلى البيوت، ومن داخل أسوار السياسة إلى قلبِ دور العبادة، ومن وسط بلادة الصقيع إلى نفوس الناس الذين كانوا إخوة، أصبحت مادة الحرب مادة ممتازة لأيّ قاصٍ وراوٍ كي يوصل صوته حول ما رأى، وكي ينفّس عن المشاعر المتناقضة في نفسه تجاه وقت كانَ فيه العراقي يشعر بكلّ لحظة في انفجار داخل روحه قبل انفجارات العبوات في الشوارع، وبانحسار النور داخل نفسه قبل مغيب الشمس كلّ وقت غروب.

أقصدُ وقت الحرب وما بعدها، أي من 2003 حتى 2010، قبل أن تضمحل الطائفية المسلّحة، وتبدو على وجه أقلّ بجاحة ووضوحًا مما كانت عليه.

– الأدب الروائي عن تلك الفترة

تناول روائيون كثيرون وضع الحروب ونتائجها، والمكوث معها أو الغربة عن البلاد وعنها، وقد تشابهت أقلامٌ كثيرة في طريقتها حول ما ترويه وتحكيه، ولربما غطّى الملل الكثير من الصفحات المكررة التي تعيش نفس السياقات ولا تأتي بما هو جديد عن الأبعاد المعيشية، لكن ثلاثةً أبهروني في مقدرتهم على إيصال أنفاسِ الحياة مع الحرب في ذلك الوقت، الوقت الذي كنتُ فيه طفلًا أذهب للمدرسة الابتدائية، وأكافئ عند رجوعي بوابل من رصاص المعارك لا بكيسٍ جميل من الحلوى.

في ذلك الوقت عشنا التناقض الشعوري، فما بين الخوف والهلع مما يجري، كان للأمان الزائف جمال، عندما يبدأ القصف، وتذهب الكهرباء، تجمعٌ حول الشمعِ عندَ ذهابها، بعضنا يحضن الآخر، يخبرنا كبارًا وصغارًا أننا لا زلنا بشرًا ولم نتحول إلى مسوخٍ لا تعرف الحياة الإنسانية.

سنان أنطون وإنعام كچه چي وشاكر الأنباري، أعطوا تلكَ الفترة روحها الحقيقية، وتنوع ردود الفعل عليها، وسنتناول بإيجاز طبيعة الروايات الثلاث: (يا مريم) لسنان، و(طشّاري) لإنعام، و(نجمة البتاويين) لشاكر.

– إنعام كچه چي وروح العائلة

عندما تصف انعدام في روايتها «طشّاري» التحولات السلوكية والفكرية التي غزت «وردية» الشخصية الرئيسة، والمجتمع الذي حولها، ما بين الغربة والوطن، ما بين الفرحة والحَزَن، ما بين بطش ابن البلد والمحتل، نجدُ دائمًا أنّها تعود لركن العائلة والمجتمع المصغَّر، تفاصيل من قبيل الحليب الدافئ الذي كانت تقدمه لابنتها التي تدرس البكالوريا، أو حرصها على مرضاها عندما عملت كطبيبة في الجنوب، وحتى عندما كانت «وردية» في الغربة مع حفيدتها التي تتحدث اللغة الأجنبية، وتسمع «وردية» مصطلحات شبابية جديدة، كانت إنعام تنظر لحفيدة وردية كروح للعائلة الممتدة في مكانٍ ليس هو أصلها، ولا وطنها، لكنها تتكيف مهما حصل، وهذه إحدى ردود الفعل وتصرفات وتكيفات بعض العراقيين تجاه الحرب: الركون للأسرة والعائلة.

– سنان أنطون وقوة التفاصيل الصغيرة

دخل سنان أنطون في «يا مريم» حتى إلى السرير الذي ترفض فيه «مها» ممارسة الجنس مع زوجها غارقةً في البؤس، مما كان يدفع الزوج إلى مشاهدة الأفلام الإباحية وهي تعلم بذلك غير آبهةٍ بشيء، حيث إنّ مها شعرت باغتصاب روحها من بني بلدها قبل أن تغتصب البلاد كاملة من الغريب، فما عادت للمعاني عندها تلك الأهمية.

أي مضطهد آنذاك كان إمّا مها أو زوجها في الغالب، يعيشُ بؤس الواقع أو مخدرات الخيال، لكنّ «يوسف» كان روحَ التوازن والحلم، والنظرة المترامية الأطراف والتي لا تنظر إلى اللحظة، وإنما إلى عدد لا يحصى ولا نهائي من اللحظات المتغيرة، يستذكر قصصه بتفاصيلها الصغيرة التي تبهج، وكأنه يقول: بهذا الحجم الصغير من البهجة أعيش، فكيف إذا ما أخذنا حقّنا المستحق من الاستقرار والبهجة؟.

وسنان كذلك يعطي أشكالًا من ردود الأفعال على الحرب ونتائجها بطريقة تلامس الواقع وتصبغ بالأمانة.

– شاكر الأنباري وصِدق الصداقة

تعرف منطقة «البتاويين» القديمة في بغداد، بانتشار بيوت للدعارة فيها ونشاطات أخرى غير قانونية، وفي رواية «نجمة البتاويين» يجتمع الأصدقاء في شقة في البتاويين هي تلكم النجمة، فلولاها لما استطاعوا تجاوز تلك الأيام الحالكة.

باختلاف أفكار الشخصيات كانت كلّ نقاشاتهم تنطق بصوت واحد: المقاومة لأجل البقاء، ولا شك أنّ اليأس مع كل صوت انفجار أو إطلاق رصاص يعاود الظهور، لكنّ «أحلام العاهرة» عندما كانت تظهر، كانت صوتًا للأمل الذي يظهر فجأة في ظل رتابة الكآبة، فأحلام صورة مجسدة للأمنيات والأحلام الضاحكة فينا، والتي نجهل وقت ظهورها، لكنها تظهر، ولا نعرف سرّ وجودها، لكنها موجودة.

إذًا كلٌ ممن ذكرت من الروائيين الثلاث، كانت لديه نظرته الصادقة ومحورها عن حياة الحرب في أصداء التناقض الوجداني، فشخوص «البتاويين» يعتصمون بالصداقة، وشخوص «يا مريم» يلجأون للتفاصيل الصغيرة المختلفة، وشخوص «طشّاري» تسقيهم الإباءَ روحُ العائلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد