لكل مجتمع عاداته وتقاليده المتوارثة من الأجداد إلى الأحفاد، وتعد التعبير الأمثل عن أسلوب حياة المجتمع ينظم على أساسها تعامل الأفراد مع بعضهم البعض في الحياة العامة والمناسبات المختلفة.

وتتشعب تقاليد المجتمع العراقي وتتنوع نتيجة للنزوح من الريف إلى المدن واختلاط الثقافتين البدوية والحضرية إضافة إلى التنوع الناتج عن اندماج الأديان والطوائف والأعراق المختلفة ببوتقة واحدة لتكون بهذا التزاوج نكهة خاصة تعبر عن روح مجتمعنا المتأصلة في أفراده وتُمَيزها عن باقي تقاليد المجتمعات المجاورة.

ويطول شرح هذه القيم فهي تحتاج إلى مجلدات وفهارس تراعي جميع أعرافها وتفاصيلها، والغرض هنا ليس لدراسة الظواهر التراثية بل لوضع الاعتبار لما اندثر منها أو ما هو على وشك الاندثار، فقد بقي الشعب محافظًا على كل تقاليده حتى سنة 2003 وما تلاها من تشتيت وتفتيت لطباع مجتمعنا وتغلغل العادات الأجنبية الغريبة واحتلالها للتركة الحضارية العراقية.

ولا يُنكَر أن بعض تلك العادات قد مضى زمنها وما عاد منها سوى نفحات قصص تسرد عن تلك الأوقات، واجه معظمها التشويه واندحرت إيجابياته، أما ما بقي منها فلا يزال يكافح الاندثار بعد ازدياد نزعات التقليد الدخيلة التي شهدها العراق بعد الاحتلال، حيث أسهم هذا التقليد في تشويه جمال مجتمعنا المحافظ، كبروز نزعات المراهقة وانتشار الفساد الأخلاقي بشكل غير مسبوق وحل الخلافات الفردية بالثأر ومنح حرية التصرف لأصحاب المنسوبيات والنسب وغض النظر عن مخالفاتهم.

إضافة إلى انحراف العادات القبلية المعنية بحل الخصومات والمسماة بـِ(الفصول)، وتحولها من فض الخلافات الكبرى سلميًا إلى روتين يمارسه رؤساء العشائر لأبسط الأسباب، تتأزم بعضها أحيانًا مسببة مواجهات مسلحة داخل المناطق العشائرية ومخلفة ضحايا وتخريبًا في الممتلكات وسط غياب الرادع القانوني من قبل ما يسمى بالحكومات المحلية أو حكومة بغداد المركزية، على الرغم من وجود أقسام مختصة بهذه المشاكل تابعة لوزارة الداخلية ورئاسة الوزراء إضافة إلى اللجنتين الأمنية والعشائرية في البرلمان الحكومي.

كما لم يكن لظواهر الانحلال الأخلاقي وانحراف الشباب وابتعادهم عن تقاليد مجتمعهم وانتشار آفات الدعارة والمخدرات بينهم، كل ذلك بسبب انشغال أولياء الأمور بمشاكل الحياة المتراكمة يومًا بعد الآخر وانحلال البنية التعليمية وإهمال احتياجاتهم ومتطلباتهم إضافة إلى ما سببته البطالة من يأس وفراغ في حياة هذه الفئة المهمة، مما سبب دافعًا لهم نحو هذه الطريق منحرفين عن أخلاقيات المجتمع المعروفة.

وغير هذه المشاكل الكثير على شاكلتها، تهدف إلى حَرف مسار التقاليد الإيجابية إلى تقليد سلبي أعمى، في مجتمع لطالما عُرف عنه تمسكه بالأعراف الاجتماعية والدينية.

إن ما حل في الآونة الأخيرة من تدمير متعمد للتراث العراقي ومحاولة طمس معالم حضارته، هذه الآثار التي تنعش تقاليدنا وتذكرنا بالماضي العظيم، لم تكن بالصدفة بل هي تنفيذ لخطط المستعمر وهدفه بإبعاد الأجيال القادمة عن تاريخها لتنشأ خانعة محطمة المعنويات بعيدة عن هويتها الوطنية ومعانيها الروحية وفاقدة لتراث أجدادها وبالتالي لشخصيتها، تواسي ضياعها بالتمسك بتراث أعداء حضارتها الدخيل، وبهذا فقد تحقق ما يريده المحتل، فلم يعد للتقاليد والعادات والعرف مكان بين فئات الشباب، بل تجد أن الدخالة والتقليد قد تغلغلا وسيطرا على عقول بناة المستقبل.

أما الحل وكيفية الخروج من هذه الأزمة فلن يأتي بالصمت والرضا، ولكن بالدفاع عن كل ما يتعلق بهذا المعتقد من تراث وعادات وأعراف ضد هذا الاحتلال السياسي والثقافي والاجتماعي، لإعادة إحياء روح مجتمعنا وتراثه الأصيل بإيجابياته الكثيرة والمتميزة، والخطوة الأولى هي تعريف الأجيال الناشئة بتاريخها وتثقيفها، قبل أن يحل ما لا يحمد عقباه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات