منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق، لا يكاد يمر عام من دون نكبة تطال أهل السنة في بلاد ما بين النهرين، ففي بلد حكمه نظام شمولي لمدة 35 عامًا ومضى على تغييره 12 عامًا تغييرًا جذريًّا شمل جميع أركانه السياسية والعسكرية والإعلامية وحتى الاجتماعية باجتثاث مئات الآلاف ممن كانوا ينتمون إلى حزب النظام “البعث” سواء منهم من أكرهوا على الانتظام في صفوفه أم المعتقدين به فعليًّا، لم يتضرر من كل ذلك التغيير سوى مكون واحد وهم أهل السنة على الرغم من أن 65% من قيادات النظام كانوا من الطائفة الشيعية.

تجويع الملايين

أُقدم الحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” المعين من الإدارة الأمريكية لحكم العراق إبان غزوه عام 2003، على خطوة وصفت بالتدميرية، حين حل الجيش العراقي وسلك الشرطة وجهازا المخابرات والأمن وجميع التشكيلات المرتبطة بهذه المؤسسات، إضافة إلى طرد كل من كان منتميًا إلى حزب “البعث” من وظائفهم في جميع مؤسسات الدولة بقانون أطلق عليه “اجتثاث البعث” الأمر الذي خلف مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، ما أدى إلى إصابة ملايين العراقيين بالفقر المدقع بعد حرمان ذويهم من دخلهم الشهري، وأقصد بهم عوائل أولئك الذين طالهم قرار بريمر الجائر في حل المؤسسات الأمنية، وبالرغم من جميع الدعوات الساعية إلى إعادة من لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين من البعثيين، لكن الحال لم يتغير بالنسبة للكثيرين.

خيار المقاومة

تشكلت بعد غزو القوات الأمريكية للعراق مجاميع مسلحة في المناطق والمحافظات السنية، كانت في غالبها ذات توجه إسلامي وأخرى علمانية تمثلت بالبعثيين، لمقاتلة الأمريكان على اعتبار أنهم محتلون وضرورة إخراجهم من العراق، وأن مقاتلتهم للمحتل يستند إلى الشرع والقانون، وبالرغم من الموقف “السني” الرافض للتواجد العسكرية الأمريكي في العراق الذي وصفه الكثيرون في العالم العربي والإسلامي بأنه مشرف.

تُرك أهل السنة في العراق يخوضون غمار المقاومة المسلحة من دون تخطيط ناضج، إضافة إلى رفض “سني” داخلي لأي عمل سياسي في ظل تواجد الأمريكان على الساحة العراقية واصفين كل من يمثلهم ممن فضل العمل السياسي من أهل السنة، بأنه عميل خاضع لإرادة المحتل، وفي المقابل صدرت فتاوى من هيئات سُنية تشكلت بعد عام 2003 منعت انخراط السنة في صفوف الجيش والشرطة، الأمر الذي أدى إلى عزلهم سياسيًّا وأمنيًّا، واستفرد المكون الشيعي بتلك المؤسسات المهمة، تلتها انتخابات جرت في عام 2005 وسط مقاطعة سنية ومشاركة واسعة من الشيعة والأكراد، ما زاد الطين بلة وأدخل “السنة” في نفق آخر من الفقر والتهميش، فضلًا عن استمرار تدمير مدنهم نتيجة المعارك المستمرة مع القوات الأمريكية ولا سيما في الفلوجة وباقي مدن محافظة الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وبعض مدن كركوك وبغداد.

تعسف واضطهاد

في ظل الحكومة الانتقالية ومدتها عام واحد المشكلة على ضوء نتائج انتخابات عام 2005 التي قاطعها أهل السنة في العراق، شنت حملات اعتقال واسعة في المدن والمحافظات السنية طالت عشرات الآلاف من أهل السنة بدعوى الإرهاب، ما أضاف إلى الفقر والتهميش الذي يعانيه المجتمع السني، اعتقالًا وتعذيبًا، فأصبح الفرد السني مطارد وملاحق أينما وجد، وفيما اختار الكثيرون مغادرة البلد هربًا من الاعتقال والملاحقات الأمنية المستندة على دعاوى كيدية، يلفقها المخبر السري، آثر آخرون البقاء على الهروب والقبول بالاغتيال والاعتقال والاختطاف.

الأمر الذي ولد حالة من ردة الفعل العكسية وترك الخيار المسلح والالتحاق بالعمل السياسي، فتكاثرت الأحزاب والحركات السياسية في المحافظات السنية استعدادًا للمشاركة في انتخابات عام 2006، رفع خلالها الجميع شعار “الحرية للمعتقلين”، فكانت مشاركة واسعة من الطيف السني، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال واتهمت الحكومة بالتزوير لصالح قوائم تمثل المكون الشيعي في البلد، أنتجت الانتخابات حكومة ترأسها رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي”، الأمر لم يغير في أوضاع أهل السنة، بل ازداد سوءًا وبقيت الاعتقالات والمطاردات تطال آلافًا منهم، واستمر ذلك حتى نهاية عمر الحكومة عام 2010.

وعود وآمال جديدة

أعادت الحركات والائتلافات السنية تشكيل نفسها مرة ثانية رافعة شعار “الوطنية” وضرورة الانتقال من دولة المكونات إلى دولة المواطنة، وكذلك جعلوا رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي (شيعي علماني) زعيمًا لأكبر قائمة سنية، وأعطيت الحملة الانتخابية زخمًا كبيرًا في الحملة الدعائية بدعم من بعض الدول العربية، وتمكنت من الفوز في انتخابات 2010 بفارق مقعدين عن قائمة رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي”، لكن الفرحة لم تدم، إذ فسرت المحكمة الاتحادية فقرة في الدستور تؤكد أن من يفوز في الانتخابات هو من يشكل الحكومة، لكنها قالت إن من يكوّن أكبر كتلة في البرلمان العراقي هو من يشكّل الحكومة.

واستطاع الشيعة لملمة فرقتهم وتشكيل الكتلة الأكبر، وإعطاء المالكي ولاية ثانية بتأييد كردي، واتفاق مع السنة لم ينفذ منه أي شيء، ولم يصدر عفو عن المعتقلين، وإنما شملت مذكرات الاعتقال زعامات سنية كان أبرزها نائب رئيس الجمهورية “طارق الهاشمي” وآخرين، حتى وصل الأمر إلى “رافع العيساوي” وكان وزيرًا للمالية في حكومة المالكي ويمثل أحد الزعامات السنية، عندها لجأ السنة إلى خيار التظاهرات والمطالبة بحقوقهم وعلى رأسها إطلاق سراح معتقليهم.

“داعش” يدخل المشهد

استمرت التظاهرات في المدن السنية نحو عام ونصف بدون أية استجابة من الحكومة، حتى أقدم رئيس الوزراء على اتخاذ قرار باقتحام ساحة الاعتصام في الأنبار، ما فجر صدامات مسلحة في المحافظات السنية، أدت إلى سقوط محافظة نينوى ومركزها الموصل ثاني أكبر محافظة عراقية بيد تنظيم “داعش”، إضافة إلى أقضية في محافظات (صلاح الدين وديالى وكركوك والأنبار)، ما أدى إلى نزوح نحو 3 ملايين مواطن سني من تلك المدن إلى خارجها، سكن أغلبهم في مخيمات بإقليم كردستان ومحافظات عراقية يعانون البرد القارس والحر الشديد الذي أودى بحياة عشرات الأطفال وسط إهمال حكومي وضعف الدعم الدولي في إغاثة تلك العوائل وتوفير أبسط مقومات العيش من مواد غذائية ومستلزمات طبية ومدارس مؤقتة يكمل فيها الطلبة النازحون دراستهم.

وما زال أهل السنة في العراق تشتد بهم الظروف الإنسانية السيئة ضراوة، إلا أن الوعود الحكومية تأخذ نصيبًا كبيرًا من آمالهم المستقبلية في العودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية بالعودة إلى مدنهم التي دمرتها آلة الحرب، إضافة إلى آمال أخرى تتمثل بمظلومية يتحدث بها المجتمع الدولي في كل مناسبة عن معاناتهم وما يطالهم من قتل وتهجير واعتقال يزداد يومًا بعد آخر، من دون أن يحرك ذلك ساكنًا ويغير من حياة ملايين المشردين الذين تقتصر أحلامهم على العودة إلى مساكنهم، والعيش بلا ذل في بلد حكموه لمئات السنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد