في مطلع يناير/ كانون الثاني 2003، أعلن بوش في خطاب ألقاه بقاعدة فورت هود بولاية تكساس، وهي أهم القواعد العسكرية الأمريكية، أن بلاده جاهزة ومستعدة للتحرك عسكريًّا إذا رفض العراق نزع أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، وأضاف أن بلاده لا تريد غزو العراق، وإنما تحرير الشعب العراقي.

أما في بريطانيا فصرح بلير قائلًا: إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وبإمكانه أن يضعها قيد التنفيذ خلال 45 دقيقة.

وهذا الزعم الذي ردده توني بلير وجورج بوش لم يخضع للمساءلة الحقيقية من قبل الأمم المتحدة أو العالم، بل تم ترديده وكأنه مسلمة، ويذكر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة وخطرها المزعوم على المدن الغربية كان أهم عنصر من عناصر الدعاية للحرب، والمؤثرة في الرأي العام البريطاني والأمريكي.

منذ 15عامًا كذب الرئيس الأمريكي على العالم بشأن وجود أسلحة دمار شامل في العراق حتى يستطيع غزوه، وشاركه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لإقناع العالم بهذه الكذبة، وفي الأسبوع الماضي كشفت لجنة برلمانية بريطانية أن بلير كان مُقنعًا في كذبته، واستطاع إرسال قوات بريطانية في الوقت الذي كان يمكن حل الأزمة دبلوماسيًا، هكذا وبكل بساطة تم الأمر بل تقبله العالم أجمع، شارك قسم منه في صناعة تلك الكذبة، وآخر شارك في تمريرها، أما الآخر، فشارك بالقتل والدعم لأجلها.

آلاف القنابل والصواريخ سقطت على رؤوسنا، لكنها لم تكن كذبًا كتلك الكذبات التي أطلقت، فقدنا بسببها وطنًا وأحبابًا حقيقيين لم يكونوا أوهامًا كما كانت، ذبحنا وقتلنا وشردنا علنًا ليس كتلك الحرب مخفية الأهداف، مررنا أرقامًا لضحايا في شبكات الإعلام لم نكن أكثر أهمية من أعداد تلك الأرقام، حرب قامت ومرت على أشلائنا، بعضنا لم يجدوا أشلاءه، لكنهم لم يتعبوا أنفسهم في البحث عنها، كما الحال مع تلك الأسلحة المزعومة التي افترضوها، والتي اتخذ قرار الحرب وزلزلة الشرق الأوسط مسبقـًا حتى قبل البحث عنها.

ما زلت أذكر حين جاءت تلك الفرق المشؤومة إلى مدرستي في بغداد يسألوننا أسئلة مستفزة عن الأسلحة، رغم أنها مدرسة ثانوية، وكأن ما أرادوا أن يقولوا لنا إن الأسلحة التي يريدون تدميرها هي تلك التي تقبع في عقول شبابنا.

أيام عشناها تحت هدم الصواريخ ورائحة بارودها، وألوان دمائنا، عرفنا فيها أن للكذب ثمنًا غاليًا لكن تدفعه الضحايا وتقبض ثمنه الأفواه العفنة، أفواه سياسيين وإعلاميين مررت تلك الكذبات، وما زالت تدفع باتجاه كذبات أكبر تبحث عن أهداف ومشاريع أكبر، عن ضحايا أكثر، عن ماكينات البروباجاندا الأمريكية البريطانية، فإن نظرة واحدة إلى ميزانيات الدبلوماسية العامة لا تدع مجالًا للشك في أن مسألة الإعلام تقع في قلب الجهد الاستراتيجي الأمريكي.

فالميزانيات المرصودة من قبل البيت الأبيض لنشر وجهة النظر الأمريكية وتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، وخاصة الإسلامي منه، تزيد عن مليار دولار سنويًا. أما الميزانية المناظرة في بريطانيا فتبلغ نصف مليار دولار ميزانية حكومية، بالإضافة إلى ضعف ذلك من ميزانية الشركات الرأسمالية الكبرى الواقفة وراء تلك السياسات، تصرف للترويج لمشاريعها وحروبها وتبريرها وتشويه صورة الضحايا، طالما صدعوا رؤوسنا بحرية الإعلام وحرية المؤسسات الإعلامية ومصداقيتها، لكن تلك الحروب كشفت زيف تلك الادعاءات وكذبها.

ورصدًا لما بثته بعض شبكات التلفزة الكبرى مثل بي بي سي، وسي بي إس، وقد قام بهذه الدراسات أكاديميون من جامعات بريطانية وأمريكية، رصدوا من خلالها مئات التقارير المتلفزة التي جاءت من ساحة المعركة وحللوا كيفية تغطيتها. وفي كل الحالات المستعرضة كانت النتيجة واحدة، وهي أن تغطية الحرب كانت منحازة وغير موضوعية ودعائية تحريضية لا تخلو من الكذب والادعاءات، ويرصد تيم غوبسل في إحدى فصول كتاب «اكذب علي» أن عدد الصحافيين الذين قتلوا هناك فاق أي حرب أخرى، وهو عدد غير مسبوق، وهذا يدلل على أمر مهم هو حجم الكذب الذي كان يراد له أن يمر دون انكشاف، حتى تظل أسطوانة اكذب علي هي السائدة.

كل هذا يعزز مقولة الحقيقة أول ضحايا الحرب، حرب لم تكن عادلة ولا منصفة بل غير مستحقة أبدًا، دمر وما زال يدمر بلدًا، دمروا كل شيء يرمز للحياة، بل لمعنى الحياة، دمروا تلك الروح التي تسكن داخلنا، بل دمروا حتى الحجر، وما زالوا يكبون علينا بدعوى التحرير كل يوم من عدو، حتى جعلوا بعضنا لبعض عدوًا، بل صرنا عدو أنفسنا، حرب صرفت عليها مليارات هائلة، لم تكن لمجرد كذبة، بل لجعل الصدق يبدو كذبة، ونشرت صحيفة ذي ديلي تلغراف البريطانية يوم 16 مارس/ آذار 2013، في دراسة لتكاليف الغزو نشرت حصيلتها بمناسبة ذكراه العاشرة أنه كلف الولايات المتحدة وحدها ما يزيد على 801 مليار دولار، وقالت إن الدراسة لو أضافت الفوائد المرتفعة المترتبة على الديون الأمريكية بسبب الحرب، فإن فاتورة الغزو قد تزيد على ثلاثة تريليونات دولار.

إحدى حقائق حرب الكذبة تلك أن رؤوس أطفال تهدم ورؤوس أموال تكدس

في المؤتمر الثاني لإعمار العراق أحد المستثمرين الأمريكيين يقول: الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم ما يزال على الأرض.

وقال جيريمي كوربين زعيم حزب العمال الحالي للبرلمان: إن الحرب عمل عدائي استند إلى ذريعة كاذبة، وساعدت في إذكاء الإرهاب وانتشاره في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط.

قُتل لأمريكا أكثر من 4500 جندي وأصيب نحو 30 ألفـًا آخرين، بينما قتل 179 جنديًا بريطانيًا فقط أكثر من 530 ألف ضحية عراقي مدني و89 ألف عسكري ومقاتل على يد القوات المحتلة، وما يقارب 800 ألف من الضحايا، مليونا مشرد في الداخل، وأكثر من مليون في الخارج بسبب فوضى حرب الكذبة.

لا أعرف حقيقة على أي كذبة أخرى سوف يدمر ما بقي في نفوسنا، ومتى يستيقظ العالم ليوقف من ما زال يذعننا لكذبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد