قالها الأديب السياسي السوري محمد الماغوط (1934- 2006): “كل طبخة سياسية في المنطقة، أمريكا تعدها وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون!”.

ولم تكن كلمات نزار قباني بعيدة عن ما قاله ابن بلده الماغوط حين أعلنها مدوية ”أكثر الكتب مبيعًا في عالمنا العربي، كتب الطبخ وتفسير الأحلام، لماذا؟ لأننا أمة تأكل وتنام وبس!”.

ويضيف الشاعر العراقي المغترب أحمد مطر وعلى خطا نظيريه: ”ثلاثة مطابخ أساسية لنجاح الكتل السياسية، أولها المطبخ القانوني وثانيها المطبخ الإعلامي وثالثها المطبخ السياسي”.

وأضيف فاختر لنفسك أيها العراقي بأي المطابخ تريد أن تغسل الصحون، ذاك أن كل الطرق تؤدي إلى المطبخ، وقلب “الناخب” يكمن في معدته!

يرى خبراء في فن الممكن “السياسة” أن تقدم الشعوب ورقيها من عدمه إنما ينطلق وبخطى حثيثة من مطابخها، فكلما ابتكرت الشعوب طبخة ذات قيمة غذائية عالية ومذاق لذيذ وتمكنت من تسويقها عالميًّا لتدحر به طبخات فلكلورية راسخة لدى شعوب أخرى كلما دل ذلك على أن هذا الشعب حي ومبدع، يأبى العبودية ويجيد اللعبة “الجيوسياسية” والعكس صحيح، وانطلاقـًا من هذا المبدأ فقد حرصت إيطاليا مثلًا على تسويق البيتزا والسباكيتي واللزانيا عبر القارات الخمس، فيما اجتهدت اليابان بتسويق أكلتها (السوشي)، في وقت تمكنت روسيا من اجتياح العالم بالكافيار، والمكسيك بفاهيتا الدجاج وألمانيا بأكلتها الشهيرة (زاور براتن)، والإنكليز بأكلتهم المفضلة (الفش أند شيبس)، أما أمريكا فقد استوعبت ذلك كله، ولاشك أن البرغر والكنتاكي فضلًا عن البيبسي كولا والكوكا كولا قد اجتاحا العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى اقتحام (حرب المطابخ) عالم السينما والتلفاز والصحف والمجلات والإذاعات والكلام يصدق على الرياضات المختلفة الخاصة بكل شعب على حدة ما سنفرد له مقالًا مستقلًا بإذن الله!

بالمقابل فإن60 عامًا خلت وأبناء الرافدين يأكلون الفلافل برغم أنوفهم خارج العراق وداخله في العهدين الملكي والجمهوري، قبل 2003 وبعده، في عهد بوش الجمهوري النازل، وعهد أوباما الديمقراطي الصاعد، وسيظلون يأكلونها ما تعاقب ليل ونهار، سواء أكان برميل النفط الخام بـ150 دولارًا أم بـ 60سنتـًا تدعو إلى التقشف وضغط النفقات، حتى أضحت الفلافل رمزًا وطنيًّا يلتف حوله العراقيون جميعهم على اختلاف مكوناتهم العرقية والمذهبية، فما بعثره الفرقاء السياسيون لم شمله الفلافل والصمون، وما شتته اللعبة السياسية جمعه طبق “الفول والطعمية!”.

سياسيون لا يعلمون شيئًا عن مصطلحاتها!

لو سألت صيدلانيًّا ما عن طبيعة دواء البسكوبان أو الفولتارين أو التينورمين أو الأموكسيل على سبيل المثال ثم لم يحر جوابًا فستعلم فورًا بأنه طارئ على المهنة ولا ريب، ولو سألت طبيبًا عن طرق الوقاية أو علاج القولون العصبي أو الصرع أو الجلوكوما أو السكري ولم يعطك جوابًا علميُّا شافيًا فستعلم حينها بأنه مدع مرتاب، والكلام يصدق على ذوي الاختصاص في كل مهنة، ولاشك أنك لو سألت 75% من سياسيينا في العراق اليوم عن مصطلح واحد من مصطلحاتها أو مفهوم من مفاهيمها لأسقط في يده ولم ينبس ببنت شفه.

ولا يخفى على متابع بأن كثيرًا ممن تصدوا للعملية السياسية في العراق اليوم لا يعلمون شيئًا عن مفاهيمها، لمست ذلك جليًّا من خلال متابعتي لتصريحات كثير منهم عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ فهم لا يفرقون بين الفيدرالية والكونفدرالية، ولا يميزون بين التيوقراطية(حكم رجال الدين) والبيروقراطية (حكم المكتب) والأوتوقراطية (حكم الفرد) والتكنوقراطية ( حكم النخبة الأكاديمية التقنية) والأرستقراطية (حكم الأغنياء والطبقة الخاصة) والديمقراطية (حكم الشعب) وهم لا يفقهون شيئًا عن البراغماتية (الذرائعية) ولا عن الليبرالية (التحررية) ولا عن الإمبريالية (الدولة التي تعيش على ريع لا تبذل فيه جهدًا ) فضلًا عن الشوفينية (العصبية القومية) والديماغوجية (النزول عند رغبات الرعاع) ولا الراديكالية (الأصولية) إضافة إلى الميكافيلية والمكارثية وغيرها كثير، وهم يشوشون على الناخب عبر خلطهم الممجوج بين تلكم المفاهيم بطريقة تنم عن جهل مطبق بأبسط قواعد اللعبة السياسية، بل بمكونات ومقادير طبخاتها أيضًا.

وبرغم أن سياسيي العراق (الإيرا أمريكي) “بلوتوقراطيون” إلا أنهم لا يعرفون أن المصطلح يعني حكم الأثرياء، وأنها أحد أشكال الحكم الذي تتميز فيه الطبقة الحاكمة بالثراء الفاحش وفي ظله، تكون درجة التفاوت الاقتصادي عالية، فيما يكون مستوى الحراك الاجتماعي منخفضًا بسبب الاستبداد الطبقي.

ولعل الخلط يبلغ ذروته من خلال تصريحات السياسيين المتلفزة بين الفيدرالية والكونفدرالية التي تطالب بها كتل عديدة في العراق تمهيدًا لتقسيمه مستقبلًا، كما أنهم لا يعلمون أن هناك اليوم أكثر من 30 دولة فيدرالية، وهي عبارة عن دولة واحدة، تضم كيانات دستورية متعددة، لكل منها نظامها القانوني الخاص واستقلالها الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي كانت متفرقة ومن ثم اتحدت فيما بينها اتحادًا فيدراليًّا ، بخلاف العراق الموحد الذي يريدون تقسيمه إلى فيدراليات، ولعمري ذلكم الجهل بعينه.

كما أن بعضهم ينادي بالكونفدرالية وهو لا يعلم يقينـًا أنها تتكون باتحاد دولتين أو أكثر من الدول المستقلة، وليس الأقاليم لتحقيق أهداف مشتركة، وذلك بموجب معاهدة بينهم تتمتع خلالها الدول الأعضاء في الاتحاد الكونفدرالي باستقلالها التام، وترتبط ببعضها بمصالح عسكرية، اقتصادية أو سياسية كما هو الحال في الاتحاد الأوربي، فيما العراق موحد أساسًا وتحويله إلى كونفدرالية يعني وببساطة شديدة تفتيته إلى دويلات وكيانات هزيلة أولًا ومن ثم الدخول في كونفدراليات أشد هزالة، وذلك إنما يمثل الجهل المطبق بعينه أيضًا.

أما عن الرأسمالية الطفيلية أو الـ”كومبرادور” فقد لعبت دورها الفاعل في الواقع العراقي والكمبرادور لمن لا يعرفها هي الرأسمالية غير المنتجة وإن كانت ابنة بارة لها، وتمارس نشاطاتها المشبوهة في البلدان – النائمة- حصرًا، ويتمثل عملها في السمسرة، والتوكيل، وبث قيم الاستهلاك الترفي، وتدمير الاقتصاد الوطني، وتجارة العملة، والتهريب وتحويل الدول النامية إلى مجرد مستورد تابع وغير قادر على الإنتاج والاستقلال الاقتصادي.
وتعد الرأسمالية الطفيلية التي تعتمد على مجموعة من رجال الأعمال المحليين الطفيليين المرتبطين بالشركات الأجنبية في الخارج أهم عائق في طريق الإنتاج المحلي وتشغيل العاطلين ونمو الاقتصاد الوطني.

وبهذا يتضح لنا أن كل “شيف” سياسي في العراق ما خلا النزر اليسير منهم إنما هو طارئ على المهنة تسنم منصبه مدفوعًا من كتلته السياسية، أو العرقية، أو المذهبية، أو العشائرية والقبلية، أو الدينية على وفق ما بات يعرف في العراق بـ”المحاصصة” التي يحاول أن يزوق بعضهم قبحها بعبارة “حكومة شراكة وطنية ” وما هي بشراكة ولا يحزنون، فاحترق الطبق تلو الطبق منذ 2003 وإلى أجل غير مسمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد