عاشوا مأساة بكل التفاصيل؛ فأكلوا الحشائش والأعشاب البرية والبحرية، ورهنوا ممتلكاتهم بما فيها ملابسهم، ناموا في حظائر الماشية، كانوا هياكل عظمية تزحف على الأرض، كل هذا وأكثر لأنهم اعتمدوا على مصدرٍ واحد.

يقول المثل القديم: “لا تضع البيض في سلةٍ واحدة”، وربما نستخف بمثل هذه الأمثال، في حين أنها تلخص لنا الكثير من حياة أسلافنا وخبراتهم؛ فضلًا عن معاناتهم التي أرادوا لنا ألا نقاسيها. فإذا كانت مواردنا التي نتكئ عليها متنوعة؛ فإن كساد مورد أو فقدانه لن يزعجنا بالصورة التي إذا ما كان هو المورد الأوحد لنا. يستقي الصحافي معلوماته من مصدرٍ ما، ويحرص على علاقةٍ وطيدة بهذا المصدر، فإن تهديد المصدر يمثل بشكل غير مباشر تهديدًا للصحافي، وربما يفقد مكانته في الصحيفة إذا ما انقطع عنه مصدره. يقتضي ذلك اعتماد الصحافي على عدد من المصادر، كما يعتمد التاجر على أكثر من مورِّد؛ ليضمن استمرار تجارته وانتعاش مكانته.

في عام 1800 فرضت بريطانيا سيطرتها على أيرلندا بموجب قانون الاتحاد، تذرعت بريطانيا بالوحدة في وجه نابليون بونابرت؛ الذي هدد الإمبراطورية البريطانية. أصبحت أيرلندا جزءًا من المملكة المتحدة، وألغي القانون الجديد البرلمان الأيرلندي بعد 500 عام من تأسيسه، ووضعت أيرلندا تحت ولاية البرلمان الإمبراطوري الإنجليزي الكائن في ويستمنستر. ولم تغفر بريطانيا للأيرلنديين الكاثوليك جُرمًا ارتكبوه في حقها من 110 سنة، وعاقبتهم إثر الوحدة عقابًا شنيعًا بكل المقاييس. حرمت بريطانيا اللأيرلنديين الكاثوليك من التعليم، والانضمام للجيش، أو البحرية البريطانية، كما حظرت انخراطهم في المهن الحكومية، ومنعت تملُّكهم للأراضي وكذلك شراءهم لها، مع منعهم من مزاولة مهنة المحاماة وتعاطي القانون، ومنع ممارسة الطقوس الدينية الكاثوليكية!

كل هذه الإجراءات التعسفية كانت تُضمِرها بريطانيا للأيرلنديين الكاثوليك منذ عام 1690 ولم يساعدها القدر في إنجازها، إلا بعد الوحدة المزعومة! كل ذنب الأيرلنديين الكاثوليك – ونسبتهم 80% – أنهم رجحوا كفة ستيوارت كينج، جيمس الثاني، في سباقه نحو العرش البريطاني ضد البروتستانتي وليم أورانج؛ فما كان من الرونستانت، إلا أن غالوا في التنكيل بالكاثوليك، وقد هُزِمَ جيمس الثاني في معركة بوين في يوليو (تموز) 1690 وتربع أورانج والبروتستانتيون على مقاليد الحكم. كانت الثروات الأيرلندية في قبضة مُلاك الأراضي البروتستانت، ولأنهم كانوا يعيشون في بريطانيا ولا يكترثون بما يدور في أيرلندا؛ فقد أوكلوا من يتولى إدارة الأرض. وبعدما كان البروتستانت يمتلكون 10% فقط من الأراضي الأيرلندية عام 1600 فإذا بهم يسيطرون على 95% من تلك الأراضي بحلول عام 1778.

في بدايات القرن الثامن عشر ظهر نظام الوسيط؛ فأصبحت الهوة بين ملاك الأراضي والمزارعين تتسع للوكلاء ومن بعدهم الوسطاء، وربما شملت السلسلة عددًا إضافيًا من الوكلاء والوسطاء من الباطن. حصرت بريطانيا الأيرلنديين الكاثوليك في حرفة الزراعة فقط، وكانت تمتص دماءهم وتشتري إنتاجهم بأبخس الأثمان، في حين اتخذت منهم وسيلة للتخلص من السلع الفائضة. كان البرلمان البريطاني يرفض مساعدة الأيرلنديين ويراهم عبئَا ثقيلًا على كاهل الإمبراطورية البريطانية، ويجدر بهم أن يكونوا أكثر إنتاجًا وتأثيرًا، بدلًا عن الاعتماد على الحلول البريطانية لمشاكلهم الخاصة.

كان المزارعون الأيرلنديون ينتجون الشوفان وغيره من المنتجات الزراعية، حتى تعرفوا على البطاطس! كان الإسبانيون قد نقلوا عن الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية (الإنكا Inca) نبتةً سماها الإسبانيون بطاطا Patata ثم أدخلوها لأوروبا، وحين وصلت بريطانيا أطلق عليها Potato وأرسلوها لأيرلندا عام 1590 كنبات زينة في بادئ الأمر. وجد الأيرلنديون في البطاطس ثروة غير مسبوقة؛ فبينما نعرف نحن الآن عن البطاطس محتواها المرتفع من البروتين، والكربوهيدرات، والفيتامينات (ريبوفلافين، نياسين، فيتامين سي)، والمعادن المهمة للجسم؛ إلا أن الأيرلنديين نظروا إليها نظرة اقتصادية بحتة. الفدان من البطاطس يكفي الأسرة الأيرلندية المكونة من ستة أفراد لعامٍ كامل، فضلًا عن أن قشورها وبقاياها بمثابة علف جيد لحيواناتهم الأليفة.

انتشار البطاطس في أيرلندا ترتب عليه الزواج المبكر، ومن ثم زيادة السكان حتى بلغوا ثمانية مليون نسمة. بحلول عام 1840 كان ثلاثة ملايين أيرلندي يعتمدون على البطاطس في حياتهم، البطاطس قد غيرت أيرلندا، وأصبحت نقطة التحول الأيرلندي، وهي تصرخ بنا أن نستفيد من هذا الدرس المؤلم؛ فليس بالضرورة أن تكابد مرارة الألم لتدرك حجمه، ولنا أن نضع هذا المثال وغيره نصب أعيننا إذا كنا نتوق لتفادي الضربات الساحقة. الاعتماد على مصدر واحد محفوف بالمخاطر التي لا تنتهي، ولذلك يتعين على كلٍّ منا أن ينوِّع في مصادر دخله، ومصادر معلوماته، ومصادر تعليمه، وإن كان طالب العلم لا يدرك نقاط ضعف شيخه وأستاذه إلا بالجلوس لغيره من الشيوخ والعلماء؛ فإن الأمر نفسه ينطبق على المصادر التي نتعامل معها.

بدأت رحلة العذاب الأيرلندي مع المصدر الواحد من 1845 ولمدة ست سنوات؛ فالبطاطس التي نسج الأيرلنديون عليها أحلامهم السعيدة في الحياة يبدو أنها ستخذلهم! انتشر في هذا العام نوعٌ من الفطريات يدعى Pytophotra infestans وهو من الفطريات الرُميَّة التي تصيب أوراق وثمار البطاطس، وتحولها إلى كتلة رخوية غير صالحة للأكل، ويعرف هذا المرض باللفحة المتأخرة. انتشرت اللفحة المتأخرة في العديد من دول أوروبا، إلا أن الضرر الماحق الذي ضرب أيرلندا لم تعرفه الدول الأخرى؛ فالدول الأوروبية الأخرى تعتمد في غذائها على مجموعة متنوعة من الخضروات، على عكس أيرلندا التي تعتمد على البطاطس فقط!

في كتابه “فتح أيرلندا الأخير” قال الكاتب السياسي، جون ميتشيل، الصادر في 1861 وهو يصف المجاعة الأيرلندية الكبرى:
لقد أرسل الله الآفة الزراعية، وصنع الإنجليز المجاعة.

اكتفى البرلمان البريطاني بدور المشاهد في هذا الواقع المأساوي، وقد تغنى بعض كبار رجالات البرلمان بأن هذه المحنة هي اختبار حقيقي لإيمان الأيرلنديين، وعليهم وحدهم أن يخوضوا غماره ويحققوا درجات عالية من الصبر والثبات. يقول فوفنارغ: “إنزال العقاب بلا داعٍ هو تعدٍّ على رحمة الله”، ومع ذلك فإن من لم يعايش مصيبتك لن يشعر بما تعانيه، وسيتُحِفُ الناسَ بما تحويه المعاجم من فضائل الصبر دون أن يتجشم عناء تقديم أبسط مساعدةٍ تُوقِفُ نزيف المشكلة. لم يكن ذلك توجُّهٌ فردي؛ بل كان الرأي السائد في بريطانيا حيال أزمة أيرلندا يؤكد ذلك، واستمرت بريطانيا تضرب حصارًا في اتجاه واحد على أيرلندا؛ فالشوفان وغيره من الخضروات تخرج من بريطانيا ولا يحصل المزارعون منه على قطمير، في حين رفض البريطانيون إدخال المساعدات الغذائية للمزارعين.

قديمًا قالت العرب: “العقوبةُ ألْأمُ حالاتِ القدرة”، وقد وصلت بريطانيا لأبشع درجات الانتقام من أيرلندا؛ فوُصِمت مجاعة أيرلندا الكبرى بأكبر كارثة إجتماعية شهدتها أوروبا، وكان في طوق بريطانيا المساعدة إلا أنها آثرت المشاهدة والتشفي. وقد أودت مجاعة أيرلندا بحياة مليون شخص، كما هاجر من أيرلندا مليون آخرون إلى كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، واسكتلندا في سفن متهالكة أُطلِق عليها “السفن التوابيت”. على متن السفن التوابيت هاجر أجداد جون. ف. كينيدي، وهنري فورد من أيرلندا إبان المجاعة الكبرى إلى الولايات المتحدة، ولأنه يشترط على المهاجر أن يدفع مبلغًا يفوق قدرته لقاء نقله في إحدى السفن التوابيت؛ فقد قبلوا بالسفر مقابل العمل كخدم لمدة خمس سنوات دون مقابل نظير نقلهم!

يبلغ العنت ذروته حين تسهم الملكة فيكتوريا بمبلغ ألفي جنيه استرليني في التقليل من وطأة مجاعة أيرلندا، في الوقت الذي جمع فيه الهنود الحمر مبلغ 731 جنيه استرليني لنفس الغرض! وحين تنامى لسمع السلطان العثماني، عبد المجيد الأول، عبر طبيبه الخاص فاجعة المجاعة الأيرلندية، قرر السلطان – الذي تحتضر إمبراطوريته وتشهد ساعاتها الأخيرة – مساعدة هؤلاء المنكوبين. ولأن البروتوكولات الرسمية تقضي بألا يتبرع أحد بأكثر مما تبرعت به الملكة، وبالرغم من عزمه على التبرع بعشرة آلاف جنيه؛ إلا أن السلطان تبرع بألف جنيه بالإضافة لثلاث سفن مُترعة بالأغذية.

لعبت البطاطس دورًا محوريًا في حياة الأيرلنديين، وقد كشفت لهم زيف الاعتماد على مصدر واحد، وكما أن الأزمات تكشف المرء أمام نفسه؛ فهي كذلك تكشف التوجهات والسياسات الدولية المختلفة. أثرت البطاطس في التفكير الأيرلندي، ووضعتهم أمام تحديات صعبة، ومع ذلك فقد نجحوا في اجتيازها.

والسؤال المهم: ما هي خطتك عزيزي القارئ للتخلص من إشكالية المصدر الواحد؟ هذا ما عليك تحديده بنفسك قبل أن يداهمك الوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد