لم يكن مستغربًا عند المراقبين، أن يشكل الحكيم تحالفًا سياسيًّا جديدًا، وسط ركود الكتل السياسية وسكونها، مثلما كان الاسم الذي اختاره لتحالفه، متوقعًا، إذ يبدو أنه أراد أن يوجه من خلاله رسائل شديدة، يصمم فيها على ملامح المعادلة التي اختارها لنفسه.

ما عاد مخفيًّا على أحد تعدد المعادلات، واستفحال سياسية المحاور التي تتخذها العديد من القوى السياسية؛ وبين معادلة طهران ومعادلة واشنطن، هناك كثير من المعادلات والمحاور ممن يملكن تأثيرًا في السياسة العراقية، وبنظرة بسيطة للجبهات السياسية، يمكن تحديد ميولها إلى أي معادلة وإيمانها بأي محور. لكن الحكيم بقي عصيًّا على المتابع تحديد المحور الذي يتخذه من المحاور المتسيدة، إذ يحسبه من يوالي ويميل لمعادلة طهران؛ على معادلة واشنطن، وبالعكس يحسبه من يميل للثانية، ولهذا لم يسلم الحكيم من استهداف كليهما.

في عام 2010 وأثناء مفاوضات تشكيل الحكومة آنذاك، طلبت إيران من الحكيم، أن تصوت كتلته للمالكي رئيسًا للحكومة، والطلب ذاته طلبته الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، وهو ما طُلب نفسه من بقية الكتل السياسية؛ ولهذا السبب، بالإضافة للمغريات الكبيرة التي عُرضت حينها، حصل شبه إجماع على السيد المالكي، ونال دعمًا من القوى السياسية لم ينل مثله أحد لا قبل ولا بعد. ووحده الحكيم رفض تلبية الطلب، ولم يعط دعمه لحكومة المالكي الثانية، ومارس ثقافة الاعتراض، واصفًا الحكومة بأنها «ولدت ميتة».

لم يكن الإصرار على الرفض حينها، كرهًا للجمهورية الإسلامية أو الولايات المتحدة، أو كرهًا للمالكي شخصيًّا، بل لأنه كان يعتقد أنها خطوة تضر ببغداد ولا تخدم إلا تلك المعادلات.

معادلة بغداد

عمل الحكيم منذ تصديه، على تقوية معادلة ذات أحقية، ينطلق قرارها من بغداد، ولبغداد فقط، حيث لا تفضيل لمعادلة من خارج الحدود على معادلة بغداد، ولا عمل إلا تقديرًا لمصلحتها، وقد واجه مشكلات كبيرة بسبب تبنيه لهذه المعادلة! واحدة من أهم مشكلاته، أنهُ كان وحيدًا، وعلى رغم قوة تأثيره السياسي، فإنه لا بد من مقاعد نيابية أكثر من التي يمتلكها، كيما يعزز قوة معادلة بغداد، وينتصر لها.

بعد أن ضُمن حق الأغلبية، وإنصاف العراقيين بمختلف مكوناتهم، وجعل ذلك الإنصاف من الثوابت، يبدو أن الحكيم رأى عدم حاجة التكتلات الطائفية والتقسيم العرضي للوطن، ولا فائدة تنتج بقدر المضرة، ولذلك رأينا توجهه لإعادة هيكلة التحالفات، وتقسيم الجبهات. إذ صدم الجميع عام 2018 بتشكيله نواة تحالف جديد، يضم شيعة وسنة وكردً، سُمي بعد ذلك بتحالف الإصلاح، الأمر الذي أجبر بقية القوى السياسية – بعد المباغتة- الذهاب في الاتجاه نفسه، وتشكيل ما سُمي بتحالف البناء. على الرغم من العروض التي تلقاها الحكيم بغية عدم سلك هذا المسلك، ومنه ما كشفه حيدر الملا من عرض السفير الإيراني على الحكيم، قيادة جميع القوى الشيعية وزعامتها، في سبيل الإبقاء على التكتلات الطائفية والتقسيم العرضي.

بالإضافة لهدف عبور الطائفية وتجاوزها، كان هناك هدف تطوير النظام، من خلال تجاوز الشراكة، باتجاه نظام الأغلبية الوطنية، حيث وضح في عدة مناسبات، أنه يريد أن يرى أغلبية وطنية – تضم شيعة وسنة وكردًا وبقية المكونات- تحكم، وأقلية وطنية – من جميع المكونات أيضًا – تعارض، إلا أن التفاف بعض قوى التحالفين، مثل الفتح وسائرون، وتحالفهم سويةً بغية السيطرة على الحكومة، ولخوف بقية القوى من «مجازفة المعارضة»، اضطر الحكيم أن يسلك وحده منهج المعارضة، تاركًا تحالف الإصلاح، الذي لم يلبث حتى تشتت بعده.

صراع المعادلات

عاما 2019 و2020 وصل صراع المعادلات أوجه، وكادت بغداد أن تغرق بسببه، حينها كادت القوى السياسية أن تشنق نفسها، نتيجةً لضياع البوصلة، وتراجع قوة تأثير المعادلات التي تحتضنهم، كناتج حتمي لازدياد حدة التوتر بين المعادلات، والغضب الشعبي الذي أظهرته احتجاجات تشرين بشكل غير مسبوق. وقتها؛ لم ير أحد من أتباع المحاور الخارجية، مكانًا للحل عند داعميه، فلا واشنطن استطاعت احتواء أزمتهم، ولا طهران. فما كان منهم إلا الخضوع لمعادلة بغداد، والاستماع إليها، وهو ما كانت نتيجته حكومة الكاظمي.

حكومة الكاظمي

أفرزت الأزمة والصراعات الأخيرة، فرصة لتشكيل حكومة وطنية، ليس في تشكيلها ذات قوة وتأثير النفوذ الخارجي كسابقاتها، وبعد فشل المعادلات الخارجية بمحاولاتها، استطاع الحكيم أن يقنع بقية الأطراف العراقية باختيار يناسب وضع العراق الراهن، ويسهم في حلحلة جزء من مشكلاته وأزماته، فكانت حكومة الكاظمي.

يواجه الكاظمي مع حكومته معوقات كبيرة، أهمها قوى اللادولة التي بدأت تتسيد، وعدم نيله لدعم قوي، لا من المعادلات، ولا من الكتل البرلمانية الكبيرة، وذلك يشكل تهديدًا على سير حكومته، ومعرقلًا لأي إجراء يمكن اتخاذه إذا كان يخالف مصالح سياسية لهم، خصوصًا إن كان جادًا في حراكه لإعادة هيبة الدولة ودعمها.

قوى اللادولة والسلاح المنفلت

ما عاد مخفيًّا على أحد، أن انتخابات 2018 منحت بعضًا من قوى اللادولة مقاعد عديدة في البرلمان العراقي، وهو ما عزز من قوتها ووجودها، حتى باتت تتحكم بكثير من المفاصل، ويسمع لقولها في عديد من الجوانب، حتى إنها كانت إحدى الأسباب الأساس في فشل حكومة السيد عادل عبد المهدي وإطاحتها، ليس من خلال معارضتها، بل من خلال المشاركة فيها.

يحمل جزء من هذه القوى، السلاح علنًا، بحجج متعددة، وما أصبح مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا منه لا يخضع للدولة ومؤسساتها، خصوصًا بعد ما جرى من اعتقال لمجموعة تتبع إحدى الفصائل، ورد الفعل الذي تلاه. وهو ما يشكل تهديدًا كبيرًا بوجه سير الدولة نحو استعادة هيبتها.

حكم التشدد

لا يعني التشدد – بالضرورة – الإرهاب أو ما شابهه، بل يأتي معناه هنا، عمن يتشدد في مواقفه ورؤاه، رغمًا عن التفاصيل التي تصب في المصلحة العامة، وما هو واضح أن كثيرًا من المتحكمين بالقرار السياسي، من المتشددين، سواء كانوا من أقصى اليمين، أو أقصى اليسار، وهو ما يؤثر سلبًا في مصلحة العراق، الذي يحتاج إلى تعامل بواقعية وتفهم، طبقًا للظروف التي يمر بها، حيث إن أخطر ما يؤثر في العمل على حلحلة الأزمات، هو التشدد والتعامل بلا اعتدال.

نتيجةً لجميع الأسباب أعلاه، بالإضافة لغيرها، أعلن الحكيم تشكيله تحالف عراقيون، ليضم أكثر من 40 نائبًا في البرلمان العراقي، ويفترض أن يزداد العدد في الأيام القادمة نتيجة الانفتاح الذي سيحدث على مساحات متعددة ولمختلف المكونات.

يحاول الحكيم أن يصنع شكلًا سياسيًّا جديدًا، يمكن أن يتناسب مع كل ما يجري، يستطيع من خلاله أن يواجه قوى اللادولة، وغيرها من قوى الأجندات، بشكل سياسي يمتاز بالواقعية، ويتعامل مع الجميع على أساس مبدأ الوسطية الذي يؤمن به ويعززه منذ تصديه، وقد وجد في تشتت قدر ليس بالقليل من النواب والشخصيات السياسية، غير الحاملة لأجندات خارجية، فرصة لجمعها وضمها في جبهة قوية، تتبنى مبادئ معينة، للوصول إلى أهداف تصب في المصلحة الوطنية أولًا، فكان «عراقيون».

يُشكِل بعض المراقبين، على ضم «عراقيون» لشخصيات امتازت في السابق بمواقف قد تتناقض مع بعض من مبادئ التحالف، ودون التبرير بالحديث عن تغير نهج هؤلاء، يمكن القول أن«عراقيون» يحمل مبادئ أساسية، يشترط في من ينضم إليه الإيمان بها، فإن حاد عنها أو خالفها بعد انضمامه، لن يبق فيه. لذا فالأجدر على من يشكل، أن ينظر إلى تلك المبادئ، ويوضح إشكالاته عليها إن وجدت.

يهدف «عراقيون»، بصورة رئيسية، إلى تعزيز دعم معادلة بغداد، ودعم الدولة، وإنشاء جبهة سياسية جديدة أساسها الاعتدال والوسطية، وأن ينفتح على المختلفين، وليحاول أن يصل إلى تطوير حقيقي في شكل النظام والحكم، بما يناسب المتطلبات والتغيرات البارزة. ويمكن القول إنه يشكل واحدة من الفرص الأخيرة لحفظ الدولة، وتحقيق شيء من الاستقرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد