لا تنفك مراكز الأبحاث الصهيونية عن بحث الجوانب القانونية للعدوان الصهيوني على غزة، بقصد توفير الحماية للمسئولين عن العدوان، وهم الكيان الصهيوني والقيادة السياسية والعسكرية. وإن هذه المسئولية تكون جنائية أمام المحاكم الجنائية الوطنية والدولية، ومسئولية مدنية لتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية جراء هذا العدوان، إذ يخشى الكيان الصهيوني من اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومن الملاحقات القانونية للقادة العسكريين والسياسيين على غرار إصدار قرار من المحكمة التركية الجنائية صاحبة الصلاحية بالنظر بقضية سفينة مرمرة، ولقد تتضمن القرار تجريم غابي أشكنازي رئيس هيئة الأركان السابق، وعاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، ورئيسي القوة والاستخبارات الجوية السابقين، بارتكاب جرائم حرب.

 

وحاليًا يجري محكمة قائد المنطقة الجنوبية سامي ترجمان بالمغرب؛ إذ إنه حاصل على الجنسية المغربية، وكذلك ملاحقة ضباط آخرين بجنوب أفريقيا. ولقد أصدرت الحكومة الأرجنتينية قرارًا بإسقاط الجنسية عن كل من يخدم جيش الاحتلال الصهيوني، وعلاوة على ذلك فإن الرأي العام العالمي جعل الكيان الصهيوني يعيش بعزلة؛ مما قاد إلى انتفاضة في فرنسا، وأصبح الصهيوني يستشعر بالخطر في أوروبا.

 

لقد تظاهر جيش الاحتلال الصهيوني باحترام القانون، على الرغم من الإمعان بانتهاكه، بسبب استخدام القوة العسكرية المفرطة، ووسائل قتال لا تتناسب والوضع والصفة العسكرية للأهداف الصهيونية، إذ إن التبريرات الصهيونية لن تخرق القاعدة القانونية الثابتة ثبوت الشمس بالتمييز بين الهدف المدني والعسكري، ولعدم تناسب القوة الصهيونية المستخدمة مع عدم إحداث الأضرار الناجمة عن قتل المدنيين؛ لذلك فإن قصف المساجد ومدارس الأونروا والمستشفيات وقتل المدنيين تعتبر جرائم ضد الإنسانية، ولقد أدين الكيان الصهيوني لقصفة مدرسة للأونروا عام 2008.

 

وقام الكيان الصهيوني بدفع التعويض للأونروا، وكذلك عرض دفع 20 مليون دولار لضحايا سفينة مرمرة التي ادعى أنها تحمل أسلحة عسكرية، ولقد صدر العديد من القرارات على هذا النحو في نزاعات مسلحة في كوسوفو ويوغسلافيا، ولقد اعتبر تقرير غولدستتون أن الحصار على غزة غير قانوني، وأن المقاومة لم تستخدم أهدافًا مدنية بشكل عسكري، ولم تستخدم دروعًا بشرية، بل رصد التقرير أربع حالات لجيش الاحتلال باستخدام دروع بشرية.

 

لقد عمل الكيان الصهيوني على إدارة قانونية للعدوان على غزة، وذلك لبناء (قبة حديدية قانونية)، إذ قام هذا الكيان بإجراءات تندر بالعديد من الدول، مثل مصادقة المستتشار القضائي للدولة يهودا روبتشتاين على القرارات العسكرية المتخذة بالمجلس الوزاري المصغر الكابينت، مما يربط بين الصهيونية والاستعمار والعدالة والجيش وتجنيد الكل الصهيوني في خدمة هذا المشروع الكولونيالي، حتى في بنيته القضائية فجميعنا يذكر الحكم القضائي للمحكمة العسكرية الصهيونية ضد راشيل كوري التي قتلها جندي صهيوني بآلية عسكرية؛ لأنها أعاقت عمله الاحتلالي، فالقتل في القضاء الصهيوني واستخدام آلية عسكرية كأداة قتل يتناسب مع سياسة اللا عنف بالمنظور الصهيوني التلمودي.

 

 

وعلى الرغم أن الوقوف أمام المركبة بقصد إعاقة سيرها لا يعدو أكثر من مخالفة سير عقوبتها الغرامة، إلا أن الثمن الذي دفعته هذه الناشطة كان حياتها، ودون أن تعرض على قاضي المرور بتهمة عرقلة المشاة لحركة السير، وهي أبسط مخالفة في كل التشريعات، إنها العقوبة الصهيونية التي نفذت ضدها دون محاكمة، والتي لم ترد بشريعة حمورابي.

 

وإن البدائل الصهيونية للجنة التحقيق الدولية التي شكلت من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، هي تشكيل لجان صهيونية محلية الصنع للقيام بهذه المهمة القذرة، ولقد تنافست عدة جهات للقيام بذلك، وهي وزارة العدل وقيادة الجيش والمراقب العام للدولة ولجنة الخارجية والأمن بالكنيست؛ مما يدلل على التنازع السلبي والإيجابي بالصلاحية والاختصاص، وأن الهدف من هذا الإجراء هو قطع الطريق على لجنة التحقيق الدولية، إلا أن هذه اللجان المنتشرة في الكيان الصهيوني انتشار الجدري لا تتمتع بالنزاهة والشفافية والمصداقية وغير محايدة، وتعمل على تشويه الوقائع والحقائق.

 

فلقد صدر عن اللجنة المشكلة داخل القضاء الصهيوني قرارات بهدم منزل فلسطيني، اتهم بقتل الضابط الصهيوني باروخمزراحي، وأصدرت اللجنة العسكرية قرارًا بهدم منزلي القواسمي وأبو عيشة، المتهمين بقتل المستوطنين الثلاثة في الخليل، واعتقال ستين ناشطًا من الأسرى المحررين في الضفة الغربية، وفي أبشع عملية هدم بغور الأردن استغرقت المهلة لتنفيذ قرار الهدم نصف ساعة فقط، وعلاوة على ذلك لم يفتح تحقيق بقتل العديد من المدنيين، ولم يعلن عن نتائج لجنة التحقيق المشتركة الأردنية الصهيونية بمقتل القاضي رائد زعيتر، الذي قتل بدم بارد على معبر الكرامة في ظل صمت مطبق لمؤسسة العدالة الأردنية، التي لم تحرك ساكنًا أو تحقق بهذا الحدث والاعتداء الأمني الجلل.

 

إن لجان التحقيق الصهيونية لن تسعى إلى العدالة أو توجيه انتقادات إلى المستويات العليا بالجيش الصهيوني، فلقد قامت لجنة تحقيق عسكرية سابقًا بالتحقيق مع مستويات دنيا بالجيش على أثر مقتل عائلة السموني في عام 2008، وتم إغلاق الملف دون توجيه تهمة على الرغم من استخدام الفسفور الأبيض المحرم دوليًّا، وعلى العكس فقد تم ترقية الضابط، إذ إن الجيش يجل من يقتل بدم بارد ويد غير مرتجفة دون أدنى مسئولية، مما يعمل على شرعنة القتل، وعلى الرغم من توصيات لجنة تيركل المشكلة للتحقيق بالهجوم على سفينة مرمرة، والتي دعت إلى موائمة التحقيق الوطني للقانون الدولي، وأن يعمل الكيان الصهيوني على تعزيز المسئولية والاستقلالية والشفافية والكفاءة والفعالية، إلا أن ذلك بقي في الإطار الشكلي، وبذات الوقت لن يتعاون هذا الكيان مع لجنة التحقيق الدولية لعلمه بالإدانة سلفًا، على غرار تقرير غولدستون وقرار محكمة العدل الدولية من الجدار العازل، إذ إن الإدانة ستعمل على تقييد حرية الكيان الصهيوني وإلقاء العبء الأثقل على كاهليه من المساس بالمدنيين.

 

ويظهر تاريخ لجان التحقيق الصهيونية أنها كانت تتعامل مع الضغوط السياسية الدولية والداخلية مثل لجنة فينوغراد ولجنة كهان ونتائجها السرية في التحقيق في مجزرة صبرا وشاتيلا، واللجنة المشكلة لتحقيق في مذبحة الحرم الإبراهيمي، وهذه لجان معينة من الحكومة الصهيونية، ولقد أثار تنفيذ الأمر العسكري هانيبال، الخاص بمنع أسر الجندي الصهيوني أو قتله، جريمة إبادة إنسانية في رفح لمنع أسر الضابط هادرار غولدن.

 

فالانتقام الصهيوني الذي يتخذ ضد الشعب الفلسطيني بالقتل والهدم والاعتقال والتفتيش والحصار والإغلاق وبث الذعر والخوف وأوامر القتل حتى النهاية، وتبرير ذلك بالقضاء على حماس أو تدمير بنيتها التحتية هو في حقيقته قضاء على الشعب الفلسطيني، علمًا بأنه لم يسقط مدني واحد من الجانب الصهيوني خلال العدوان على غزة؛ مما يدل على أخلاقية المقاومة وقذارة الاحتلال.

إن الاحتلال الصهيوني يزعم بأنه الجيش الأخلاقي، وأن سلاحه طاهر غير ملوث بدماء الأبرياء والأطفال والنساء، على الرغم من بشاعة الجرائم المرتكبة وسياسة الاقتلاع للشعب الفلسطيني، ويدعي أنه أدخل شاحنات من المساعدات لغزة لتحميل حماس المسئولية، والتظاهر باحترام القانون الدولي واتاحة الفرصة لأهل غزة أثناء الهدنة للنظر لحجم الأضرار الذي حل بهم، بقصد إسقاط مشروع المقاومة، ولقد عمل الكيان الصهيوني على إيجاد مقارنة بين العدوان الصهيوني على غزة والنزاع المسلح في العراق وسوريا لإضعاف الهجوم القانوني ضد الكيان، وعمل الكيان الصهيوني على فتح مستشفى ميداني على حاجز إيريز، وذلك لاستخدامه لأغراض تجسسية.

 

وعلى ضوء ذلك يجب علينا العمل على تفعيل الهحوم القانوني، واستخدام استراتيجيات لإفشال القبة الحديدية الصهيونية، إذ يعمل الكيان الصهيوني على إقامة دعاوى قضائية ضد شخصيات ومؤسسات اقتصادية فلسطينية في دول العالم، وقد كان آخرها دعوى أقيمت بأمريكا ضد البنك العربي بحجة أن المدعي بالدعوى أصيب بجراح من المقاومة الفلسطينية التي يمولها البنك العربي.

 

وكان القضاء الأمريكي قد رد دعوى مشابهة ضد البنك العربي، ويجب على الفلسطينيين أن يتحدوا وأن يسيروا إلى النهاية في هذه المعركة القانونية؛ للتضييق على الكيان الصهيوني، وخنقه قانونيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعزله حتى يتم تجويعه وتجفيف منابعه، وفقدانه للدعم المتعدد، وفضح سياسته العنصرية، ومقاطعته وسحب الاستثمارات منه، وإيقاع العقوبات الرادعة عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد